ثم قال تعالى:{ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين، فإن خفتم فرجالا أو ركبانا، فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون }
[لما كانت الآيات السابقة أحكاما، بعضها في العبادات، وبعضها في الحدود، والمعاملات، وخصوصا ما ذُكِرَ مؤخراً من أحوال الأزواج والزوجات، وأحكامهم في النكاح والوطء، والإيلاء والطلاق، والرجعة، والإرضاع والنفقة والكسوة، والعدد والخطبة، والمتعة والصداق، وغير ذلك، ورأينا من سنة القرآن أن يختم كل حُكْمٍ، أو عدة أحكامٍ بذكر الله تعالى والأمر بتقواه، والتذكير بعلمه بحال العبد وبما أعد له من الجزاء على عمله، كان الأمر بالمحافظة على الصلاة ظاهر المناسبة، لأمور :
أولها : أن الصلاة لما فيها من القراءة والقيام والركوع والسجود والخضوع والخشوع تفيد انكسار القلب هيبة لله تعالى، وبها يزول التمرد عن الطبع، ويحصل الانقياد لأوامر الله تعالى، والانتهاء عن مناهيه، كما قال:إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر[العنكبوت: 45].
خصوصاً الأمر بها عقيب الحض على العفو، والنهي عن ترك الفضل؛ لأنها تهيئ النفس لفواضل الملكات فهي الناهية عن الفحشاء والمنكر والبغي، الموجبة للعمل بما تقدم من التكاليف.
الثاني: أن الصلاة تذكر العبد جلالة الربوبية وذلة العبودية وأمر الثواب والعقاب فعند ذلك يسهل عليه الانقياد للطاعة، فهذه الآية من جنس قوله تعالى :واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، أي : حافظوا جميعا، بصيغة المفاعلة الدالة على غاية العزيمة، ليسابق بعضكم بعضاً في ذلك.
وهذا الخطاب عام للرجال والنساء، فكأنه قيل: استعينوا على تلك الأحكام الكثيرة، والأوامر العظيمة بالمداومة والمحافظة على الصلوات عموما، والصلاة الوسطى خصوصا .
الثالث : أن المطالب السابقة كانت تكاليف عظيمة تشغل من كلفها أعظم شغل، بحيث لا يكاد يسع معها شيء من الأعمال، وكان كل من الزوجين قد أوجب عليه للآخر ما يستفرغ فيه الوقت، ويبلغ منه الجهد، وأمر كلا منهما بالإحسان إلى الآخر حتى في حالة الفراق، وكانت مدعاة إلى التكاسل عن الاشتغال بالعبادة إلا لمن وفقه الله تعالى، أمر تعالى بالمحافظة على الصلوات التي هي الوسيلة بين الله وبين عبده، فكأنه قيل : إذا كان قد أمر بالمحافظة على أداء حقوق الآدميين، فلأن يؤمر بأداء حقوق الله أولى وأحق، ولذلك جاء في الحديث: «فدين الله أحق أن يقضى».( )
الرابع : وهو مقارب لما قبله : أن كل ما تقدم اشتغال بمصالح الدنيا، فأتبع ذلك بذكر الصلاة التي هي مصالح الآخرة .
الخامس : أن أمره بالصلاة مطلقٌ، ولو في حالة الخوف رجالا أو ركبانا، فإذا كانت الصلاة مأموراً بالمحافظة عليها في هذه الحالة، فغيرها من الحالات من باب أولى.
فظهر بذلك تعلق هذه الآية بما قبلها من الآيات، ولله الحمد والمنة .
وقد يقول قائل : فإن كان الأمر كما ذكر فلماذا لم يجعلها خاتمة للأحكام السابقة؟
قيل : لئلا يظن ظانٌّ، أو يتوهم متوهم أن علاقتها مقتصرة على ما بعدها فقط؛ لأنها متضمنة لذكر أحكام متعلقة بالقتال، حيث ذكر صفة الصلاة في حالة الخوف، وأن لا علاقة لها بما قبلها مطلقاً، أو أن علاقتها بما قبلها غير ظاهرة.
فلأجل ذلك، والله أعلم، جاءت الآية قبل ختام الأحكام السابقة، وقبيل البدء في المواضيع اللاحقة، حتى لا ينقطع الاتصال بما مضى، ولا بما سيأتي .
فسبحان العليم الحكيم، والله أعلى وأعلم ].
هذا فيما يتعلق بعلاقتها بما قبلها، وما بعدها، أما فيما يتعلق بدلالتها :
فإن الله يأمر بالمحافظة على الصلوات عمومًا وعلى الصلاة الوسطى، وهي العصر خصوصًا، والمحافظة عليها أداؤها بوقتها وشروطها وأركانها وخشوعها وجميع ما لها من واجب ومستحب، وبالمحافظة على الصلوات تحصل المحافظة على سائر العبادات، وتفيد النهي عن الفحشاء والمنكر خصوصًا إذا أكملها كما أمر بقوله {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أي: ذليلين خاشعين، ففيه الأمر بالقيام والقنوت والنهي عن الكلام، والأمر بالخشوع، هذا مع الأمن والطمأنينة.
{فَإِنْ خِفْتُمْ} لم يذكر ما يخاف منه ليشمل الخوف من كافر وظالم وسبع، وغير ذلك من أنواع المخاوف، أي: إن خفتم على أنفسكم بصلاتكم على تلك الصفة فصلوها {رِجَالا} أي: ماشين على أقدامكم، {أَوْ رُكْبَانًا} على الخيل والإبل وغيرها، ويلزم على ذلك أن يكونوا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وفي هذا زيادة التأكيد على المحافظة على وقتها حيث أمر بذلك ولو مع الإخلال بكثير من الأركان والشروط، وأنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها ولو في هذه الحالة الشديدة، فصلاتها على تلك الصورة أحسن وأفضل بل أوجب من صلاتها مطمئنا خارج الوقت {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} أي: زال الخوف عنكم {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} وهذا يشمل جميع أنواع الذكر ومنه الصلاة على كمالها وتمامها {كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} فإنها نعمة عظيمة ومنة جسيمة، تقتضي مقابلتها بالذكر والشكر ليبقي نعمته عليكم، ويزيدكم عليها.
انظر : تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (6/ 482)، البحر المحيط في التفسير (2/ 542)، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (3/ 359)، تفسير الألوسي = روح المعاني (1/ 548)، تفسير المنار (2/ 345) التفسير الوسيط - مجمع البحوث (1/ 403)، وتفسير السعدي لسورة البقرة.
المصدر...