![]() |
سلطنة المماليك
[align=center][tabletext="width:70%;background-color:burlywood;border:10px outset firebrick;"][cell="filter:;"][align=center] سلطنة المماليك بين شجرة الدر وعز الدين أيبك:: ب ـ تردد السفارات بين ملوك مصر والشام ولويس التاسع: هكذا ترددت الرسل وتعددت السفارات بين كل من أمراء مصر والشام وبين الملك الفرنسي في عكا وفي غيرها من بلاد الشام المحتلة وكل منهما يمنيه بالوعود المغرية طمعاً في كسبه إلى جانبه ، ولكنه اتخاذ سياسة الحرص والحذر، متوخياً في ذلك ماتمليه عليه المصلحة المسيحية قبل أن يتخذ قراراً حاسماً ، فقد كان بوسعه الإنضمام إلى أحد الفريقين أو الوقوف موقف الحياد أو أن يستمر على سياسة متأرجحة أملاً في استتراف قوى الفريقين إلى أقصى حد ممكن، على أية حال ، لم يكد لويس يستقر في عكا حتى أرسل إليه الناصر يوسف صاحب دمشق وحلب مبعوثين من قبله يسألونه أن يقف إلى جانب مولاهم في قتاله ضدالمماليك البحرية الذين قتلوا قريبه السلطان المعظم تورانشاه وتعهد له الناصر إذا تحالف معه بإعادة بيت المقدس التي كانت تحت إمرته آنذاك إلى المسيحيين، كانالسلطان عز الدين آيبك يراقب الأحداث عن كثب وقرر مواجهة الخطر الأيوبي بالطرق السلمية أولاً وحتى يمتص نقمة الأيوبيين ، إختار بالاتفاق مع كبار أمراءالمماليك صبياً صغيراً في العاشرة من عمره من بني أيوب ، هو الأشرف موسى بن المسعود بن الكامل محمد وأقامه سلطاناً ليكون شريكاً له في السلطة ، فكانت المناشير والتواقيع والمراسيم تخرج عنهما ، ويخطب باسميهما على منابر مصر وأعمالها ، وضُربت لهما السكة على الدنانير ، والدراهم، ويبدو أن آيبك علم بأنباء المفاوضات بين الملك الناصر ولويس التاسع ، وخشي وقوع تقارب أيوبي صليبي ، فأرسل إنذار الى الملك لويس التاسع بأنه سوف يُقدم على قتل الأسرى الصليبيين الذين مازالوا في مصر منذ أيام الحملة الصليبية السابعة على دمياط ، وهم بانتظار دفع الفدية المقررة لإطلاق سراحهم ، إن قام بأي عمل عدائي ضده وأبدى في الوقت نفسه استعداده لتعديل معاهدة دمياط والتنازل له عن نصف الفدية المقررة مقابل تحالفه معه ضد الناصر يوسف ، غير أن الملك الفرنسي لم يشأ أن يلتزم بشيء نحو أي من الطرفين وإن كان يؤثر التحالف مع دمشق لما لها من أهمية عسكرية وسياسية ، لكن كان لزاماً عليه أن يفكر في أسرى الصليبيين الذين مازالوا في مصر ، ولما يئس الناصر يوسف من إستقطاب الملك لويس التاسع ، زحف بجيوشه نحو مصر ، ونسي زعماء البحرية خلافاتهم الداخلية ، وتكتلوا وراء آيبك لصد الزحف الأيوبي الذي هدد مستقبلهم جميعاً ، وخرج آيبك من القاهرة على رأس الجيش المملوكي للتصدي للتقدم الأيوبي ، لكنه خشي من أن يقوم الصليبيون بمهاجمة دمياط مرة أخرى، مستغلين خلو مصر من المدافعين عنها فأمر بهدم ثغرها ، حتى خُرب كله ، ولم يبق من المدينة سوى الجامع وأكواخ من القش على شاطئ النيل يسكنها الصيادون وضعفاء الناس، وسموها ((المنشية)). 2 ـ معركة بين المماليك والأيوبيين: والتقى الجيشان الأيوبي والمملوكي في العاشر من ذي القعدة 648هـ/ الثالث من شباط 1251م عند العباسية بين مدينتي بلبيس ، والصالحية، إنتصر فيها الناصر يوسف ، في بداية المعركة ، على الرغم من استبسال المماليك، غير أنه حدث أن فرقة من جيش الناصر يوسف، وهمالمماليك العزيزية تخلت عن مواقعها في غمرة القتال وانحازت ، بدافع العصبية المملوكية إلى الجيش المملوكي، ولما لم يكن الناصر يوسف مشهوراً بالشجاعة، لم يلبث أن تراجع ولاذ بالفرار عائداً إلى بلاد الشام، في حين عاد المماليك ظافرين ومعهم الأسرى إلى القاهرة، كان لهذه الموقعة أثرها وأهميتها في تثبيت أركان دولة المماليك البحرية الناشة، فقد إستثمر آيبك إنتصاره هذا، فأرسل بعد شهر، جيشاً، بقيادة فارس الدين أقطاي، استولى على غزة، ثم قرر الزحف نحو بلاد الشام للسيطرة عليها، ولكي يضمن النجاح لمهمته حاول استقطاب لويس التاسع، ووعده بإعطائه بيت المقدس فور إستيلائه عليه من الناصر يوسف، ومن جهته رأى الناصر يوسف نفسه مضطراً للإعتماد على حليف قوي يضمن له الصمود وإستمرارية الصراع مع المماليك، فأرسل سفارة إلى عكا يعرض على لويس التاسع التنازل له عن بيت المقدس، مقابل الحصول على مساعدته. 3 ـ تحالف مملوكي ـ صليبي: استغل لويس التاسع هذا الصراع الإسلامي لمصلحة الصليبيين، ونجح في الضغط على آيبك، فأطلق سراح الأسرى الصليبيين، ثم عقد الطرفان معاهدة في 650هـ/1252م بهدف مناوأة الناصر يوسف، جاء فيها: ـ وافق آيبك على إطلاق سراح بقية الأسرى الصليبيين. ـ إعفاء لويس التاسع من بقية المبلغ المتبقي عليه من الفدية. ـ وعد آيبك الملك الفرنسي بأن يعيد للصليبيين كل مملكة بيت المقدس التي كانت تمتد شرقاً حتى نهر الأردن. غير أن التحالف المملوكي ـ الصليبي لم يؤد إلى شيء من النتائج إذ بعد توقيع المعاهدة إتفق كل من آيبك ولويس التاسع على القيام بحملة مشتركة لطرد الناصر يوسف من بلاد الشام، وكان من المتفق عليه أن يستولى لويس التاسع على يافا، في حين يستولي آيبك على غزة، ثم يتم الاتصال بينهما، ويقوم الجيشان بعد ذلك بهجوم مشترك على الامارات الأيوبية. وتنفيذاً لهذه الخطة خرج لويس التاسع على رأس ألف وخمسمائة مقاتل إلى يافا واستولى عليها دون مقاومة وكانت تحت الحكم الأيوبي، بينما تقدك الجيش المملوكي بقيادة فارس الدين أقطاي، نحو غزة، وعسكر في الصالحية، ويبدو أن الناصر يوسف علم بأنباء هذا التحالف، وما أعده من خطط لطرد الأيوبيين من بلاد الشام، فتحرك على وجه السرعة، ليحول دون إلتقاء الحليفين، فأرسل قوة عسكرية من أربعة آلاف مقاتل عسكرت على تل العجول قرب غزة، وبعد أن سيطرت على هذه المدينة، إرتدت إلى يافا لاستعادتها من يد لويس التاسع. وبفعل سيطرت الأيوبيين على غزة ظل المماليك في الصالحية، وظهرت بين الطرفين بوادر إحتكاك واستمر كل منهما يتحفز بالآخر، حتى أضحت المواجهة المكشوفة وشيكة الوقوع، لكن الصلح تم بين الطرفين في أوائل 651هـ/1253م، فما الذي تغير على الساحة السياسية؟. 4 ـ الخليفة العباسي وسعيه في الصلح: الواقع أنه لم يقدر للعداء بين الأيوبيين والمماليك أن يستمر في هذه الآونة وذلك بسبب ظهور خطر جديد هدد المسلمين جميعاً في الشرق الأدني وتطلب منهم أن يتحدوا وهو ظهور المغولي الذين اكتسحوا العراق ووصلت طلائعهم قرب بغداد، ولم يبق من قوة في العالم الإسلامي يمكن أن تدعم الخليفة سوى الشام ومصر، فأعاد الخليفة تسيير رسوله نجم الدين البادرائي لإعادة الصلح وتثبيته بين الناصر يوسف والمعز آيبك، وتمكن رسول الخليفة من عقد صلح بينهما تقرر فيه: ـ إعتراف الناصر يوسف بسلطة آيبك، وبسيادة المماليك على مصر وبلاد الشام حتى نهر الأردن على أن تدخل مدن غزة وبيت المقدس ونابلس والساحل الفلسطيني كله في حوزته. ـ إعتراف المماليك بسيادة الأيوبيين على بقية بلاد الشام والواضح أن موجة الرعب التي أثارها المغول أثناء زحفهم من جوف آسيا بإتجاه العالم الإسلامي، وأخبار وحشيتهم جعلت الطرفين يستجيبان بسهولة لدعوة الخليفة، وكان المعز آيبك قد استغل إنتصاره على الناصر يوسف، وإزدياد خطر المغول وتهديدهم لبلاد الشام ومصر، فتخلص من شريكه في الحكم، وهو الأشرف موسى، فحذف إسمه من الخطبة، وقبض عليه، وسجنه في قلعة الجبل وذلك في عام 650هـ/1252م، واستقل بالسلطنة. ومهما يكن من شيء فقد إتضح للملك الفرنسي واللاتيني أنه بوسع المسلمين في مصر والشام إذا إتحدت جهودهم، واتفقت كلمتهم، أن يدفعوا عنهم خطر الجماعات الصليبية وأن يعملوا على مضايقتها بشتى الوسائل، وكان الصلح التي تم بين الناصر والمعز آيبك في صفر 651هـ/أبريل 1253م بمثابة ضربة وجهت إلى قلب القوى الصليبية وإلى لويس التاسع نفسه، إذ أنه أتاح الفرصة للناصر يوسف بعد أن فرغ من جميع ما يشغل باله، لتلقين الفرنج درساً قاسياً، وكان من الطبيعي أن يبدأ الصدام بين قوات كل من الناصر يوسف ولويس التاسع، بعد أن كشف الأخير عن نياته واتخذ من أمراء مصر حلفاء له ضد خصومهم في الشام وساعد على ذلك أيضاً أن قوات صاحب حلب كانت ترابط قبالة غزة على مقربة من المعسكر الصليبي يافا، ومع أن هذا الصدام لم يكن فيه معركة حاسمة، إلا أنه كان مقدمة أو بداية لسلسلة من الهجمات الشديدة التي ستكيلها القوات الناصرية للصليبيين وولاياتهم بعد إقرار الصلح بينها وبين مصر. لقد فشل لويس التاسع في الاستفادة من الإنشقاق الذي حدث بين الشام ومصر إلا أنه اضطر أخيراً العودة إلى فرنسا، فغادر فلسطين في ربيع الأول سنة 652هـ/24 نيسان 1254م مجروحاً في كرامته وعزته وكبريائه بعد هزيمته في مصر، وكان ذلك إيذاناً بإضمحلال الروح الفرنجية العسكرية وموتها فيما بعد في وقت كانت تكابد فيه طور النزع الأخير. 5 ـ تمرد القبائل العربية ضد المماليك في مصر: ومن المشاكل التي اعترضت السلطان آيبك، هي ثورة بعض القبال العربية أو ما يسمى بالعربان في مصر سنة 1253م. من المعروف أن القبال العربية استوطنت مصر بعد الفتح الإسلامي وتأثرت بالبيئة المصرية الزراعية، وأخذت تتحول تدريجياً إلى شعب زراعي مستقر، ولا سيما في أقاليم الصعيد والشرقية وأطلق عليهم إسم العرب المزارعة، وكان هؤلاء الأعراب يقومون بفلاحة الأرض على مقربة من القرى القديمة الآهلة بالفلاحين من أهالي البلاد، غير أنه يلاحظ أن هؤلاء الأعراب كانوا يتمتعون بمركز إجتماعي أعلى مرتبة من الفلاحين بسبب المساعدات الحربية التي كانوا يؤدونها للدولة في وقت الحرب ولا سيما إبان الحروب الصليبية وكان مشايخ العربان تقع عليهم تبعة حفظ النظام في القرى والأرياف كذلك مساهمتهم في الإنتاج الزراعي ودفع الخراج، وكان تعسف أمراء المماليك في تحديد أثمان المنتجات الزراعية وإحتكارها والتلاعب في أسعارها أحياناً، من الأسباب التي دفعت بهؤلاء المزارعين العرب إلى القيام بثورات متعددة طول العصر المملوكي وهذه الثورات عرفت في الكتب المعاصرة باسم ((فساد العربان))، وكانت تنتهي في العادة بهزيمة العرب، نظراً لبراعة المماليك في فنون القتال، وتجريد العرب من وسائل الدفاع المؤثرة، ففي منشور صدر في عصر المماليك جاء ما يلى:… فلا يمكن أحداً من العربان ولا من الفلاحين أن يركب فرساً فإنما يعدها للخيانة مختلساً ولا يكون لها مرتبطاً ولا محتسباً، وكن لهم ملاقياً مراقباً، فمن فعل ذلك فانتقم منه بما رسمنا معاقباً ولا تمكنهم من حمل السلاح، ولا ابتياعه ولا استعارته ولا استيداعه وتفقد من بالأقاليم من تجارة وصناعة فخذ بالقيمة ما عند التجار، وأقمع بذلك نفس الفجار وأخرم نار العذاب على من أخرم لعمل ذلك النار. وورد في منشور آخر ما يلي:… ولا يمكن أحداً من العربان بجميع الوجه القبلي أن يركب فرساً ولا يقتنيه ويكفي بذلك الأيدي المعتدية فإن المصلحة لمنعهم من ركوبها مقتضية … ومن وجد من العربان خالف المرسوم الشريف من منعه من ركوب الخيل كائناً من كان ضرب عنقه وأرهقه من البطش بما أرهقه ليرتجع به أمثاله، ولا يتسع لأحد في الشرق مجاله، ويرجع أسباب الصراع القائم بين العرب والمماليك إلى أن المماليك الذين أستولوا على الحكم لم يكونوا من أهل البلاد وإنما كانوا مجرد وافدين لأغراض حربية، فحسب، كما أنهم لم يرتبطوا مع الشعب المصري بروابط المصاهرة والنسب وظلوا منعزلين عن أفراد الشعب ومع ذلك فإنه إذا كان للمماليك دور فعال في الدفاع عن مصر وحمايتها من أعدائها فإن للمصريين والعرب دورهم أيضاً في الدفاع بنفس القدر الذي كان للمماليك ولذلك فقد رأى العرب أنهم أحق من المماليك الغرباء بحكم مصر، فقامت الثورات ضدهم وأستخدم المماليك في قمع تلك الثورات وسائل متعددة تنطوي على القسوة والقهر، من وسائل قتل وتعذيب معروفة في ذلك العهد وقد أدت هذه السياسة إلى هجرة عدد كبير من المزارعين إلى المدن الكبرى بغية التسول أو السرقة أو الإشتراك في المنازعات والإضطرابات الداخلية التي كانت بين أمراء المماليك، وكانت دوافع تلك الثورات اقتصادية وسياسية، ولا شك أن الدافع السياسي وسعي بعض القبائل العربية للقضاء على حكمالمماليك ولّد ردة فعل لديهم مما جعلهم يستخدمون سياسة العنف والقسوة في قمع الثورات خوفاً على سلطانهم وأول وأخطر ثورة قام بها الأعراب أيام المماليك، هي الثورة التي قاموا بها في عهد السلطان أيبك التركماني عام 651هـ /1253م وأسباب هذه الثورة ترجع إلى عوامل اقتصادية وسياسية كما أسلفنا، فالمماليك منذ أن أنتصروا على الأيوبيين في وقعة العباسية وتدخلت الخلافة في صالحهم اعتقدوا أن البلاد وما فيها صارت لهم ولا منازع، فبالغوا في الفساد والاستهتار وزيادة الضرائب، إلى درجة أن بعض المؤرخين أمثال المقريزي وأبي المحاسن، فضلوا عليهم الصليبيين وقالوا لو أن الفرنج ملكوا مصر ما فعلوا فعلهم. وهذا كلام لا يستقيم أمام الوقائع التاريخية فالفرنج لما تمكنوا من ثغر دمياط في الحملة الصليبية، عملوا ما تقشعر منه الأبدان وتشيب منه الرؤس، وفصلنا كثيراً من أعمال الفرنج في كتبنا السابقة عن الحروب الصليبية، وقد حاول بعض المؤرخين أن يقدم لنا صفحات التاريخ المملوكي بلون أسود مظلم قاتم، ومع اعترافنا بالحقيقة المرّة أن تمزقاً كان يقوم بين طوائف المجتمع في عهد المماليك وبين الأمراءالمماليك أنفسهم وولاءتهم المتعددة، فإن إشراقة من الإيمان تطل علينا وشموعاً تضاء في دهاليز الذات لدى هذا القائد أو ذاك، عندما يمس الإيمان شغاف قلبه، ويحرّك القرآن فيه روح الجهاد والاستشهاد، إن من التجني أن ننسى الدور الرائد الفذ الذي قام به الظاهر بيبرس والمظفر قطز في قيادة جيش إسلامي وقف كالطود الشامخ في وجه الزحف التتري، الذي كان يستهدف عقيدتنا، وديارنا وأمتنا ويسى لإجتثـاث ذلك كله من الوجود، وكانت النتيجة إندحار الغزاة وهزيمة المعتدين بوحدة الصف ودافع الإيمان الصادق المتين.إن معركة عين جالوت تمثل معلماً مضيئاً في خضم الظلمات ومثلها معالم أخرى، كتحرير بلاد الشام من المشروع الصليبي في عهد المنصور بن قلاوون والمدارس التي بنيت والمكاتب التي أوقفت والمساجد التي شيدت وصرح الخير والبر والمرحمة، والحركة العلمية الموسوعية التي قادها علماء ذلك العصر، كالنووي وابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن كثير والمزي والسبكي والمقريزي وابن خلدون والسيوطي وغيرهم كثير، وهذا ما سوف نعرفه في هذا الكتاب بإذن الله تعالى. الحقيقة هناك تجاوزات حدثت في عهد المماليك منها استخدام العنف الغير مبرر ضد المعارضين مما ولّدت ردة فعل عكسية قال أبو المحاسن: إن أهل مصر لم يرضوا بسلطان مسه الرق، وظلوا إلى أن مات السلطان أيبك وهم يسمعونه ما يكره حتى في وجهه إذا ركب ومر بالطرقات، ويقولون لا نريد إلا سلطاناً رئيساً مولوداً على الفطرة. وتزعم تلك الثورة الشعبية شريف علوي وهو حصن الدين بن ثعلب الذي طمع في السلطنة، وصرح بأن ملك مصر يجب أن يكون للعرب وليس للعبيد الأرقاء، وأقام دولة عربية مستقلة في مصر الوسطى، وفي منطقة الشرقية بالوجه البحري وكانت قاعدة هذه الدولة بنواحي الفيوم في بلدة تعرف بذروة سريام أو ذروة الشريف ((نسبة إليه)) وتقع بين النيل وترعة المنهى التي هي الآن بحر يوسف. واتصل الشريف حصنالدين بالملك الناصر يوسف الأيوبي صاحب الشام يطلب مساعدته في محاربة أيبكفي ذلك الوقت، إذ كانت رسل الخليفة المستعصم قد تدخلت لحسم النزاع بينهما وكان العرب يومئذ في كثرة من الرجال والخيل والمال بفضل الله ثم مشاركتهم في حروب الصليبيين، فكونوا جيشاً كبيراً والتفوا حول زعيم حصن الدين وحلفوا له، واضطر السلطان أيبك أن يرسل حملة تأديبية للقضاء على هذه الثورة، ومن عجب أن يسند قيادتها إلى منافسه أقطاي وذلك فيما يبدو لمهارته الحربية، وخرج أقطاي من القاهرة بخمسة الآلاف فارس من خيرة المماليك وتوجه إلى الشرقية حيث كانت أكبر مظاهر العصيان، وعلى الرغم من قلة عدد المماليك بالقياس إلى العرب، تغلبالمماليك بسبب تفوقهم الحربي ومهارة قائدهم أقطاي، وتهدمت المقاومة العربية في بلبيس سنة 1253م، غير أنها بقيت على حالها في مصر الوسطى، حيث ظل حصن الدين طليقاً وأقام حكومة مستقلة هناك ولم يتمكن أيبك ومن جاء بعده من سلاطين من القبض عليه إلى أن خدعه السلطان بيبرس البند قداري وقبض عليه وشنقه بالإسكندرية، وكيفما كان الأمر في نهاية الأمير حصن الدين، فالمهم هنا أنأيبك تغلب على أحد العناصر المهددة بقيام دولة المماليك واستقرارها في مصر، وذكر المقريزي في السلوك أن من نتاج ثورات العرب ضد المماليك: أن تبدد شمل عرب مصر وخمدت جمرتهم من حينئذ. 6 ـ خطر زملائه المماليك ومقتل الفارس أقطاي: ومن العوائق التي هددت حكم أيبكودولته الناشئة، خطر زملائه المماليك البحرية وزعيمهم فارس الدين أقطاي وكانأيبك يتوجس خيفة من هذه الطائفة لعلمه بقوتها وخطرها، ومن ثم أخذ يعمل على تقوية نفسه، فأنشأ فرقة من المماليك عرفوا بالمعزية نسبة إلى لقبه"الملك المعز" كما عين مملوكه قطز المعزى نائباً للسلطنة بمصر، ثم لم يلبث أن أخرج المماليكالبحرية من ثكناتهم بجزيرة الروضة، وعزل الملك الأيوبي الطفل موسى شريكه في الحكم، وانفرد بالسلطنة، على أن هذه الإجراءات كلها لم تكن إلا مجرد احتياطات شكلية لم تقلل من خطر أقطاي وزملائه البحرية، ويجمع المؤرخون على أن أقطاي وصل إلى قمة المجد خصوصاً بعد تغلبه على ثورة العرب، وأصبح لا يظهر في مكان إلا حوله حرس عظيم من الفرسان المسلحين كأنه ملك متوج، وكانت نفسه ترى أن ملك مصر لا شيء عنده وكان كثيراً ما يذكر الملك المعز في مجلسه ويستنقصه ولا يسميه إلا أيبكاً، وقد بلغ ذلك المعز فكان يغضى عنه لكثرة خشداشيته البحرية، وتلقي المصادر التاريخية الضوء على القوة التي كان يمارسها ويتمتع بها أقطاي، فالمقريزي يقول عنه: واجتمع الكل على باب الأمير فارس الدين أقطاي، وقد استولى على الأمور كلها، وبقيت الكتب إنما ترد من الملك الناصر وغيره إليه، ولا يقدر أحد يفتح كتاباً ولا يتكلم بشيء، ولا يبرم أمراً إلا بحضور أقطاي. لكثرة خشداشيته، وابن تغري بردي يقول عنه: فإنه كان أمره قد زاد في العظمة والتفت عليه المماليك البحرية وصار أقطاي المذكور يركب بالشاويش وغيره من شعار الملك وحدثثه نفسه بالملك وكان أصحابه يسمونه الملك الجواد، فيما بينهم وعملوا على تزويجه من أحد أميرات البيت الأيوبي، وهي ابنة الملك المظفر تقيالدين محمود ملك حماة، بل إنهم تآمروا على قتل أيبك ليخلو الجو لأقطاي، قال الذهبي عنه: فعظم، وصار نائب المملكة للمعز وكان بطلاً شجاعاً جواداً، مليح الشكل، كثير التحمل، أبيع بألف دينار، وأقطع من جمله إقطاعه الإسكندرية، وكان طائشاً ظلوماً عمّالا على السلطنة، بقي، يركب في دست الملك، ولا يلتفت على المعز، ويأخذ ما شاء من الخزائن، بحيث إنه قال: اخلوا لي القلعة حتى أعمل عُرس بنت صاحب حماة بها، وفهم منها المعز أنه مستهدف لإزالته من الحكم فقرّر التخلص منه، واتفق مع مماليكه على ذلك وأرسل إلى أقطاي يستدعيه موهماً له أنه يستشيره في مهمات من الأمور، وأكمن له كميناً من مماليكه وراء باب قاعة الأعمدة بالقلعة وقرر معهم أنه إذا مَرَّ مجتازاً بالدهليز يبتدرونه بسرعة، فلما وردته إلى أقطاي رسالة المعز بادر بالركوب في نفر يسير من مماليكه من غير أن يعلم أحد من خشداشيته، لثقته بتمكن حرمته وطلع القلعة آمناً ولم يدر بما كان له كامناً فلما وصل إلى باب القلعة مُنع مماليكه من الدخول معه، ووثب عليه المماليك المعزَّية فأذاقوه كأس المنية وكان قتله يوم الاثنين حادي عشرين من شعبان وامر المعز بغلق باب القعلة، فركبت مماليكه وحاشيته وكانوا سبعمائة فارس ومعهم جماعة من البحرية وقصدوا قلعة الجبل، بناءً على أن المعز قُبض عليه فبينما هم كذلك أرمي لهم برأسه من فوق السور فالتفت بعضهم إلى بعض وقالوا على من تقاتلوا فتفرقوا جميعهم، ولما شاع الخبر بقتله، أجمعوا البحرية على الخروج إلى الشام، وكان من أعيانهم يومئذ ركن الدين بيبرس البندقدار ي، وقلاون الألفي، وسنقر الأسثقر، وبَيْسري، وسِكر، وبرامق، فشمروا ويلاً وخرجوا ليلاً فوجدوا باب المدينة الذي قصدوا الخروج منه مغلقاً، فأضرموا فيه النار، وهو الباب المعروف بباب القارطين فأحرقوه، وخرجوا منه نحو الشام، فسمي من يومئذ الباب المحروق، وقصد البحرية الملك الناصر صاحب الشام ليكونوا عنده ولما أصبح المعز، بلغه هروبهم من المدينة فأمر بالحوطة على أملاكهم وأموالهم ونسوانهم وغلمانهم واتباعهم، وإسبتصفيت أموالهم وذخائرهم وشؤنهم وخزائنهم، واستتر من تأخر منهم، وحمل من موجود الأمير فارس أقطاي الجمال المستكثرة من الأموال ونودي على البحرية في الأسواق والشوارع، وتمكن الملك المعز من المملكة وارتجع ثغر الاسكندرية إلى الخاص السلطاني، وأبطل ما قرره من الجبايات وأعفى الرعية من المصادرات والمطالبات وأما البحريةّ، فإنهم وفدوا على الملك الناصر، فأحسن إليهم، وأقبل عليهم وأعطى كلاً منهم إقطاعاً يلائمه، ثم عزم على قصد الديار المصرية، فجرد عسكراً صحبة البحرية فساروا ونزلوا الغور واتخذوا العوجاء منزلا، وبلغ المعزّ مسيرهم إليه واتفاقهم عليه، فبرز بالعساكر المصرية ومعه جماعة ممن حضر إليه من العزيزية، فنزل الباردة بالقرب من العباسية وانقضت هذه السنة وهو مخيم بها، وفي هذه السنة وصل الشريف المرتضى من الروم ومعه بنت السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسروا صاحب الروم وكان الناصر قد خطبها لنفسه، فزفت إليه بدمشق، ودخل بها واحتفل بها احتفالا كبيراً. وتدخل الخليفة العباسي من جديد بين الأيوبيين والمماليك ووصل نجم الدينالبادرائي لتوسط بين الطرفين ونجح في تجديد معاهدة الصلح على أن: ـ يستعيد المعز أيبك ساحل بلاد الشام. ـ ألا يأوي الناصر يوسف أحداً من المماليك البحرية. نتابع إن شاء الله [/align][/cell][/tabletext][/align] |
[align=center][tabletext="width:70%;background-color:silver;border:10px outset indigo;"][cell="filter:;"][align=center] 7ـ مقتل السلطان أيبك وشجرة الدر: يبدو أن أيبك أخذ يشعر بما بين زوجته شجرة الدر والمماليك البحرية بالكرك من مراسلات واتفاقات، فعزم على الزواج من غيرها وأرسل سنة 1256م ميلادية إلى بدر الدينلؤلؤ الاتابكي صاحب الموصل يطلب إليه حلفا زواجيا لم يعلم عنه إلا ما تداولته المراجع من خطبته أيبك لابنة بدر الدين وليس من المعقول أن تكون الخطبة قاصرة على مجرد الرغبة في الزواج إذ ربما أراد من وراء ذلك الحلف معرفة تحركات المغول عن طريق صاحب الموصل، وكيفما كان الأمر فقد كانت هذه المسألة بداية الخاتمة لعهد أيبك، وذلك لئن شجرة الدر لما علمت ما يبيت لها أخذت هي تتزعم حركة المعارضة الداخلية والخارجية لسلطنته، فقام بعض من بقي في مصر من البحرية بمعارضة مشروع الزواج، فقبض أيبك على عدد كبير، منهم أيدكين الصالحي، وسيرهم لقلعة الجبل لسجنهم في الجب، فلما وصلوا إلى قرب نافذه القصر السلطاني حيث سكنت شجرة الدر، احنى الأمير أيدكين رأسه احتراماً وقال بالتركية(والله يا خوندما عملنا ذنب وجب مسكناً ولكنه لما سير يخطب بنت صاحب الموصل، ما هان علينا لأجلك، فانا تربية نعمتك ونعمة الشهيد المرحوم"الصالح أيوب"، فلما عتبناه تغير علينا وفعل بنا ما ترين، فأومأت إليه شجرة الدر بمنديلها بما معناه"قد سمعت كلامك" وعندما نزلوا بهم إلى الجب قال أيدكين؛ إن كان قد حبسنا فقد قتلناه، ومعنى هذا أن شجرة الدر كانت قد بيتت هي الأخرى لايبك جزاء وفاقاً، وأن قبضه على أولئك لم يكن مجرد معارضتهم في الزواج، بل لأنه علم بمؤامرتهم، فأراد أن يقضي على الحركة كلها بالفصل بين أمراء المماليك وزعيمتهم غير أن شجرة الدر كانت قد دبرت ما لم يكن في الحسبان إذ أرسلت سراً أحد المماليك العزيزية إلى الملك الناصر يوسف بهدية ورسالة تخبره فيها أنها عزمت على قتل أيبك والتزوج منه وتمليكه عرش مصر، ولكن الناصر أعرض عنها خوفاً أن يكون في الأمر خدعة، ولم يجبها بشيء وعلم بدر الدين لؤلؤ باخبار هذه المفاوضات السرية فبعث بها إلى أيبك ينصحه أن يأخذ حذره، وخاف أيبك على حياته فترك القلعة وأقام بمناظر اللوتي وصمم على قتل زوجته قبل أن تقضي عليه وأخذ الزوجان يتسابقان في نسج المؤامرات بعد القبض على البحرية في القاهرة، وانتهى السباق بانتصار المرأة في ميدانها، إذ أرسلت شجرة الدر إلى أيبك رسالة رقيقة تتلطف به وتدعوه بالحضور إليها بالقلعة، فاستجاب لدعوتها وصعد إلى القصر السلطاني بالقلعة حيث اعدت له شجرة الدر خمسة من الغلمان الأشداء لاغتياله، منهم محسن الجوجرى ونصر العزيزي، وسنجر وكان آخرهم من مماليك أقطاي، وقد قام هؤلاء الغلمان بما أمروا به وقتلوه في الحمام في أبريل سنة 1257م،655هـ، قال الذهبي عن السلطان المعز كان ديناً عاقلاً، كريماً، تاركاً للشرب. حاولت شجرة الدر إخفاء واقعة القتل، وأمرت بتجهيز جثمان عز الدين أيبك بملابس لائقة ووضعه على فراشه، والإدعاء بأنه سقط من فوق جواده أثناء عدوه، وتسبب ذلك في إصابات أنهت حياته، وسرعان ما أنتشر نبأ وفاة السلطانوبدأ أمراء المماليك يتوافدون على القصر، وكانت شجرة الدر ما تفتأ تروي واقعة سقوطه من على ظهر جواده، لكنهم استمعوا إليها في ريبة، فقد شهد أيبك معارك كثيرة خاضها وهو يحارب من على ظهر جواده لكنها في كل مرة كانت تصر وتؤكد الواقعة، وأحيط بشجرة الدر، وواجها أمراء المماليك فلم يكن أمامها إلا أن تعترف بأنها أرادت الإنتقام، لكن لم يخطر ببالها أبداً أن ذلك سيؤدي إلى وفاته وتشاور أمراء المماليك فيما يصنعون، لقد وقفوا مع شجرة الدر بادئ الأمر، وصنعوا منها ملكة وسلطانة، وأحاطوها برعايتهم وحمايتهم، حتى في أصعب الأوقات، وباركوا زواجها من عز الدين أيبك، وساعدوها على أن تصبح زوجة السلطان، فكيف ترتكب هذه الفعلة النكراء؟ وتتنكر على هذا النحو البغيض على أنهم انقسموا على امرهم، وانحاز بعض الأمراء إلى جانبها وأعادوا ما كان لأيبك من قسوة وغلطة وجبروت، فضلاً عن أن وجود شجرة الدر يعتبر ضرورياً كرمز للشرعية، فهي أرملة نجم الدين أيوب وأم أبنه خليل، ولها من الأيادي على مصر وعلى المماليك انفسهم الشيء الكثير البادي للعيان ورأى البعض الآخر أنها قد ارتكبت جريمة مرعبة، وكاد الأمر أن يتطور إلى حرب بين الفريقين، وأخيراً انتصر أعداؤها وحُبست في أحد أبراج القلعة، ونودي بعلي، بن عز الدين أيبك السلطان الراحل، سلطاناً جديداً ليخلف والده الراحل ويحدثنا أحد المؤرخين أن شجرة الدر كانت قوية في مواجهة الموت كما كانت قوية في مواجهة المدلهمات، فلمّا ايقنت من نهايتها أسرعت إلى خزانتها واستخرجت حليها ومجوهراتها جميعاً، وسحقتها سحقاً حتى لا تتزين بها غريمتها أم على زوجة السلطان الأولى وفي هذه الرواية شك كبير كذلك؛ فكيف لشجرة الدر، وهي سجينة في برج بالقلعة أن تسرع إلى خزنتها وتستخرج حليها، ثم تسحقها جميعاً حتى لا تتزين بها غريمتها أم على كما يقول المؤرخ؟ وفي خارج القصر هدأت الجموع التي أثارها انتشار النبأ ورضي الجيش بالسلطان الجديد بعد أن كان قد انقسم على نفسه بين مؤيد لشجرة الدر ومنكر لها، وتوقفت أعمال الشغب التي كانت قد انتشرت في القاهرة، وتجنّب أمراء المماليك شبح الفتنة التي كانت، تتهددهم، واقتيدت شجرة الدر إلى بلاط السلطان الجديد حيث كانت غريمتها أم على، زوجة أيبك الأولى قد أصبحت منها أم السلطان الجديد، وتمايلت أم علي فرحاً فكانت تنتظر فرصة كهذه منذ سبع سنوات، منذ أن هجرها زوجها أيبك وهجر معهما أبنهما علي. إن ساعة الإنتقام قد أزفت، وأمرت خادمات القصر بالدخول على شجرة الدر وضربها بالقباقيب حتى تفارق الحياة، يقول المقريزي: فضربها الجواري بالقباقيب إلى أن ماتت، وألقوها من سور القلعة إلى الخندق، وليس عليها، سوى سروال وقميص، فبقيت في الخندق أياماً وأخذ بعض أراذل العامة تكة سراويلها ثم دفنت بعد أيام ـ وقد نتنت ـ وحملت في قفة، بتربتها، قال عنها الذهبي: ودفنت بتربتها بقرب قبر السيدة نفيسة، وقيل: إنها أودعت أمولاً كثيرة فذهبت، وكانت حسنة السيرة، هناك لكن هلكت بالغيرة، وقال ابن العماد فيها: كانت بارعة الحسن، ذات ذكاء وعقل ودهاء… نالت من السعادة أعلى المراتب، بحيث أنها خُطِبَ لها على المنابر، وملَّكوها عليهم أياماً، فلم يتم ذلك، وتملك المعز آيبك فتزوج بها وكانت ربما تحكم عليه، وكانت تركية ذات شهامة وإقدام وجرأة وآل أمرها إلى أن قتلت. وأما غريمتها أم السلطان الجديد، أم علي، فكانت قد نذرت أن تدعو كل سكان القاهرة، إلى وجبة من الحلوى في نفس اليوم الذي تتخلص فيه من غريمتها، وعندما ماتت شجرة الدر، أمرت طهاة القصر بإعداد تلك الوجبة، لكن الوقت لا يسمح بالإنتهاء في نفس اليوم، فجاءتهم بوصفة طهي بسيطة للغاية، كما كميات ضخمة الخبز، يجري تسخينها إلى درجة الإحمرار وتغمر في اللبن والعسل، ثم تغطى بطبقة سمكية من اللوز والزبيب والصنوبر، وإلي وجبة الحلوى اللذيذة التي تقدم في المطاعم في أيامنا هذه، وقد سميت بإسم أول من صنعتها، أم علي. 8 ـ سلطنة على ابن المعز ثم تولي سيف الدين قطز: صمم المماليك المعزية، وعلى رأسهم سيف الدين قطز، على أن يقيموا على العرش الذي بات شاغراً بمصرع آيبك صبياً في الخامسة عشر من عمره هو (نور الدين علي)) ابن سيدهم المعز آيبك، وتم ذلك في ربيع الأول سنة 655هـ/1257م ولقبوه الملك المنصور علي، وقد رفض المماليك الاعتراف بالسلطان الصبي، وتجسد رفضهم في عدة إضطرابات عاصفة، استنجدت بعض الفئات المتنازعة بملوك بني أيوب في بلاد الشام، وحاول المغيث عمر صاحب إمارة الكرك ـ في الأردن حالياً ـ غزو مصر مرتين، لكن الفشل كان من نصيبه، بيد أن هذه الاضطرابات كانت فرصة جديدة لظهور نجم الأمير سيف الدين قطز، فقد قام قطز بالقبض على الآتابك سنجر الحلبي وحبسه في الجب بقلعة الجبل، لأنه كان يطمع في السلطنة بعد مقتل المعز آيبك، ولأنه كان يتحين الفرصة للوثوب على العرش، وأدى ذلك إلى مزيد من الاضطرابات والفوضى، فقد هرب عدد من المماليك البحرية إلى جهة الشام، وطاردهم المماليك المعزية وقبضوا على عدد منهم وأودعوهم سجون القلعة، وخلا الجو لسيف الدين قطز فصار نائب السلطان:.. وصار مدبر دولة الملك المنصور علي. وكان جلسو السلطان الصبي على العرش مسألة قصد بها كسب الوقت حتى يمكن لواحد من كبار المماليك الطامعين في عرش السلطنة أن يحسم الصراع لصالحه، وكان هذا مشهداً تكرر كثيراً طوال عصر سلاطين المماليك، بل إننا لا نبالغ إذا قلنا إن هذه كانت ممارسة سياسية حظيت بإعتراف الجميع طوال ذلك العصر ومن المهم أن نشير إلى أن المماليك لم يؤمنوا بنظام وراثة العرش، إذ طبيعتهم العسكرية من ناحية، وشعورهم بأنهم جميعاً سواء في ناحية أخرى، جعل كبار أمرائهم يعتقدون أنهم جميعاً يستحقون العرش الذي يفوز به اقواهم، واقدرهم على الإيقاع بالآخرين تحقيقاً لمبدأ (الحكم لمن غلب)، وكانت النتيجة الطبيعية لذلك أن ظل عرش السلطنة على الدوام محل التنافس والمنازعات بين كبار الأمراء، لا سيما عندما يخلو العرش بسبب موت السلطان، وكان هذا هو الحال عندما مات عز الدين آيبك ولم يشأ((سيف الدين قطز)) أن يتعجل الأمور ويواجه المنافسين، فأمسك بيده زمام السلطة الفعلية تاركاً للسلطان الصبي شعار السلطنة ولقبها.. ولا شيء أكثر من ذلك وبات عرش مصر قاب قوسين أو أدنى، ثم جاءت الفرصة تسعى إلى قطز، وكان سيف الدين قطز مشغولاً بترتيب الأوضاع السياسية الداخلية لصالحه، على حين كانت الإشاعات تملأ سماء القاهرة بأن السلطان الصبي يريد خلع قطز مملوك أبيه وصاحب اليد البيضاء في توليه عرش البلاد، وإجتمع الأمراء في بيت أحد كبارهم، وتكلموا إلى أن نجحوا في إصلاح الأمور بين الملك المنصور علي وبين مملوك أبيه الأمير قطز،.. وخلع عليه وطيب قلبه وهكذا توطدت مكانة سيف الدين في الدولة، وفي الوقت نفسه كانت الأحوال متردية تماماً بسبب الفتن التي أثارتها طوائف المماليك في القاهرة، كما كان خطر محاولات الغزو الفاشلة التي قام بها المغيث عمر في ذي القعدة 655هـ/1257م وفي ربيع الأول سنة 656هـ/1258م يقلق باله، بحيث خرج في المرتين للقاء المماليك البحرية وحليفهم الأيوبي وبفضل شجاعة ((سيف قطز)) تم القضاء عل هذا الخطر الأيوبي بيد أنه كان على قطز أن يواصل ترتيب أمور المملكة في الداخل وبعد أن واجه الخطر الخارجي، فقد قبض على جماعة من الأمراء لميلهم إلى ((الملك المغيث عمر)) في هذا الشهر نفسه، وهم: الأمير ((عز الدين آيبك الرومي الصالحي))، والأمير ((سيف بلبان الكافوري الصالحي الأشرفي))، والأمير ((بدر الدين بكتوت الأشرفي))، والأمير ((بدر الدين بلغان الأشرفي))وغيرهم، وضرب أعناقهم في السادس والعشرين من ربيع الأول واستولى على أموالهم كلها، وبذلك إزدادت القامة السياسية لسيف الدين قظز طولاً، ولكن الدولة التي يحكمها سلطان في سن الصبى بدت واهنة ضعيفة وغير قادرة على تحمل مؤامرات الصغار ولعبهم بأقدار البلاد والعباد، ثم بدا صدى طبول الحرب التتارية يتردد على حدود السلطنة الوليدة، ولم يكن بوسع السلطان الصبي ((نور الدين علي)) أن يفعل شيئاً إزاء هذا الخطر الداهم، فقد كان يقضي وقته في ركوب الحمير والتنزه في القلعة.. ويلعب بالحمام مع الخدم، ومع كل خبر جديد عن وحشية التتار كانت الأحوال تزداد إضطراباً والقلق يفترس نفوس الناس. وتعين على الأمير سيف الدين قطز نائب السلطنة أن يخطو الخطوة الأخيرة نحو العرش من ناحية وتدعيم نفوذه السياسي الداخلي من ناحية أخرى والاستعداد لمواجهة التتار، من ناحية ثالثة، ومع اقتراب جحافل التتار من الشام أرسل الملك الناصر المؤرخ والفقيه المعروف كمال بن العديم إلى مصر يستنجد بعساكرها وهكذا بدأت الحرب تطل بوجها المرعب، على الساحة السياسية في مصر، وكان النجم الساطع في تلك الساحة هو الأمير ((سيف الدين قطز))، ولما قدم ابن العديم إلى القاهرة، عقد مجلس بالقلعة حضره السلطانالصبي الملك المنصور نور الدين علي، وحضره كبار أهل الرأي من الفقهاء والقضاة، مثل: قاضي القضاة بدر الدين حسن السنجاري، والشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكان سيف الدين قطز بين الحاضرين، وسألهم الحاضرون عن أخذ الأموال من الناس لانفاقها على الجنود فأفتى الشيخ عز الدين بفتوته المشهورة التي يأتي تفصيلها عند الحديث عن عين جالوت بإذن الله تعالى، وكان هذا الاجتماع من الأدوات السياسية التي أحسن سيف الدين قطز استغلالها للوصول إلى هدفه النهائي، عرش مصر وقتال التتار، وكان ذلك الاجتماع الذي عقد بحضور السلطان الصبي آخر خطوات قطز صوب عرش مصر وقتال التتار. وبينما كان هولاكو يجتاح أقاليم العالم الإسلامي الشرقية كان نجم سيفالدين قطز يزداد سطوعاً وتزداد قامته السياسية طولاً، وكأنه على موعد مع التاريخ لكي ينجز مهمته الكبرى في هزيمة الجحافل التتارية الظالمة، لقد استغل قطز إجتماع القلعة لخلع السلطان الصبي، وأخذ يتحدث عن مساوئ المنصور علي، وقال: لا بد من سلطان قاهر يقاتل هذا العدو، والملك الصبي صغير لا يعرف تدبير الملك، وساعده على الوصول لهدفه أن مفاسد الملك المنصور علي كانت قد زادت حتى انفض الجميع من حوله واستهتر في اللعب وتحكمت أمه فاضطربت الأمور وجاءت الفرصة تسعى إلى سيف الدينقطز عندما خرج أمرا ء المماليك المعزية والبحرية إلى الصيد في منطقة العباسية بالشرقية وفي غزة، وعلى رأسهم سيف الدين بهادر والأمير علم الدين سنجر الغتمي، في يوم السبت 24 ذو القعدة سنة 657هـ/1259م وقبض قطز على الملك المنصور وعلى أخيه قاقان وأمهما وإعتقلهم في أحد أبراج القلعة، فكانت مدة حكم المنصور سنتين وثمانية أشهر وثلاثة أيام. وهكذا اكتملت رحلة المملوك صوب العرش، وصار سلطاناً على الديار المصرية، وجلس على سرير الملك بقلعة الجبل في نفس اليوم، واتفق الحاضرون على توليته، لأنه كبير البيت ونائب الملك وزعيم الجيش، وهو معروف بالشجاعة والفروسية، ورضى به الأمراء الكبار والخوشداشية وأجلسوه على سرير الملك ولقبوه بالمظفر. 9 ـ ترتيب سيف الدين قطز للأمور الداخلية: لم يكن جلوس قطز على عرش السلطنة نهاية لرحلة المملوك إلى عرش السلطان، إذ كان على السلطان المظفر سيف الدين قطز أن يوطد دعائم حكمه في الداخل قبل أن يتوجه للقاء عدوه في الخارج، فبدأ بتغيير الوزير ابن بنت الأعز، وولى بدلاً منه زين الدين يعقوب عبد الرفيع بن يزيد بن الزبير، ثم كان عليه أن يواجه معارضة كبار الأمراء الذين قدموا إلى قلعة الجبل، وأنكروا ما كان من قبض قطز على الملك المنصور، ووثوبه على المك، فخافهم واعتذر إليهم بحركة التتار إلى جهة مصر والشام، وقال سيفالدين قطز في سياق تبريره لما حدث: وإني ما قصدت إلا أن نجتمع على قتال التتار، ولا يتأتى ذلك بغير ملك، فإذا خرجنا وكسرنا هذا العدو، فالأمر لكم، أقيموا في السلطنة من شئتم، وأخذ يرضي أمراء المماليك حتى تمكن على حد تعبير المقريزي، وما أن شعر أن سلطته قد رسخت حتى أخذ يتخلص من كل من يمكن أن يشكل تهديداً على عرشه، فأرسل المنصور علي وأخاه وأمه إلى دمياط، واعتقلهم في برج بناه هناك وأطلق عليه أسم برج السلسلة، ثم نفاهم جميعاً إلى القسطنطنية، بعد ذلك قبض السلطان سيف الدين قطز على الأمير علم الدين سنجر الغتمي، والأمير عز الدين أيدمر النجيبـي الصغير، والأمير شرف الدين قيران المعزي، والأمير سيف الدين بهادر، والأمير شمس الدين قراسنقر، والأمير عز الدين أيبك النجمي الصغير، والأمير سيف الدين الدود خال الملك المنصور علي بن المعز والطواش شبل الدولة كافور لا لا الملك المنصور، والطواشي حسام الدين بلال المغيثي الجمدار، واعتقلهم، وهكذا تمكن من التخلص من رؤوس المعارضة، ومن ناحية أخرى، بدأ السلطان المظفر سيف الدين قطز يختار أركان دولته ويوطد دعائم حكمه، فحلف الأمراء والعسكر لنفسه، واستوزر الصاحب زين الدينيعقوب بن عبد الرفيع، وأقر الأمير فارس الدين أقطاي الصغير الصالحي المعروف بالمستغرب أتابكاً وفوض إليه وإلى الصاحب زين الدين تدبير العساكر واستخدام الأجناد، وسائر أمور الجهاد والاستعداد للحرب ضد التتار، لقد ضمن سيف الدينقطز هدوء الأحوال داخل دولته، بيد أنه كان ما يزال متوجساً من ملوك الأيوبيين في بلاد الشام، خاصة الناصر يوسف صلاح الدين صاحب دمشق وحلب، وعندما علم بخبر قدوم نجدة من عند هولاكو إلى الملك الناصر بدمشق، خاف من عاقبة ذلك وكتب إليه خطاباً رقيقاً يحاول فيه تجنب المواجهة وأقسم قطز بالإيمان أنه لا ينازع الملك الناصر في الملك ولا يقاومه، وأكد له أنه نائب عنه بديار مصر، ومتى حل بها أقعده على الكرسي وقال قطز أيضاً: … وأن أخترتني خدمتك، وإن إخترت قدمت ومن معي من العسكر نجدة لك عل القادم عليك، فإن كنت لا تأمن حضوري سيرت لك العساكر صحبة من تختاره. وهكذا ظهرت من قطز معاني من التضحية والتواضع والحرص على وحدة الصف ساعدته للتصدي للمشروع المغولي وكسره في عين جالوت يأتي الحديث عنه مفصلاً بإذن الله في الفصل القادم. [/align] [/cell][/tabletext][/align] |
بسم الله الرحمن الرحيم
جزاك الله خير الجزاء على التوضيح نسأل الله الثبات على الدين وأن يهدينا لكل خير ويهدي بنا |
رد: سلطنة المماليك
و إياك حبيبتى
جزاك الله كل خير على مرورك الطيب |
رد: سلطنة المماليك
كلام رائع شكرا ً لمجهودك
|
| الساعة الآن 07:10 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
استضافة وبرمجة