![]() |
قصة الفقيه الموريسكي خوان دي برغاش
محمد أحمد عطيات
سقطت غرناطة، و سقطت المآذن، و هاجر بنو نصر راعاياهم... لتغرب عن أرض مسلميها شمس النعيم، ويسوى بوجوههم التراب تحت أنظار إخوانهم في العدوات المقابلة... لم يبقى من ذاك العهد إلا حجارة هنا و هناك... وأسماء، كثير من الأسماء، على صفحات مدونات محاكم التفتيش القشتالية... في تكملة مسلسل الآلام...سيكون لقصتنا اليوم مع الشهيد خوان دي برغش، وقفة تكريم خاصة... نأخذ بها ذكراه من الأصفاد المظلمة لممالك الظلم نح و أفئدة قرائنا المُنارة بالإسلام, ومن يدري فربما لايزال لحبل رحمه وريد بيننا... في إحدى ضواحي إشبيلية الفقيرة (من سنة 1586م) حيث استبدل رعاع القوم بأحفاد عليتهم بالأمس، فجمع فيها من كل ذي أصل عربي أو مسلم، من المدجنين الإشبيليين أو الموريسكيين المهجرين من غرناطة إبان ثورة البشرات ...حيث يسوم القساوسة أهاليها سوء العذاب، يستحيون حرمة بيوتهم و يستعبدون صبيانهم باسم الدين و الصليب و نور العذراء... نزل الحرس الكاثوليكي الإشبيلي في أحد الأيام بكامل ثقله ، يتقدمهم الرهبان حاملين الصلبان و النواقيس, و كلابهم السعراء تعوي في الأزقة عواء الموت القادم... الأمر جلل عن سابقيه في إشبيلية، فالكنيسة أمام جماعات منظمة من المسلمين المتخفين ينتشر صيتها كل يوم في الضواحي... و المتهم، بائع إسفنج فقير الشيخ "خوان دي برغاش" موريسكي الأصول ذي 80 حولا من عمره الكريم... اقتيد شيخنا الشهيد مكبلا بالأغلال إلى ساحة المحاكمة، حيث ألقى سحرة قشتالة ثعابين تهمهم الظالمة على الشيخ برغاش: قيادة جماعة للمسلمين على أرض قشتالة، حيازة المصحف الكريم أو ما يسمونه "كتاب طائفة محمد"، إحياء مراسيم إسلامية في بيته و حيِّه في الخفاء، كالصلاة و صلاة الجماعة و مراسيم الزواج السري على النهج الإسلامي، اتخاذه من بيته مسجدا و حرقه لصور القديسين الكاثوليك... و اللائحة تطول... اقتيد الشيخ برغش نحو ظلمات العذاب ليقر بأسماء كل المريدين لجماعاته، لكن الله شاء أن يقبض روحه الكريم في جلسة التعذيب الثانية لتدهور سنه و صحته... دفن الحاج برغش بعد وفاته بغير مراسيم، كما كانت عادتهم مع كل المتهمين النافقين من الظلم... غير أن الكنيسة لم يكفها الأمر، فاقتيدت زوجته و أذيقت من التنكيل أنواعا مع بعض الشهود ليقروا بالتهم الموجهة... حيث أفضى اعتراف أحدهم (تورد المصادر أن إسمه غارسيا مالدونادو) إلى الإرشاد عن عشرات تفقدت الكنيسة أثرهم لثلاث سنين (1589م)... بعد تأكيد قرار المحكمة الدينية العليا بإشبيلية لمرسوم إدانة الشيخ برغاش، أعطي الأمر بنبش قبره و حمل رفاته و حرقه أمام الملئ لتنفيذ حكم الإعدام... و كأن الحقد الدفين لم يخمده سلطان الموت أو توبيخ الأعراف الإنسانية المشتركة في احترام حرمة الميت... لتعطينا الأقدار خير مثال عن همجية الغرب في عصور أنوارهم الفكرية، في نفس الحقب التي يتباهون فيها بعظماء فننانيهم، و مفكريهم و فلاسفتهم... أكاذيب تجتر بعضها، و الحق واحد عند الله الواحد الذي يمهل و لايهمل ولو بعد مئات السنين... رحمك الله يا شيخ برغاش، ورحم الله كل شهيد ظلم قضى في سبيل قول أن "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"... ولا غالب إلا الله... - من كتاب : (Le tribunal du Saint Office de Seville (1560 - 1700 - عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ] |
| الساعة الآن 12:52 AM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
استضافة وبرمجة