![]() |
السياسة الناعمة
السياسة الناعمة علي الغامدي تعتبر السياسة أو القوَّة النَّاعِمة من العلوم الجديدة في العصْر الحديث، وهي البَديل القادِم عن السياسة الصلبة التي تَعتمد فقط على استِخدام القوَّة. من أوائل مَن كَتَب في هذا العلم القوَّة الناعمة (Soft power) في العصر الحديث جوزيف ناي من جامِعة هارفارد، الذي كان مساعدًا لوزير الدِّفاع في حكومة بل كلينتون، يتحدَّث عن مفهومها أنَّها: القدرة على الجذْب والضم، دون الإكراه أو استخدام القوَّة كوسيلة للإقناع. ولزيادة شرْح هذا المفهوم الجديد بما يسمَّى (القوَّة النَّاعِمة: أن يكون للدَّولة قوة روحيَّة ومعنويَّة من خلال ما تجسِّده من أفكار ومبادئ وأخلاقٍ من خلال الدَّعم في مجالات حقوق الإنسان والبِنية التحتيَّة والثقافة والفنِّ؛ ممَّا يؤدِّي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجابِ به، ثمَّ اتِّباع مصادره)؛ ويكيبيديا. الذي دَعاني لكتابة هذه السُّطور هو قلَّةُ الأبحاث والدِّراسات في عالَمنا العربي والإسلاميِّ في هذا المجال الهامِّ ومدى قوَّتِه وتأثيره في السياسة الخارجيَّة وصناعة الحُلَفاء والأصدقاء. ولو رجعنا قليلًا في تاريخنا الإسلامي، لوجَدنا أنَّ هذه الطريقة كانت متَّبَعة، فنشْر ثقافة الإسلام الرَّاقية على أيدي المسلمين الأوائل من إندونيسيا شرقًا إلى الأندلس غربًا - كانت كفيلةً لتبنِّي هذه الشُّعوب مبادئَ الإسلام الخالِدة، وكونَت تحالفات يَصعب التغلُّب عليها، وكان من نتائجها أنَّ المسلمين حكَموا الكرةَ الأرضيَّة لقرون من الزَّمن، وما زالَت آثارُهم الثقافيَّة والعلمية والحضارية تَستفيد منها الأجيالُ إلى وقتنا الحاضر. ولعلِّي هنا ألخِّصُ أهمَّ وسائل القوَّة النَّاعمة في العصر الحديث، ومدى تأثيرها في صِناعة التحالُفات متى ما تبنَّيناها وجعلناها من أهمِّ مصادر قوَّتنا الخارجيَّة: ١. الاستِثمار الصِّناعي والبَحثي في الدُّول المستهدَفة؛ممَّا يَنعكس إيجابًا على خَلق وظائف جَديدة، والحدِّ من البَطالة في هذه الدول، كما أنَّه سيكون رافدًا اقتصاديًّا جيدًا لِموارد هذه الدول، ممَّا سيعينها على تحمُّل تَبعاتها التنمويَّة تجاه مواطنيها، وسيعكس ذلك بدَوره حالة من الرِّضا والقبول وبناء تَحالفات مع الدول المستثمِرة. ٢. الاستثمار الثَّقافي؛ويعتبر من أهمِّ الأدوات التي نَملكها كمسلمين؛ نظرًا لِما نَملكه من قاعدةٍ صلبة تَعتمد على مبادئ الإسلام الخالِدة، ويكون ذلك من خلال بِناء الجامِعات والمدارس والمعاهِد في الدُّول المستهدَفة والإشراف عليها، كما أنَّ من الوسائل أيضًا ابتعاثَ الطَّلَبة والطالبات إلى جامعاتنا من كافَّة أنحاء العالم؛ كما هو حاصِل في الجامعة الإسلاميَّة في المدينة المنورة الآن، وممَّا يميِّز هذه الطَّريقة أنَّ الطالب يتعرَّف عن كثب على ثقافتنا، وسيكون خير سَفيرٍ لنا عندما يعود إلى بلده. الدُّول الغربيَّة وإيران سبَقونا بمراحل في هذا المَجال للأسف. ٣. الاستثمار الخيري؛ ويكون ذلك بتبنِّي العمل الخيري في الدُّول المعنيَّة، ومعرفة احتياجاتهم، سواء احتياجات طبيَّة؛ ويكون ذلك من خلال بِناء المستشفيات والخدمات الصحيَّة وتسيِير قَوافل طبيَّة مبرمجة لهذه الدُّول، وقد يكون الاستثمارُ الخيري أيضًا في كفَالة الأيتام، أو بِناءِ المساجِد، أو حفْرِ الآبار، أو العمل على مشاريع الأُسَر المنتِجة. وتعتبر هذه الطَّريقة من أفضل الطُّرُق لكسْب ولاء الشُّعوب، الذي بدوره سيَنعكس إيجابًا على قادَة هذه الدُّول، وقد سبَقَنا للأسف إلى هذا الدَّور الدولُ الغربيَّة وإيران أيضًا. ومن الأمثلة المشرِقة لدول المنطقة لجْنة مسلمي إفريقيا؛ وتُعتبر خيرَ مثالٍ وسفير للقوَّة النَّاعمة لدول الخليج، وخاصَّة دولة الكويت، فمن نتائجها المبارَكة وجودُ العديد من صُنَّاع القرار والسُّفراء في هذه الدول ممَّن احتضنَتهم اللَّجنةُ واعتنَت بهم حتى وصَلوا إلى هذه المناصب المؤثِّرة. ٤. الاستثمار في دعْم مشاريع البِنية التحتيَّة للدول المستهدفة؛ ومن أمثلة ذلك بناء السدود، وشقُّ الطُّرق، وبناء المساكِن، ومشاريع الريِّ والصَّرف الصحِّي، وغيرها من المشاريع التي تَمسُّ حاجةَ المواطنين الأساسيَّة. ٥. الاستثمار الإعلامي؛ وهو من الوسائل العصريَّة التي لها أثرٌ كبير في تَوجيه الجماهير، وقد استثمر الغربُ في هذا المجال منذ عقود؛ فنشروا ثقافَتَهم وحضارتَهم وما وصَلوا إليه من تقدُّم إلى كافَّة شعوب المعمورة، ممَّا انعكس إيجابًا عليهم، وكوَّن لهم تحالفات متعددة. ولعلَّ من الأمثلة والتجارب في عالَمنا العربي قناةَ الجزيرة في قطَر، التي أصبح لها تأثير قويٌّ ومباشِر على شريحة كبيرةٍ من أفراد المجتمع العربي والإسلامي، ولستُ هنا بصدد تَقويم هل ما تَقوم به الجزيرة صحيح أم خطأ، ولكن هدَفي ضرْب مثال فقط، وكيف استطاعَت دولة قطَر أن تَستخدم هذه القوَّة النَّاعِمة بما يتناغَم مع مصالحها وسياساتها الدَّاخليَّة والخارجيَّة، حتى أصبح كثيرٌ من الدول يَحسب لها ألفَ حساب، وعلى المستوى الدولي يَنطبق ذلك على قناة بي بي سي لبريطانيا، وقناة سي إن إن والحرَّة لأمريكا. هذه بعض الوسائل التي أعتقِد أنَّه سيكون لها تأثير ومَردود إيجابي على دول مَنطقتنا، ولعلَّ المتخصِّصين في العلوم السياسية بالتأكيد لدَيهم الكثير والكثير من وسائل القوَّة النَّاعِمة لصِناعة التحالفات. وخلاصة ما أريد أن أصِل إليه أولًا: إيجاد مَراكز بحثيَّة متخصصة في هذا المَجال المهمِّ، ورفْع توصيات لصنَّاع القرار، ثانيًا: التركيز يَجب أن يكون في الفترة القادِمة على شعوب الدوَل المستهدفة، وليس على قادتها فقط الذين يتغيَّرون وقد تتغير ولاءاتُهم؛ ويكون ذلك بالتركيز على ما تمَّ ذِكرُه من مشاريع وخطَط استثماريَّة؛ حتى نَضمن تحالفات مستدامة وقويَّة. عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ] |
| الساعة الآن 01:07 AM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
استضافة وبرمجة