الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وتابعيه بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد ,,,
قال تعالى "وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا" (الإسراء: 34)
وقال تعالى "وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ" (الأنفال: 58)
إن مسألة التأشيرة هل تعتبر عقد أمان بين الدولة المانحة و بين الشخص الحاصل عليها إذا دخل بها إلى تلك الدولة مسألة كانت ومازالت مثار جدل خصوصا في أوساط المجاهدين
والحقيقة فإن أهمية تبيان هذار الأمر قد برزت بعد أن زلت فيه أقدام بفتاوى جانبها الصواب ممن نحسبهم على خير و نحتسبهم من العلماء العاملين العاملين الصادقين المجاهدين كما نحسبهم و الله تعالى حسيبهم ولا نزكي على الله أحدا
لكن مكانتهم عندنا لا تمنع أن نختلف معهم جزئيا في بعض المسائل إذا ظهر الحق و ترجح الدليل بخلاف ما قالوا لأننا أتباع منهج هو منهج الكتاب والسنة ولسننا أتباع أشخاص أو تنظيمات بعينها
عقد الأمان:
1- تعريفه:
الأمان لغة: ضد الخوف.
واصطلاحاً: هو عبارة عن تأمين الكافر على ماله ودمه مدة محدودة.
2- مشروعيته وأدلة ذلك:
الأصل في مشروعية عقد الأمان قوله تعالى: "وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ" (التوبة: 6).
3- ممن يصح وشروطه: يصح عقد الأمان من كل أحد من المسلمين، بشرط أن يكون:
- عاقلاً بالغاً: فلا يصح من المجنون والطفل.
- مختاراً: فلا يصحُّ من المكره، ولا السكران، ولا المغمى عليه.
فيصح من المرأة لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ». ويصح من العبد؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم».
ويكون الأمان عاماً: من الإمام لجميع المشركين، أو من الأمير لأهل بلده، وخاصاً: من آحاد الرعية المسلمين لواحد أو جماعة من الكفار.
ويقع الأمان بكل ما يدل عليه من قول مثل: (أنت آمن)، أو: (أجرتك)، أو (لا بأس عليك)، أو إشارة مفهمة أو ما دل عليه العرف بأن فيه أمان أو شبهة أمان. فالعرف له اعتبار شرعا ويجب مراعاة العرف فيما لا يخالف نصا من الكتاب والسنة
قال تعالى "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ"
فعقد الأمان إذن يحصل بصورة من اثنتين
الأولى: تتمثل في التعبير اللفظي أو المكتوب
الثانية: تكون على شكل عقد ضمني عرفي متعارف عليه بين الناس على أنه عقد أمان. وهذه الصورة هي التي تدخل تحتها "التأشيرة" أو "الفيزا"
يقول الشيخ أبي بصير الطرطوسي:
"هذه الفيزة أو التأشيرة في حقيقتها هي عقد أمان متبادل بين الطرفين، بين المانح للفيزة والتأشيرة وبين طالبها، وإن لم يحصل بينهما تقرير لفظي على عقد الأمان ... بدليل أن صاحب التأشيرة يُمنح كامل ومطلق الأمان والحماية من قبل الدولة المانحة للتأشيرة، لمجرد كونه يحمل الإذن ـ الذي هو بمثابة عقد أمان ـ بالدخول، بخلاف لو أنه جاءهم بغير تأشيرة دخول فإنه لا يحظى بشيء مما حظي به في حالته الأولى، كما أنه لا يستطيع أن يطالبهم بحقوق الدخول والحماية والأمن كما لو كان يحمل الإذن والتأشيرة في الدخول.
ولو نظرنا في المقابل إلى صاحب التأشيرة وطالبها لوجدنا أنه ـ إما بلسان القال أو بلسان الكتابة والحال ـ قد أعرب للجهة المانحة للتأشيرة عن غرضه من سفره إلى بلادهم؛ فهو إما طالب يقصد الدراسة، وإما لزيارة صديق أو رحم، وإما لغرض العلاج، وإما لغرض العمل والتجارة .. وهذه كلها تلميحات بل وتصريحات تفيد الأمان، وأنه لم يقصدهم لشرٍّ أو سوء، وإنما لأمر من الأمور السلمية الآنفة الذكر .. وعلى هذا الأساس فهم يعطونه التأشيرة والإذن في السفر إلى بلادهم.
وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان من العقلاء" انتهى كلامه
فالتأشيرة هي "إذن بدخول البلاد مقرونا باحترام دم و مال الشخص المأذون له بالدخول وفق نظام الدولة المانحة للتأشيرة"
نعم هي ليست عهدا مكتوبا بالحصانة المطلقة تتعهد فيه الدولة بعدم التعرض للشخص مهما ارتكب من مخالفات (حسب قوانينهم) , ويكاد لا يعرف عقد أمان ينص على مثل هذا
فالشخص معرض لأن يتم استجوابه و حبسه إذا ارتكب ما يعاقب عليه قانون الدولة.
مثلما هو الحال أيضا في عقد الأمان الذي يعطيه المسلمون للكافر الداخل إلى بلادهم فهو مقيض بعدم إيذاءه للمسلمين أو ارتكاب ما يستوجب قتله في شريعة الاسلام فإن ارتكب مثل ذلك انتقض العهد و أحل ماله ودمه.
فكون الشخص لا يحمل حصانة من العقوبة لا اعتبار له في هذه المسألة إنما المعتبر هنا هو الأمان المبدئي الذي يُمنح إياه عند االسماح له بدخول البلاد دخولا طبيعيا من المنافذ الرسمية للبلاد (مطارات أو موانئ)
وعقد الأمان كما سلف لا يشترط أن يكون صريحا لفظا أو كتابة ولا يشترط أن تكون له صيغة محددة
بل كل ما عرف اصطلاحا أو عرفا أو بداهة أنه فيه أمان أو حتى شبهة أمان كان عقد أمان ملزما
وهذه نقولات عن بعض أهل العلم في المسألة:
يقول ابن قدامة في المغني:
مسألة : قال : من دخل إلى أرض العدو بأمان ، لم يخنهم في مالهم ، ولم يعاملهم بالربا أما تحريم الربا في دار الحرب ، فقد ذكرناه في الربا ، مع أن قول الله تعالى : ** وحرم الربا } وسائر الآيات والأخبار الدالة على تحريم الربا عامة تتناول الربا في كل مكان وزمان .
وأما خيانتهم ، فمحرمة ; لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطا بتركه خيانتهم ، وأمنه إياهم من نفسه ، وإن لم يكن ذلك مذكورا في اللفظ ، فهو معلوم في المعنى ، ولذلك من جاءنا منهم بأمان ، فخاننا ، كان ناقضا لعهده . فإذا ثبت هذا ، لم تحل له خيانتهم ، لأنه غدر ، ولا يصلح في ديننا الغدر ، وقد قال النبي ** صلى الله عليه وسلم : المسلمون عند شروطهم } . فإن خانهم ، أو سرق منهم ، أو اقترض شيئا وجب عليه رد ما أخذ إلى أربابه ، فإن جاء أربابه إلى دار الإسلام بأمان أو إيمان ، رده عليهم ، وإلا بعث به إليهم ; لأنه أخذه على وجه حرم عليه أخذه ، فلزمه رد ما أخذ ، كما لو أخذه من مال مسلم .
( المغني لابن قدامة - كتاب الجهاد - الجزء التاسع - مسألة دخل إلى أرض العدو بأمان )
وقال الشافعي رحمه الله تعالى في الأم:
"فإن أمنوه أو بعضهم وأدخلوه في بلادهم بمعروف عندهم في أمانهم إياه وهم قادرون عليه فإنه يلزمه لهم أن يكونوا منه آمنين وإن لم يقل ذلك"
( الأم للشافعي - الجزء الرابع - مسائل في الجهاد والجزية - الأسارى والغلول)
وقال السرخسي في شرح السير الكبير:
"ولو أن رهطا من المسلمين أتوا أول مسالح أهل الحرب فقالوا : نحن رسل الخليفة. وأخرجوا كتابا يشبه كتاب الخليفة ، أو لم يخرجوا ، وكان ذلك خديعة منهم للمشركين . فقالوا لهم : ادخلوا . فدخلوا دار الحرب . فليس يحل لهم قتل أحد من أهل الحرب ، ولا أخذ شيء من أموالهم ما داموا في دارهم. لأن ما أظهروه لو كان حقا كانوا في أمان من أهل الحرب ، وأهل الحرب في أمان منهم أيضا لا يحل لهم أن يتعرضوا لهم بشيء ، هو الحكم في الرسل إذا دخلوا إليهم كما بينا . فكذلك إذا أظهروا ذلك من أنفسهم . لأنه لا طريق لهم إلى الوقوف على ما في باطن الداخلين حقيقة ، وإنما يبنى الحكم على ما يظهرون لوجوب التحرز عن الغدر ، وهذا لما بينا أن أمر الأمان شديد والقليل منه يكفي"
( شرح السير الكبير - الجزء الثاني - باب ما يكون أمانا ممن يدخل دار الحرب والأسرى وما لا يكون أمانا)
قال ابن الهمام في شرح فتح القدير :
"وإذا دخل المسلم دار الحرب تاجرا فلا يحل له أن يتعرض لشيء من أموالهم ودمائهم ؛ لأنه بالاستئمان ضمن لهم أن لا يتعرض لهم فإخلافه غدر والغدر حرام بالإجماع. وفي سنن أبي داود عنه عليه الصلاة والسلام (إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان) وتقدم قوله : عليه الصلاة والسلام لأمراء الجيوش والسرايا (لا تغلوا ولا تغدروا) في وصيته لهم".
( فتح القدير - كتاب السير - الجزء السادس - باب المستأمن)
ولا تُلغى هذه القاعدة لاحتمال حدوث غدر منهم كما حصل في بعض حالات عين من قبض على بعض المسافرين في المطار لأن الغدر من طباع كثير من الكفار فليس مجرد احتمال الغدر منهم يجيز لنا الغدر بهم بل لا يجوز نقض العهد من جانبنا إلا أن ينقضوه هم فعليا أولا
ولنضرب مثال مبسط على ذلك تضح منه الصورة
الذي يقول أن التأشيرة ليست عقد أمان لأنها مجرد إذن بدخول البلاد وليس فيها ضمان بعدم الاعتداء على دمه أو ماله
نسأله:
إذا دعاك شخص من دولة كافرة محاربة مثل أمريكا أن تدخل بيته هل يجوز لك قتله ووأنت في بيته بعدما سمح لك بالدخول
بالتأكيد ستكون الإجابة بلا
نقول له أنت اعتبرت أنك مستأمن من جانبه و بالتالي هو مستأمن من جانبك لمجرد إذنه لك بالدخول رغم أنه لم يكتب لك نصا صريحا بأنه أمنك في مالك ودمك و رغم أنه قد يغدر بك ويقتلك فقد يكون يهودي واليهود الغدر من طبعهم فالذي تقوله في هذا قله في التأشيرة
فإما أن تقبل ببنود العقد و مقتضياته و تؤمنهم طوال فترة تواجدك في بلادهم حتى تخرج إلا أن ينقضوه هم وإما إن خفت فلا تتقدم للحصول على تأشيرة أصلا وادخل البلاد إن استطعت بطريقتك أنت بغير علمهم ولا موافقتهم
يستدل البعض بقصة قتل محمد بن مسلمة لكعب بن الأشرف على مشروعية نقض الأمان مع الكفار بعد إعطاءهم شبهة أمان واستحلال دماءهم وأموالهم
و الحقيقة أن هذا نتج من خطأ كبير في الفهم
فليس في القصة نقض لعقد أمان كما يمكن أن يتوهم
فالقصة كما رواها البخاري في صحيحه هكذا:
حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال عمرو سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله فقام محمد بن مسلمة فقال يا رسول الله أتحب أن أقتله قال نعم قال فأذن لي أن أقول شيئا قال قل
فأتاه محمد بن مسلمة فقال "إن هذا الرجل قد سألنا صدقة وإنه قد عنانا" وإني قد أتيتك أستسلفك قال وأيضا والله لتملنه قال إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين
فقال نعم ارهنوني قالوا أي شيء تريد قال ارهنوني نساءكم
قالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب
قال فارهنوني أبناءكم
قالوا كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا ولكنا نرهنك اللأمة قال سفيان يعني السلاح
فواعده أن يأتيه فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم فقالت له امرأته أين تخرج هذه الساعة فقال إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة وقال غير عمرو قالت أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم قال إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب قال ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين قيل لسفيان سماهم عمرو قال سمى بعضهم قال عمرو جاء معه برجلين وقال غير عمرو أبو عبس بن جبر والحارث بن أوس وعباد بن بشر قال عمرو جاء معه برجلين فقال إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه وقال مرة ثم أشمكم فنزل إليهم متوشحا وهو ينفح منه ريح الطيب فقال ما رأيت كاليوم ريحا أي أطيب وقال غير عمرو قال عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب قال عمرو فقال أتأذن لي أن أشم رأسك قال نعم فشمه ثم أشم أصحابه ثم قال أتأذن لي قال نعم فلما استمكن منه قال دونكم فقتلوه ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه
فالقصة ليس فيها غدر (نقض أمان) و لكنها الخدعــة
=============================
و هناك فرق بين الغدر و الخدعة
الغدر محرم بالكتاب و السنة , قال تعالى "وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا"
و في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تُمثلوا ولا تقتلوا وليداً"
و الخدعة في الحرب جائزة بالسنة
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الحرب خدعة" متفق عليه
وهناك فرق بين الخدعة و الغدر و ما حصل اللبس عند البعض إلا بالخلط وعدم التفريق بينهما
فالغدر: هو نقض العهد بغير إعلام الآخر و بغير أن ينقضه هو أولا
و العهد: أن يبرم المسلم اتفاقا مع الاخر بصفته الحقيقية كمسلم على مواثيق سواء كتابية أو شفهية أو مفهومة ضمنيا (مثل عقد الأمان في التأشيرة) فلابد له إذن أن يلتزم به
من أمثلته:
صلح الحديبية الذي عقده النبي صلى الله عليه و سلم مع مشركي مكة
عهده مع يهود بني قريظة و بني النضير الذي نقضوه هم بعدها
أما الخدعة: هي أن تجعل العدو يظن أمرا على غير حقيقته ثم تأتيه من حيث لا يشعر و قد تكون بالفعل أو بالقول
فالفعل مثل حفر خندق حيث يظن العدو أن الأرض ممهدة و عندما يأتي بخيله و رجله يقع في هذا الخندق
و القول مثل قول محمد بن مسلمة لكعب بن الأشرف فهو أوهمه بالتعريض أنه كافر مثله
قال الامام النووي في شرح الحديث عند مسلم:
"ذكر مسلم فيه قصة محمد بن مسلمة مع كعب بن الأشرف بالحيلة التي ذكرها من مخادعته ، واختلف العلماء في سبب ذلك وجوابه ، فقال الإمام المازري : إنما قتله كذلك ; لأنه نقض عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهجاه وسبه ، وكان عاهده ألا يعين عليه أحدا ، ثم جاء مع أهل الحرب معينا عليه ، قال : وقد أشكل قتله على هذا الوجه على بعضهم ، ولم يعرف الجواب الذي ذكرناه ، قال القاضي : قيل هذا الجواب ، وقيل : لأن محمد بن مسلمة لم يصرح له بأمان في شيء من كلامه ، وإنما كلمه في أمر البيع والشراء ، واشتكى إليه ، وليس في كلامه عهد ولا أمان"
ثم قال ...
"( ائذن لي فلأقل ) معناه : ائذن لي أن أقول عني وعنك ما رأيته مصلحة من التعريض ، ففيه دليل على جواز التعريض ، وهو أن يأتي بكلام باطنه صحيح ويفهم منه المخاطب غير ذلك ، فهذا جائز في الحرب وغيرها ، ما لم يمنع به حقا شرعيا .
قوله : ( وقد عنانا ) هذا من التعريض الجائز بل المستحب ; لأن معناه في الباطن أنه أدبنا بآداب الشرع التي فيها تعب لكنه تعب في مرضاة الله تعالى ، فهو محبوب لنا ، والذي فهم المخاطب منه العناء الذي ليس بمحبوب" . اهــ
فهنا محمد بن مسلمة جعل كعب بن الأشرف بالتعريض يظن أنه على دينه و أنه لا يحب الإسلام (بدون تصريح بذلك)
و بذلك فإن كعب بن الأشرف عندما اطمئن بعض الشئ لمحمد بن مسلمة لم يطمئن له كمسلم أعطاه الأمان و جاء يبرم معه معاهدة إنما اطمئن لمن يظنه أنه مثله على شاكلته و على دينه فهذه خدعــة و ليست غدرا
سأل أحد الإخوة في قول الامام السرخسي في شرح السير الكبير:
"ولو أن رهطا من المسلمين أتوا أول مسالح أهل الحرب فقالوا : نحن رسل الخليفة. وأخرجوا كتابا يشبه كتاب الخليفة ، أو لم يخرجوا ، وكان ذلك خديعة منهم للمشركين . فقالوا لهم : ادخلوا . فدخلوا دار الحرب . فليس يحل لهم قتل أحد من أهل الحرب ، ولا أخذ شيء من أموالهم ما داموا في دارهم. لأن ما أظهروه لو كان حقا كانوا في أمان من أهل الحرب ، وأهل الحرب في أمان منهم أيضا لا يحل لهم أن يتعرضوا لهم بشيء ، هو الحكم في الرسل إذا دخلوا إليهم كما بينا . فكذلك إذا أظهروا ذلك من أنفسهم . لأنه لا طريق لهم إلى الوقوف على ما في باطن الداخلين حقيقة ، وإنما يبنى الحكم على ما يظهرون لوجوب التحرز عن الغدر ، وهذا لما بينا أن أمر الأمان شديد والقليل منه يكفي"
( شرح السير الكبير - الجزء الثاني - باب ما يكون أمانا ممن يدخل دار الحرب والأسرى وما لا يكون أمانا)
وكان سؤاله هو:
هذا النص من كلام السرخسي ما تعليقك عليه في قضية أن الخداع يمكن أن يكون أمانا ...فما تعليقك وفقني الله تعالى وإياك.
(وكان ذلك خديعة منهم للمشركين . فقالوا لهم : ادخلوا . فدخلوا دار الحرب . فليس يحل لهم قتل أحد من أهل الحرب ، ولا أخذ شيء من أموالهم ما داموا في دارهم. لأن ما أظهروه لو كان حقا كانوا في أمان من أهل الحرب ، وأهل الحرب في أمان منهم أيضا لا يحل لهم أن يتعرضوا لهم بشيء )
الجواب:
أقول وبالله التوفيق:
كما هو معروف عند أهل العلم أن عقد الأمان مثله مثل أي عقد له أركان وشروط
فأركانه هي 1- مسلم 2- كافر 3- صيغة , سواء لفظية أو كتابية أو حتى بإشارة فيها أمان أو شبهة أمان
والشروط كما سبق ذكره البلوغ والعقل والاختيار
والخدعة كما سبق ذكره أيضا هي تصوير أمرا على غير حقيقته
فالخدع بذلك تختلف باختلاف الأمر الذي تؤثر فيه وبالتالي تختلف باختلاف تأثيرها على العقد
فإن كانت الخدعة في ركن من أركان عقد الأمان التي لا يقوم ذات العقد إلا بها أو شرط من شروطه التي لا يصح العقد إلا بها فإن العقد لا يعتبر موجود من الناحية الشرعية وبالتالي لا مجال للحديث عن نقض الأمان في هذه الحالة لأن الأمان غير موجود أصلا
أما إذا كانت الخدعة في غير الأركان والشروط فلا تأثير لها حينئذ على عقد الأمان فالعقد في هذه الحالة موجود صحيح شرعا ويجب الوفاء به
إذا عُرف هذا تبين لك الفارق بين خديعة محمد بن مسلمة لكعب بن الأشرف وبين الخديعة التي قصدها الإمام السرخسي
محمد بن مسلمة لكعب كانت في ركن من أركان العقد وهو الإسلام فقد أوهمه أنه ليس مؤمنا حقيقيا بل منافقا أو كافر وبالتالي لم يكن هناك عقد أمان أصلا بينهما من الناحية الشرعية
أما الخديعة التي تكلم عنها الامام السرخسي فليست كذلك بل هي فقط في سبب دخول المسلم بلاد الكفار والسبب شرعا لا هو من أركان العقد ولا شروطه وبالتالي الخديعة في سبب الدخول لا تأثير لها على عقد الأمان
مثل أن تتقدم للحصول على تأشيرة بلد و تذكر سبب الزيارة أنه الدراسة مثلا وأنت في الحقيقة ذاهب للتجارة فهذا لا يبيح لك أن تنقض الأمان الذي بينك وبينهم
فإن قيل:
القصلية التي تمنحك تأشيرة فهي لا تعرفك وقد لا يعرفون إن كنت مسلم أو لا هم ما يعنيهم أن تكون مواصفات الشخص طالب التأشيرة و أوراقه متفقة مع شروط القنصلية في منح التأشيرة
فهم يمنحون التأشيرات للمسلم والنصراني واليهوي والملحد على السواء , المهم انطباق شروط منح التأشيرة عليه فليس ثمة خصوصية للمسلمين إذن هنا
أجيب:
أن هذا لا يؤثر على عقد الأمان يدل على هذا الأمثلة التي ذكرها أهل العلم في ثبوت عقد الأمان لمن سمح له الكفار بدخول بلادهم بغير ضرورة أن يعرفوه بشخصه بل يكفي أن يعرفوه بصفته
مثال قول السرخسي في شرح السير الكبير:
"ولو أن رهطا من المسلمين أتوا أول مسالح أهل الحرب فقالوا : نحن رسل الخليفة. وأخرجوا كتابا يشبه كتاب الخليفة ، أو لم يخرجوا ، وكان ذلك خديعة منهم للمشركين . فقالوا لهم : ادخلوا . فدخلوا دار الحرب . فليس يحل لهم قتل أحد من أهل الحرب ، ولا أخذ شيء من أموالهم ما داموا في دارهم. لأن ما أظهروه لو كان حقا كانوا في أمان من أهل الحرب ، وأهل الحرب في أمان منهم أيضا لا يحل لهم أن يتعرضوا لهم بشيء"
فهنا واضح أن الكفار لم يعرفوا الداخلين لبلادهم بأشخاصهم وإلا لعرفوا أنهم ليسوا رسل الخليفة
كذلك ابن الهمام في شرح فتح القدير :
"وإذا دخل المسلم دار الحرب تاجرا فلا يحل له أن يتعرض لشيء من أموالهم ودمائهم"
فيكفي هنا صفته كتاجر وليس بالضرورة أن يُعرف بشخصه
تماما كما هو الحال لمن يتقدم بطلب حصول على التأشيرة لغرض التجارة أو الزيارة
وعدم تمييزهم في منح التأشيرة بين المسلمين وغيرهم فلا تأثير له أيضا
فأنا كمسلم لا يعنيني إن كانوا يأمنوا الملل الأخرى أم لا ولا إن كان أصحاب الملل الأخرى سيلتزموا بالمواثيق أم لا
ما يعنيني هنا أنني ذهبت إليهم قائلا لهم أني جئت مسالما غير محارب لزيارة البلاد مبينا الغرض من الزيارة فلما أعطوها لي ودخلت بلادهم أصبح هناك عقد أمان بيني وبينهم
فإن قيل:
الإجراءات الأمنية المشددة و التفتيش الذي يخضع له الداخل لهذه البلاد بل والداخل لسفارتهم يقدح في وجود أمان
مما قد يدل على أنهم لم يأخذوا أمانا من المسافرين لفظا ولا ضمنا وإلا لما لجأوا للتفتيش
أجيب:
الواقع أن التفتيش يجري من جانب شركات الطيران وقليلا ما تقوم به سلطات الدولة نفسها وهي حالات إستثنائية إذا شكوا في أحد
وأنا سافرت شخصيا أكثر من مرة ولم يسبق أن تم تفتيشي من قبل الدولة المضيفة بل هي إجراءات روتينية من شركة الطيران والحكم يبنى على حال الغالب
ثم حتى لو جرى التفتيش من قبل سلطات الدولة واعتبرنا أن ذلك معناه أنهم لم يأمنوه فيكفي أمانهم هم له
فالقاعدة المعتمدة هنا والتي عليها علماء السلف والخلف أن الكفار إذا أعطوا الأمان للمسلم فلابد أن يكونوا في أمان منه
يقول ابن قدامة في المغني:
"فإن أطلقوه وآمنوه, صاروا في أمان منه لأن أمانهم له يقتضي سلامتهم منه"
وقال أي الشافعي رحمه الله: "ولكنه ليس له أن يغتالهم في أموالهم وأنفسهم لأنهم إذا أمنوه فهم في أمان منه، ولا نعرف شيئاً يروى خلاف هذا"
فالامام الشافعي ينقل إجماعا هنا عن أن الكفار إن أمنوا المسلم فيجب أن يكونوا هم أيضا في آمان منه ولم يحل له إغتيالهم في أموالهم أو أنفسهم
قد يسأل سائل: وما هو وجه الأمان الذي أعطوه إياه
أجيب: هذا ظاهر جدا في مجرد السماح له بدخول البلاد دخولا طبيعيا آمنا والانتفاع بخدماتهم و مؤسساتهم والنزول في مساكنهم وفنادقهم والتجول في البلاد بحرية كل هذا بالتأكيد أمانا منهم للزائر
و الله ولي التوفيق
المصدر...