![]() |
الوطنية وتعدد الثقافات في الفكر الإسلامي
الوطنية وتعدد الثقافات في الفكر الإسلامي د. أحمد بن عبدالعزيز الحليبي ملخص البحث: هل يمكن أن تتعدَّد الثقافات مع الانتماء إلى وطن واحد؟ أو بصيغة أخرى: هل يمكن أن يوجد وطن واحد يتعايش على أرضه في وئام ذوو ثقافات متعدِّدة؟ يحاول هذا البحث أن يجيب عن هذا السؤال من وجهة نظر الفكر الإسلامي، متَّبعاً في ذلك منهج القرآن الكريم في ردِّ ما تنازع فيه المختلفون إلى الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ابتغاء الحق، ومتعاملاً مع هذا الموضوع بشمولية، وواقعية، وحكمة تنسجم مع عناية الإسلام بوحدة الأمة، وتآلف قلوب أفرادها، واجتماع كلمتهم، وتحذيره من أن يكون التنازع - ومنه التنازع الثقافي - سبباً في حصول العداوة والفُرقة بينهم. وقد تناول البحث القضايا التالية: معنى الوطن، مفهوم الوطنية في الفكر الإسلامي، الوطنية والثقافة، وظيفة الثقافة الإسلامية في بناء هُوية الوطن الثقافية، الهوية الثقافية وتعدد الثقافات، الثقافة الإسلامية وتعدد الثقافات، تعدد الثقافات داخل الوطن الإسلامي، الثقافة الوطنية و(العولمة). المقدمة: الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: تشهد الساحة الثقافية في البلاد الإسلامية اليوم تداخلاتٍ فكريةً وصراعاتٍ مذهبيةً، وتتعرض لتطورات سياسية واجتماعية، وفي ظل هذه التداخلات المعقَّدة، والتطورات المتلاحقة يُطرَح السؤال التالي: هل يمكن أن تتعدَّد الثقافات مع الانتماء إلى وطن واحد؟ أو بصيغة أخرى: هل يمكن أن يوجد وطنٌ واحدٌ يتعايش على أرضه في وئام ذوو ثقافات متعدِّدة؟ لهذا السؤال أرضية يقف عليها، والإجابة عليه متأثرة باتجاهات فكرية، وعقائدية مختلفة. أما الأرضية فهي واقع المجتمعات الإسلامية الذي تجمعه ثقافة إسلامية عامة، وتفرقة ثقافات متعدِّدة ذات صفة خاصة، وأما الاتجاهات الفكرية والعقائدية فتتنازع الإجابة، وتؤثِّر عليها تأثيراً ظاهراً. يحاول هذا البحث أن يجيب عن هذا السؤال من وجهة نظر الفكر الإسلامي متَّبعاً في ذلك منهج القرآن الكريم في ردِّ ما تنازع فيه المختلفون إلى الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ابتغاء الحق، كما قال - تعالى -: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا}. [النساء: 59]. ومتعاملاً مع هذا الموضوع بشمولية وواقعية، وحكمة تنسجم مع عناية الإسلام بوحدة الأمة وتآلف قلوب أفرادها واجتماع كلمتهم، وتحذيره من أن يكون التنازع - ومنه التنازع الثقافي - سبباً في حصول العداوة والفرقة بينهم. إن موضوع (الوطنية وتعدد الثقافات) يتصف بالحيوية والإشكالية معاً؛ بحيث مهما دُرس لا يمكن أن ينتهي عند رؤية يُجمع عليها؛ نظراً لما للناحية المنهجية والعقدية والثقافية والتربوية من تأثير في قبول التعدُّدية الثقافية ورفضها؛ بل غاية ما يمكن قوله: أنه موضوعٌ جديرٌ بالاهتمام والعناية، يحتاج إلى مزيد من الدراسة توضِّح جوانبه، وتعالج إشكالياته المتشعِّبة. معنى الوطن الوطن في اللغة هو: المنزل الذي يقيم فيه الإنسان، ويتخذه محلاً وسكناً له [1، ج 6ص 4868]، وقد سماه القرآن الكريم الدار والديار في قوله - تعالى -: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَْ} [العنكبوت: 37]، وقوله - تعالى -: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8] وسمَّته السُّنة: الوطن والدار، في حديث: ((هي وطني وداري)) [2، ج3، ص177]. والموطن: هو مكان مولدِ الإنسان، ومأهلِه ومنشئه، الذي فُطر على حب القرار فيه والحنين إليه. [3، ج3، ص1252]. والمواطنة لها معنيان: الأول: معنى فطري غريزي، نابعٌ من حب الإنسان لوطنه وشعوره بالانتماء إليه، وحنينه إليه، نتيجة لإلف المكان وتذكُّر مرابع الصبا ومآرب الشباب، كما قال الشاعر ابن الرومي: وَحَبَّبَ أوْطانَ الرِّجال إليهمُ مآرِبُ قَضَّاها الشَّبابُ هُنالِكا إذا ذُكِّروا أوطانَهم ذكَّرَتْهُمُ عهود الصِّبا فيها فحنُّوا لذلِكا وهو حبٌ وانتماءٌ غريزيان، يشترك فيهما الإنسان والحيوان والطائر على حدٍّ سواء. المعنى الآخر: معنى فكري مذهبي؛ هو أعمق من أن تكون المواطنة مجرد نزعة شعورية، وميلاً فطرياً طبيعياً إلى المكان الذي ولد فيه الإنسان، ونشأ على أرضه؛ إذ حوَّلت المذهبية الفلسفية المواطنة إلى نزعه فكرية مذهبية، لها مبادئها العامة، وطقوسها السلوكية، تزرع في نفوس الناس، ويُنشَّأ عليها ناشئة المجتمع، وتحاكم مواقف أتباعها عليها، ويُنظر إلى الآخرين من خلالها [4، ص172]. تاريخ الوطنية في الفكر الإنساني الوطنية من المفاهيم الحديثة التي فرضت نفسها على خريطة الفكر الإنساني، وإن كانت ذات جذور عميقة في التاريخ؛ فهي بهذه الصفة الفلسفية عُرفت في المجتمعات القديمة، ومن أشهر صورها وطنية اليونان التي كانت تُقسِّم المجتمع إلى أحرار وعبيد، وتُمايز بينهم في الحقوق والواجبات، ثم وطنية الإمبراطورية الرومانية التي كانت تنظر إلى الشعوب الأخرى المنضوية إليها بصفتهم عبيداً تابعين للوطن الأم، فلا تقبل من هؤلاء الأتباع الانصهار في بوتقته والاندماج به، وظهرت هذه النزعة من جديد مقترنةً بقوميَّات محليَّة في أوروبا بعد الثورة الفرنسية؛ لتحل محل النزعة الدينية المسيحية تدريجياً، وأصبحت من معطيات القرن التاسع عشر الميلادي الموجِّهه لكل نُظُم الدولة نحو خدمة هذه النزعة المذهبية [5، ص47]. لقد استطاعت هذه النزعة أن تقسِّم أوروبا إلى إمارات شعبية متصارعة، كل إمارة تكرس النظرة الوطنية للأشياء والآخرين، وتعمل على تحويل القيم العامة إلى قيم وطنية خاصة، مما أدى إلى تدهور العلاقات بين هذه الدول، وتأجيج الحروب بينها لسنوات طويلة، وتوريث الخراب والدمار للأجيال كما قال الفيلسوف البريطاني برتراند رسل (Bertrand Russel ) في الوطنيين الألمان: "يخيَّل إليهم أن مصالح ألمانيا هي وحدها المصالح الجديرة بالاعتبار، دون أن ينازعهم في ذلك منازع، وليس من شأنهم هم - مادام همهم هو هذه المصالح - أن يفكروا فيما يصيب الأمم الأخرى من أضرار، ولا فيما تجرُّه هذه السياسة من تخريب للمدن، ودمار للأهالي، ولا ما يلحق بالحضارة من تلف لا يمكن إصلاحه". وكلامه هنا عن ألمانيا النازية التي تبنَّت نزعة الوطنية، ومقولة: إن ألمانيا وحدها القادرة على قيادة العالم [5، ص50]، وما إن وضعت الحروب التي تأجَّجت بين دول أوروبا أوزارها إلا وظهر التنافس من جديد بينها على استعمار الأمم الأخرى، وبعد انحسار موجة الاستعمار أدركت هذه الدول الآثار الوخيمة للوطنيَّات المتعصِّبة؛ فبدأت بالانسلاخ منها، والتقارب فيما بينها، في مشاريع عرفت بمشاريع الوحدة الأوروبية [4، ص173-175]. وفي العالم الإسلامي وجد المعجبون بالثقافة الغربية في نزعة الوطنية التي راجت في أوروبا فكرةً تجمع الناس في كل قُطْر من أقطار المسلمين حول المطالبة بحقوقهم، ودعوة إلى الحرية، تخلِّصهم من الظلم الذي عانوا منه، وعملت الدول الاستعمارية على إعلاء شأن هذه الفكرة، عن طريق إثارة الخلافات البائدة بين الشعوب الإسلامية، والنَّعرات القومية، والتركيز على الملامح الطبيعية التي يختلف فيها كل قُطْر عن الآخر، وخلق روح الإقليمية المحلية [6، ص367] - بغرض تمزيق المجتمعات الإسلامية، وفصل بعضها عن بعض؛ للحيلولة دون وحدتها في كيان واحد وفكر واحد وتطلعات مشتركة، فقد جاء في تقرير وزير المستعمرات البريطاني (أورم سبي غز) لرئيس حكومته بتاريخ 9 يناير عام 1938م: "إن الحرب علمتنا أن الوحدة الإسلامية هي الخطر الأعظم الذي ينبغي على الإمبراطورية أن تحذره وتحاربه، وليس الإمبراطورية وحدها؛ بل فرنسا أيضاً، ولفرحتنا فقد ذهبت الخلافة، وأتمنى أن تكون إلى غير رجعة. إن سياستنا تهدف دائماً إلى منع الوحدة الإسلامية، والتضامن الإسلامي، وينبغي أن تكون كذلك.." [7، ص12]. ثم تطورت هذه الفكرة في البلاد الإسلامية على أيدي المتأثرين بالثقافة الأوروبية الذين حولوا الوطنية إلى قومية، وهاجموا الرابطة الدينية، واعتبروها خطراً يهدد وحدة الأقطار الإسلامية، ويفرق كلمتها، ويهدم تعاطفها، ويضعف تكتلها. [8، ج1، ص78] وعلى الرغم من غتامة تاريخ الوطنية بمعناها المذهبي، وما أدت إليه من صراع اكتوت بلهيب ناره الشعوب - فإن المعنى الفطري للوطنية يظل المعنى الحاضر في نفس الإنسان الذي لا يغيب عن مشاعره لحظة من اللحظات، ويستولي على كل أحاسيسه وآماله ومشاعره. الوطنية في الفكر الإسلامي إذا كان الاتجاه المذهبي عمل على ربط معنى الوطنية بالأرض والوطن؛ فإن الإسلام لا يتنكَّر لفطرة حب الوطن، ولا يعدُّه مناقضاً له؛ فقد صدق مصطفى كامل - وهو من الوطنيين المصريين - في قوله: "قد يظنُّ بعض الناس أن الدين ينافي الوطنية، أو أن الدعوة إلى الدين ليست من الوطنية في شيء، ولكني أرى أن الدين والوطنية توءمان متلازمان، وأن الرجل الذي يتمكَّن الدين من فؤاده يحب وطنه حباً صادقاً" [8، ج1 ص82]، ذلك أن الإسلام نظر إليه على أنه ميلٌ فطريٌّ راسخٌ في النفس، فنمَّاه، ولم يقيِّده بمضامين أي نزعة من النزعات ذات المنحى العنصري؛ بل ربط بينه وبين الدين، وعمل على إدماج البشرية بعضهم ببعض دون تمييز على أساس الحدود الجغرافية؛ فمدَّ بذلك مفهوم الوطن على امتداد العقيدة، ووسَّع مفهوم الوطنية لتكون انتماءً فطريّاً إلى الأرض، وموالاةً دينيةً لعقيدة الإسلام ومبادئه وقيمه. إن انسجام الدين والوطنية وامتزاجهما معاً، بحيث تكون الوطنية متشربةً للإسلام، ويكون الوطن داراً له - هو الذي جعل للوطنية هذا المعنى الواسع الذي يتجاوز الحدود الإقليمية والمعنى المحصور في الأرض، ليرقى به من الأرض والموقع الجغرافي، إلى القيمة والمكانة والحُرْمة، ويقرنه بالمبادئ والقيم التي يؤمن بها من يقيم على هذا الوطن، لقد أظهر الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى في خطابه لمكَّة، وهو مهاجرٌ منها: ((ما أطيبك من بلد، وأحبَّك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنتُ غيرك!!)) [9، ج5، ص723]. إن هذا المعنى يجلي موقف الفطرة في محبته - صلى الله عليه وسلم - لبلده مكة، معللاً هجرته منه رغم تعلّقه به ومحبته له - بإخراج كفار قريش له، ومنعهم إياه من إقامة مبادئ الإسلام فيه. وإذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد ضحى بالبقاء في وطنه في سبيل مبادئه وقيمة التي حال بينه وبينها كفار قريش حينما ساوموه عليها - فإن ذلك كان في حالٍ من التخيير بين المضيِّ في الدعوة إلى الإسلام مع الهجرة عن الوطن، أو التخلِّي عنها مع البقاء في الوطن، وحال من التضادِّ بين إعطاء الأولوية للإسلام، أو التنعم بالسّكنى في الوطن، والعيش بين الأهل والعشيرة؛ لذا قدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - في حدث الهجرة الدِّين على غيره، وقد أكَّد القرآن الكريم استحقاق الدين هذه الأولوية في قوله - تعالى -: {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]. ولا يعني بحال أن الإسلام يغير انتماء الناس إلى أرضهم وشعوبهم وقبائلهم؛ فإن هذا أمرٌ ماديٌّ حسيٌّ واقعٌ، لا سبيل إلى تغييره، فالذي يولد في بلد يُنسب إليه، ولا يُنكر عليه محبته له؛ فإن بلالاً - رضي الله عنه - الذي هاجر إلى المدينة مضحِّياً بكل شيء في سبيل عقيدته هو الذي كان يهتف في دار الهجرة بالحنين إلى بلده مكة، في أبيات تمتلئ رقة، وتقطر حلاوة، ينشد - رضي الله عنه - فيقول: هَلْ أَرِدَنْ يوماً مِياهَ مَجَنَّةٍ = وهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شامَةٌ وطَفِيلُ؟! وسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصف مكة من أصيل فجرى دمعه حنيناً إليها، وقال: ((يا أصيلُ، دع القلوب تقِرَّ)) [10، ج1 ص84]، لقد أقر الإسلام هذا الانتماء، ولم يرَ حُبَّ الوطن منافياً للإيمان، ولا ملازماً له، فقد دل قوله - تعالى -: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66]، دلت هذه الآية على حب هؤلاء لوطنهم، مع عدم تلَبُّسهم للإيمان. [11، ج1 ص414]، كما أن الإسلام لم يجعل الأرض، ولا الدم، ولا اللغة، ولا المصالح الصلة الأولى التي تجمع الناس، ولم يقدمها على صلة العقيدة الصحيحة [12، ص586]؛ فإذا اتَّسقت دوائر الانتماء في فكر الإنسان، وتكاملت الحياة في ممارستها، ولم تكن متعارضة مع الانتماء إلى العقيدة فلن يكون هناك تناقض في الفكر، ولن يكون هناك مانع من العمل بكل دوائر الانتماء الفطري للإنسان؛ إن الأمر في علاقة الانتماء إلى الإسلام بالانتماء إلى الوطن ليتعدى حدود نفي التناقض إلى دائرة الامتزاج، والترابط، والاعتراف بما هو فطري؛ فالإسلام دين لا تتأتى إقامته إلا في وطن، ومكان، وجغرافيا، وهذا الواقع، والمكان، والجغرافيا لن يكون دارَ إسلام إلا إذا أصبح الانتماء إليه بُعداً من أبعاد الانتماء الإسلامي العام، ومن هنا تأتي ضرورة الوطن لإقامة الدين [13، ص35]، كما قال - تعالى -: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 141] ويتقرر حق المسلم فطرياً ودينياً في أن يعلن محبته لوطنه، وانتماءه إليه، وتفضيله على غيره في السكنى، والإقامة به، وحب الخير له، ونصرته دون عصبية تقطع آصرة أخوة الدين، أو تَشغَل عن الاهتمام بباقي أجزاء الوطن الإسلامي؛ فوطن المسلم ليس له حدود جغرافية؛ فهو يمتد مع امتداد العقيدة [14، ص141]، وانتشارها في بقاع الأرض؛ إذ لا تعارض بين حب الوطن والانتماء إلى الأمة الإسلامية، فبِوُسع الإنسان أن يحب وطنه، ويحب إخوانه المسلمين في الأقطار الأخرى، فكما أن حب الوطن لا يناقض حب الأسرة؛ بل يكون متمِّماً لها، كذلك حب الوطن لا يناقض حب المسلمين أينما كانوا؛ بل يكون متمماً له أيضاً [15، ص31]. كما أن الإسلام جعل الوطنية حقاً من حقوق الشعوب، والمحافظة عليه حياة لها بين الأمم، فلا معنى لحياة أمة وهي تفقد حق استقلالها في أرضها وبلادها، وتعيش تحت هيمنة عدوِّها وحُكمه؛ فتلك أمَّة مَيْتة وإن كانت في حكم الأحياء، يقول الأستاذ محمد عبده في هذا المعنى: "تلك سُنَّة الله - تعالى - في الأمم التي تجبُن فلا تدفع العادين عليها، وحياة الأمم وموتها في عرف الناس جميعهم معروف؛ فمعنى موت أولئك القوم هو أن العدو نكَّل بهم فأفنى قوَّتهم، وأزال استقلال أمَّتهم حتى صارت لا تُعَد أمة، بأن تَفرَّق شملها، وذهبت جماعتها، فكل ما بقي من أفراده خاضعون للغالبين، ضاعئون فيهم، مدعمون في غمارهم، لا وجود لهم في أنفسهم، وإنما وجودهم تابع لوجود غيرهم، ومعنى حياتهم عودة الاستقلال إليهم. إن الجبن عن مدافعة الأعداء، وتسليمَ الديار بالهزيمة والفرار هو الموت المحفوف بالخزي والعار، وإن الحياة العزيزة الطيبة هي الحياة الملِّية المحفوظة من عدوان المعتدين، والقتال في سبيل الله أعم من القتال لأجل الدين؛ لأنه يشمل أيضاً الدفاع عن الحوزة إذا همَّ الطامع المهاجم باغتصاب بلادنا، والتمتمع بخيرات أرضنا، أو أراد العدو الباغي إذلالنا، والعدوان على استقلالنا، ولو لم يكن ذلك لأجل فتنتنا عن ديننا، فالقتال لحماية الحقيقة كالقتال لحماية الحق، كله جهاد في سبيل الله. ولقد اتفق الفقهاء على أن العدو إذا دخل دار الإسلام يكون قتاله فرض عين على كل المسلمين". [16، ج4، ص695-697]. الوطنية في المملكة العربية السعودية تمثل الوطنية في المملكة العربية السعودية المعنى المنسجم مع الفطرة والإسلام؛ إذ يعني مفهوم الانتماء إلى المملكة العربية السعودية معاني وقيماً عظيمة، تتمثل في: 1- الموقع الذي اختاره الله - تعالى - ليكون مهبط الوحي، ومعقل الإسلام، وقلعته العتيدة، وحصنه المنيع، ومخزن قيمه الحضارية، وأصالته الفكرية، ومأوى أفئدة المسلمين، ومقصدهم في صلاتهم وأداء نسكهم، وجعل أرضه مسكناً خالصاً لإقامة المسلمين وحدهم إلى قيام الساعة، قال - تعالى -: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لأُخْرِجَنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدعَ إلا مسلماً)) [17، ج3، ص1388]، أي: لا يدع كتابياً يقيم فيها إقامة دائمة؛ بحيث لا يمكن فهم هذا الموقع، إلا أنه أرض الإسلام والمسلمين. 2- الإسلام الذي جعل الله هذه الجزيرة داراً له، ومأرزاً لأتباعه، يقيمون على أرضه شعائره، ويحتكمون في أمورهم إلى شرعه، ويعملون بما ينطوي عليه من مبادئ، وقيم وتشريعات، وقد ختم الله به الدين، ونسخ به الرسالات السابقة، فلم يقبل غيره ديناً، قال - تعالى -: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، فنالت هذه الجزيرة به مكانتها، وتميزت به شخصيتها، واستشعر أهلها به واجبهم، وارتبطوا به في مناهج حياتهم. هذا المعنى تجسَّد في المملكة العربية السعودية؛ إذ تمتزج هذه الدولة منذ تأسيسها بالدين واقعاً ومسؤولية، ولا غرابة؛ فهي من حيث الواقع الدولة المؤتمنة على الحرمين الشريفين، والراعية لحجاج بيت الله الحرام، وزوَّار مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - والعاملة على نشر الإسلام من خلال مؤسسات الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والمقيمة لأحكام الشريعة، والمنفذة لحدود الله - تعالى - من خلال المحاكم الشرعية ذات السلطة المستقلة التي لا سلطة عليها غير سلطان الشريعة، وهي الملتزمة في جميع المجالات بالإسلام، نصت المادة الأولى للنظام الأساسي للحكم فيها على أن: "المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولغتها هي اللغة العربية". وقد مارست الدولة هذه الوظيفة في أدوارها الثلاثة منذ تأسيسها على يدي الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب، فهي نتاج دعوة إصلاحية عمَّ خيرها أرجاء الجزيرة العربية، وتفيَّأ ظلالَها جميعُ أبنائها، وقطفوا ثمرتها وحدة، وأمناً، ومعتقداً صافياً، ورخاء واسعاً، وعلماً منتشراً. إن مفهوم المواطنة يعني الالتزام؛ بمعنى الانتماء إلى هذا الوطن المملكة العربية السعودية الذي يقتضي حماية أرضه، والنهوض برسالته التي هي رسالة الإسلام، والجهاد في سبيل الحفاظ على حُرُماته ومقدساته، والذَّبِّ عن منجزاته الحضارية بشقيها: المعنوية والمادية. إننا في الوقت الحاضر وأكثر مما مضى بحاجة مُلِحَّة إلى تعميق هذا المفهوم في عقول الناشئة؛ بعد أن تسلَّلت بعض الأفكار والآراء الغريبة على بيئة هذا الوطن المسلم، وفوجئ أبناؤه بالأحداث الدامية التي استهدفت المواطنين الآمنين، والمقيمين المستأمنين، ولعل من أفضل الوسائل التي تعمق هذا المفهوم ما يلي: 1- مناهج التعليم التي يمكن أن تؤصِّل معنى الوطن، وتبرز مكانته في العالم كله، وفي العالم الإسلامي بصفة خاصة، وتتحدث عن خصائصه وواجباته، ومواقفه الحميدة من القضايا الإسلامية كقضية فلسطين، والبوسنة والهرسك، ودور المؤسسات الخيرية في إغاثة المنكوبين، والمعوزين في العالم الإسلامي، ودعمه للمؤسسات الإسلامية العالمية؛ كمنظمة المؤتمر الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، والبنك الإسلامي. 2- الإعلام من صحافة وتلفاز وإذاعة الذي يمكن استثماره في إظهار الصورة الحقيقية للمملكة العربية السعودية، ودورها الرائد في المحافظة على قيم الإسلام ومبادئه، والدفاع عن قضايا المسلمين في المحافل الدولية، وتسخيرها في ترسيخ هوية هذه البلاد في نفوس أبنائه من خلال الحوار الهادف، والبرنامج الملامس لمشكلات الناس وأحوالهم الاجتماعية، وفي التصدي للأفكار الوافدة المنافية للعقيدة الصحيحة والشريعة السمحة، وفي معالجة حالات الانحراف والغلو التي قد تظهر في المجتمع تأثراً بمجتمعات مجاورة. الوطنية والثقافة برزت الوطنية منذ انطلاقها في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي مقترنة بالقيم (الليبرالية)، أو الحرية الفردية و(الديمقراطية)، وتعتبر فرنسا أنصع مثال على هذا التلازم في أوروبا الحديثة؛ إذ تبنَّى الفرنسيون الوطنيون فكرة الدفاع عن ثقافتهم الوطنية مع ولائهم للدولة الفرنسية، كما تُعَد تركيا من أبرز الدول في العالم الإسلامي اهتماماً بتطوير ثقافتها الوطنية من خلال العمل على الانفصال عن العرب: في الحروف الأبجدية، واللباس، والتعليم، والعادات والتقاليد [18، ص20-26]. وفي العالم العربي ظهرت الوطنية مقرونة بمشروع الدعوة إلى الوحدة العربية الذي كان من أهدافه مقاومة الاستعمار الغربي للبلاد الإسلامية، وتم التسويق لهذا المشروع عن طريق بناء ثقافة وطنية جديدة على المنحى القومي لثقافة السياسة الغربية المتَّجِه إلى فصل الدين عن الدولة، وكانت رَدة الفعل الأولى عليه من المفكرين الإسلاميين بإعلان التمسك بفكرة الخلافة الإسلامية، والتنادي إلى مشروع إعادتها من جديد؛ مما أدى إلى تبلور اتجاه فكري مناهض لفكرة الوطنية العربية، يدعو إلى حماية الهُوية الإسلامية، والدفاع عنها في وجه العدوان الثقافي الغربي [19، ص34-37] الذي كان يسعى إلى تحجيمها، وإلى تحرير الوطن الإسلامي من الاستعمار الجاثم على أرضه، وتوحيد شعوبه على أساس العقيدة والمبادئ الإسلامية. وحقيقة الأمر أن الدعوة إلى الوطنية كانت مرحلة أولى منحصرة في مفهوم الاستعلاء بالأرض، والتاريخ الإقليمي، فلما أخفقت هذه الدعوة ظهرت الدعوة إلى الإقليمية العربية التي كانت على نسق الطورانية في تركيا، والفرعونية في مصر، والفينيقية في سوريا، وقد ساهمت هذه الدعوة على تمزيق الأمة الإسلامية وفرقتها، ولقد كان للنفوذ الاستعماري داخل العالم الإسلامي أثر قوي في تفريغ مفهوم الوطنية ثم القومية من قيمته الحقيقية، وفصله عن تراث الأمة وثقافتها العامة، ولا ريب أن هذا المفهوم دخيل عليها؛ إذ أنها كانت تَعتبِر وحدة الفكر، أو وحدة الثقافة أساساً لترابط شعوبها وتماسكهم [20، ص225-226]. إن الاختلاف في مفهوم المواطنة بين القوميين والإسلاميين نشأ عنه تباين في الثقافة التي تحدد هوية الوطن، وصلته بغيره؛ إلا أن الفريقين متفقان على أن الوطنية - كما قال الأستاذ علي مزروعي-: "جمع بين الثقافة كهوية وبين الثقافة كطريقة اتصال". [18، ص23] إذ الثقافة عند الفريقين من أخص خصائص الإنسان، فهو مخلوق عاقل ومفكر، وأي انتقاص من ذلك هو انتقاص لبشريته وآدميته، وأي اهتمام بنمو ثقافته هو اهتمام بإنسانيته، والثقافة أيضاً مسألة هامة للمجتمع الإنساني؛ فهي قوام التواصل بين الشعوب من أجل التعارف، وتبادل الخبرات مهما اختلفت أجناسهم ومعتقداتهم، فعن طريقها يتبادل الناس المفاهيم، والأفكار، والمعقتدات، وأساليب الحياة، وغير ذلك من نظم وتصورات، وهي أيضاً وسيلة لتمايز الشعوب بعضها عن بعض بفضل السمات التي تتميز بها كل ثقافة عن الأخرى، مما يكسبها القدرة على الانفتاح على الثقافات الأخرى دون وَجَل من الاندماج، أو الذوبان في الثقافات الأخرى [21، ص74-84] أي مع القدرة أثناء الممارسة الثقافية على المحافظ على خصوصيات الوطن، وأصالته، وذاتيته المتمثلة في مبادئه، وقيمه، ونظمه. إن المواطنة تعني استثمار ثقافة البيئة التي هي من الناحية العامة: "حصيلة معلومات متنوعة، وأساليب في التفكير تتسع وتضيق بحكم ارتباطها بقضايا الإنسان عموماً، وبما يتصل بالذاتية عموماً، ومجالات الهوية خصوصاً، فالمواطن المثقف: هو الشخص الذي يكون واعياً عن طريق حسه الاجتماعي؛ سواء تعلَّق الأمر بعصره أم خارج عصره، هذا - الوعي - هو الجانب الإنساني في الثقافة؛ أما ما يشعر به، ويحياه في هويته وانتسابه الوطني والقومي والروحي، فهو الجانب الذاتي في الثقافة" [22، ص6]. وفي هذا السياق يصعب جداً تصور ثقافة مجردة ومحايدة، لا ترتبط بخلفيات تاريخية، أو مذهبية تشكل مصدر موازينها، ومعاييرها، ومرجع قيمها، ولذلك فهي كثيراً ما تحمل نعتاً يحدد إطارها وأبعادها؛ لذا نجدها تُنْسَب إلى دين أو مذهب؛ كالثقافة الإسلامية، أو البوذية، أو إلى بلد، أو منطقة كالثقافة اليونانية، أو الهندية، وتتسع لمضامين ما تنتسب إليه، فالثقافة الإسلامية حينما اتخذت الإسلام رداء لها - أصبحت تتسع لكل ما يحويه هذا الانتساب من مضامين باعتبار الإسلام عقيدة، وشريعة، وفكراً، وحضارة، ومنظومة قيم [22، ص8]، وهكذا كل الثقافات الأخرى. وإذا كان أي وطن بحاجة إلى تنمية شاملة وهادفة في كل مرافقه تستثمر كل إمكاناته وطاقاته فإن هذه التنمية لابد أن تكون متلائمة مع ثقافته، ومعطياته، ومكونات مجتمعه، ومن ذلك - على سبيل المثال - التنمية في حقل العلوم التطبيقية، هذه العلوم التي تطورت في هذا الزمن بصورة سريعة ومذهلة، وحاول المهتمون بها في ظل تسارع معلوماتها، وتلاحق نتائجها أن تنمو في معزل عن الثقافات، وبعيداً عن مضامينها مما أدى إلى نوع من الصراع والتناقض داخل المجتمعات، ولعل هذا هو الذي دفع العالم الشهير إيليا بريغورين Ilya Prigorine إلى القول: "إنه أضحى من المُلِحِّ على العلم أن يعتبر نفسه جزءاً لا يتجزأ من الثقافة التي تطور بين أحضانها". وإلى القول: "إن العلم سينفتح على العالمية عندما لا ينعزل عن اهتمامات المجتمع، ويعدل عن اعتبار نفسه مستقلاً ومجرداً عنها، عندها يصبح العلم قادراً على محاورة الناس من جميع الثقافات، واحترام تساؤلاتهم. ولعل تجرُبة العالم الإسلامي من أوضح الشواهد على سوء النتيجة عندما استورد أنماطاً من التنمية لا تتلاءم مع معطيات واقعه، ومكونات مجتمعاته فكانت الحصيلة تقليداً شبه أعمى للحضارة الغربية [23، ص26]، وتأخراً في كثير من مجالات الحياة. هوية الوطن الثقافية لابد لأي وطن من ثقافة خاصة به؛ إذ لا يُتصوَّر وجود وطن بلا تراث وتاريخ، ومجتمع بلا عقيدة ومبادئ، وأمة بلا نظم وقيم، أو في أقل الأحوال لا يمكن وجود مجتمع بلا دين، يقول هنري برجسون Henri Bergson: "قد نجد في الماضي أو الحاضر مجتمعات بشرية لا تعرف العلم، أو الفن، أو الفلسفة، ولكن ليس ثمة مجتمع بلا دين" [24، ص25]. يكاد يكون من البدهي التسليم بمساهمة الأديان في جميع المجتمعات في تشكيل ثقافتها، فهي ذات حضور مؤثر في بناء الثقافة لأي مجتمع من المجتمعات مهما كان هذا الدين من الصحة أو البطلان، وما من مجتمع إلا وقد تدَيَّن، فالتديُّن فطرة خُلِق عليها الإنسان، ينزع إليها ليشبع حاجة الروح إلى الإيمان بالمعبود، ويستمد من هذا الإيمان عقيدته ومفاهيمه للوجود والحياة، ويضبط به أمور حياته، وهو كذلك ضرورة اجتماعية يتم عن طريقها التأكيد على الإيمان بالقيم والفضائل، والالتزام بالأحكام والقوانين التي تُعنَى بتنظيم شؤون الحياة. ويعد الدين في الثقافة الإسلامية بمصادره الصحيحة الأساس الأول الذي تقوم عليه، وتأخذ منه مادتها العلمية والفكرية، وتستمد منه ذاتيتها، ووجهتها، وتصوراتها، وقوام فكرها، وتعتمد عليه في نقد التراث البشري، ومواجهة التحديات التي تعترض سبيل المحافظة على شخصيتها من الذوبان في غيرها، وهو العاصم لها من الانحراف عن الطريق السويِّ، أو الاندثار مع الثقافات الضعيفة التي لم تستطع الصمود أمام متغيرات الحياة، أو الذوبان في غيرها من الثقافات الأخرى. إن هذه المصادر تشكل دعامة قوية في تأصيل "الفهم الصحيح لكتاب الله - عز وجل - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والتفقُّه في الدين، واستيعاب التاريخ الإسلامي، وحل المشكلات المعاصرة للمجتمع الإسلامي، من خلال تحكيم شرع الله - تبارك وتعالى - تحكيماً كاملاً من غير تأويل تمليه الأهواء، أو تحمل عليه نزعة الانهزام الفكري والنفسي أمام التيارات المعادية. ولا تتحقق هذه الأصالة إلا بالإحاطة الشاملة بالإسلام عقيدة وعبادة وتشريعاً وخلقاً" [25، ص111-112]. لقد ارتبطت الثقافة الإسلامية بكلمات الله وحده غير محرفة، ولا مبدلة، ولا مخلوطة بأوهام البشر، وأغلاطهم، وانحرافاتهم، فهي تعتمد على كتاب الله الموحى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومحصورة فيه، وبعيدة كل البعد عن الفكر الفلسفي الإنساني، وكتاب الله مصدر يتسِم بالصدق والصحة، قد تكفل الله فحفظه كما قال - تعالى -: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] وعلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وقد قيَّض الله من يميز صحيحها من ضعيفها، ويبيِّن ما أُلحِق بها كذباً بحيث أصبحت معلومة، ومحصورة، ومتناولة بين العلماء الثقات، بخلاف الثقافات الأخرى المرتبطة بأديان إلهية ذات مصادر محرفة، أو وضعية لا يعرف لها أصل؛ وحقيقة مصدرها فكر البشر؛ سواء من أصل الوضع كالبوذية، أو بعد التبديل والتحريف كاليهودية والنصرانية التي لم تبق ثقة بربانية مصدرها بسبب ما طرأ عليها من تحريف غيَّر حقيقتها، وأزال قداستها [26، ص35]. وقيام الثقافة الإسلامية على مصادر صحيحة جعلها تختلف عن الثقافات الغربية والشرقية الحديثة التي قامت حضارتها وثقافاتها على بقية من دين محرف، أو فلسفة إلحادية تنكر وجود الله - تعالى - أو من فلسفة وضعية كالفلسفة اليونانية والرومانية، أو على تصور علماني يتجاهل دور الدين، ويعزله في جزء يسير من أمور الحياة، مما جعل هذه الثقافات معرَّضة للتغير، والتناقض، والانحسار [27، ص84]. وبهذا يتبين أن الثقافة الإسلامية وحدها ربانية المصدر، تستمد عناصرها من تعاليم القرآن والسنة المطهرة، سواء كانت عناصرها مما لا عمل للعقل البشري فيها سوى التلقي، والفهم، والتطبيق كأساسيات الدين التصورية، والأحكام التعبدية، والمقدرات، وأصول المعاملات، أم كانت مما للعقل مجال فيه بالاجتهاد والنظر لاستنباط أحكام عملية يحتاج إليها الإنسان مما لم يأت في النصوص له أحكام جلية [28، ص30]. كما أن الثقافة الإسلامية تعتمد على عقيدة صحيحة، هي محور ارتكازها، وقاعدتها الصلبة، منها تستمد شخصيتها، ومكوناتها، ومقوماتها، ومجالاتها، واتجاهها، وهذه العقيدة مبنية على أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقضاء: خيره وشره، وقد ارتبطت بهذه العقيدة ارتباطاً تاماً، وجعلتها محوراً رئيساً تنبثق منها تصوراتها وأحكامها، وقد انفردت عن غيرها من الثقافات بهذه الميزة التي ساهمت في التأكيد على ذاتيتها واستقلالها نظراً لصحتها ووضوحها ويقينيتها، وقدرتها على تفسير الحقائق الوجودية تفسيراً صادقاً، لا غموض فيه، ولا لبس، ولا مغالاة، ولا مجافاة للواقع [29، ص39]. إن ارتباط الثقافة الإسلامية بالعقيدة أثمر آثاراً منفردة لا تثمرها أي ثقافة أخرى، فقد نشأت في قلب الإنسان المسلم وعقله حالة من الانضباط لا تتأرجح معها المفاهيم، ولا تهتزُّ معها القيم، ولا يتميَّع فيها التصور ولا السلوك، فالذي يتصور ألوهية الله - تعالى - ويدرك حدود عبوديته يتحدد اتجاهه، ويتحدد سلوكه، ويعرف على وجه الدقة: من هو؟ وما غاية وجوده؟ وما حدود سلطانه؟ ويدرك حقيقة هذا الكون، وحقيقة قوة الله وقدرته، ومن ثَمَّ يتصور الأشياء، ويتعامل معها في حدود مضبوطة، ينشأ عنها انضباط في طبيعة العقل وموازينه، وانضباط في طبيعة القلب وقيمه، وانضباط في التعامل مع سنن الله بعد ذلك، والتلقي عن هذه العقيدة يزيد هذا الانضباط، ويحكمه، ويقويه [30، ص228]. وظيفة الثقافة الإسلامية في بناء الهوية الوطنية تضطلع الثقافة الإسلامية بوظيفة مؤثرة ورائدة في بناء الهوية الوطنية، وصياغتها وَفق تعاليم الإسلام، وقيمه السامية، تتضح في المحاور التالية: 1- المحافظة على سمات شخصية الأمة الإسلامية من الضياع، أو التلاشي والاندثار، ذلك أن أي ثقافة من الثقافات تتفرد بسمات خاصة تميزها عن غيرها، وتنتمي إلى أمة معينة ذات مبادئ وقيم وتصورات خاصة بها، فكما أن الإنسان ينتمي إلى أسرة أو جماعة أو وطن فكذلك الثقافة، كما أن الوطن الإسلامي هو المكان الذي تمتد فيه هذه الأمة بشعوبها المختلفة، وتمارس فيه شعائرها، وقيمها، ومبادئها الإسلامية. وإذا كان الوطن الإسلامي قد تعرض لغزو الثقافة الغربية أيام الاستعمار السياسي، ولا يزال يتعرض لموجات من التغريب عن طريق وسائل الإعلام والاقتصاد، وما يعرف بـ(العولمة) - فإن الثقافة الإسلامية تؤدي وظيفة الوقاية من ضرر هذا الغزو، وتعمل على تحصين الوطن الإسلامي من أثر عملية الإحلال الثقافي الغربي التي تمارس في المجتمعات الإسلامية. 2- العمل على توحيد شعوب الوطن الإسلامي ودوله من الناحية الفكرية، فوجود ثقافة إسلامية مشتركة يلتقي عليها المسلمون، ويشبُّ عليها الشباب المسلم سيقيها من حالة التمزق الفكري والتشتت الثقافي، ويخلِّصها من حالة الضياع والعيش بدون شخصية وفكر موحد [31، ص10]، وسيعينها على ظهور أهداف واهتمامات وتصورات مشتركة ستسهم في نسج وحدة من التكوين الداخلي بين أبناء الأمة الإسلامية، وفي توحيدهم على نماذجها البشرية وقيمها، وجمعهم على الالتزام بمصير الأمة التضامني الواحد [32، ص68]. 3- الإسهام في تشكيل البعد النفسي للفرد داخل الوطن الإسلامي، وتكوين الشعور بالأمان النفسي؛ لأن الثقافة الإسلامية أكثر العلوم اتصالاً بكرامة الإنسان، وأعمقها تأكيداً لذاته، وهذا يتحقق من خلال تأكيدها على الأطر والأنساق والنظم والقيم المستمدة من الوحي، وعنايتها بها؛ نظراً لأنه ينشأ من الالتزام بها واحترامها بشكل جماعي اطمئنانٌ ذاتيٌّ للفرد المسلم، وارتياح داخلي، فهي تُكسِب الفرد شعوراً بالتضامن والتعاون، وتحقق له إحساساً بروح الانتماء إلى جماعة المسلمين الواحدة [32، ص68-69]، ويتم معرفة أهمية البعد النفسي الذي يشكله هذا العلم عند تصور أن المسلم الذي يعيش في مجتمع غير مسلم يشعر بالغربة في أطر تفكيره ونظم حياته، وبالخوف على قيمة ومحارمه وكرامته من أن تنتهك أو يُتَعدَّى عليها، وبالتوجس الداخلي من كل شيء، إن هذا يعود إلى فقده للرباط الذي يربطه بالثقافة السائدة في وطنه المسلم. 4- الوقوف في مواجهة الأخطار الفكرية التي يتعرض لها الوطن الإسلامي ممثَّلة في الدراسات (الاستشراقية) التي تستهدف تشويه صورة الإسلام في نفوس المسلمين، وزعزعة ثقتهم بمصادر دينهم، وتشكيكهم بمبادئ الإسلام وعقائده وقيمه وتاريخه، وفي التنصير الذي يسعى إلى تحويل المسلمين عن دينهم، ونشر الإلحاد والنصرانية في بلاد المسلمين، أو في التغريب الذي يعمل على صياغة المجتمعات الإسلامية صياغة غربية تحاكي حياة المجتمع الغربي في العادات والتقاليد ونظم الحياة. إن مواجهة هذه الأخطار التي تحدِق بالأمة الإسلامية تحصل عن طريق تحصين أبناء الأمة المسلمين من التأثر بهذه الأفكار، ووقايتهم من أضرارها، ونقد الدراسات (الاستشراقية) المعادية، وبيان مغالطتها للحقيقة، وتعمُّدها للتشويه والكذب، وإيقاف حركة التنصير، وذلك عن طريق مضاعفة الجهد في الدعوة إلى الله - تعالى - ومنع المنصِّرين من الدعوة إلى دينهم في بلاد المسلمين، وتحقيق قدر من الوعي بأهداف (العولمة)، وأخطارها على مكتسبات الأمة. 5- تعميق روح الانتماء إلى الإسلام، وربط المسلمين بدينهم القيِّم، وتاريخهم المجيد، وحضارتهم العظيمة، وتوثيق الصلات العَقَدية والفكرية بينهم مهما تباعدت بلدانهم، أو اختلفت أعراقهم ولغاتهم، وبناء الشعور بالأُخوة المبنية على الإيمان، والنصرة في الدين في نفوس المسلمين بحيث يُحِسُّ بعضهم بآلام بعض، ويفرحون بفرحهم، ويرتبط المسلم بأخيه برباط فكري واحد، يوحِّد مشاعرهم وأحاسيسهم؛ بل وتصوراتهم، ونظرتهم إلى الحياة، ومواقفهم من متغيراتها. إن ثقافة تقوم بهذه الوظيفة جديرة بأن يَعتزَّ بها أبناؤها المنتمون إليها، وذلك لسمو أهدافها ومضامينها ومناهجها، فهي ثقافة دين ختم الله به الرسالات، ورضيه لعباده، كما قال - تعالى -: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة: 3]، أحل الله به الطيبات، وحرم به الخبائث، ورفع به الحرج الذي كان على الأمم السابقة، قال - تعالى - في وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157]، وأصبحت الثقافة بالإسلام ثقافة عالمية، وليست ثقافة أمة عنصرية منغلقة على نفسها كبني إسرائيل، وثقافة هداية للبشرية تخاطب العقل، وتهديه للتي هي أقوم، وليس ثقافة ضلال وجهالة، فعلى المسلم أن يتمسك بهذا الدين، ويعتز به كما قال - تعالى -: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 44،43]، ومعنى: {ذِكْرٌ لَكَ} أي: شرف لك، وفخر لكل من يدين به [33، ص49-51]. الثقافة الإسلامية وتعدد الثقافات على الرغم من كون الثقافة الإسلامية تمثل هوية الأمة الإسلامية، وتضطلع بوظيفة حمايتها من التلاشي، أو الذوبان في غيرها إلا أنها واقعية في نظرتها إلى الثقافات، فهي ترى أنها متولدة عن سنة الاختلاف بين بني البشر، كما قال - تعالى -: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118-119]؛ إذ الاختلاف والتغيير سنة من سنن الله - تعالى - في المجتمعات؛ يقول ابن خلدون: "وأحوال الأمم؛ عوائدهم، ونحلهم لا تدوم على حال واحدة، وإنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص يكون في الأوقات والأمصار؛ فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول" [34، ص29]؛ ومادام الأمر كذلك فلابد إذا من استصحاب هذه الحقيقة الواقعية، ومراعاتها في مجال التعامل مع الثقافات الأخرى. والثقافة الإسلامية كذلك على وعي تام بالثقافات الأخرى، وهذا يعود إلى كونها ثقافة إنسانية تحترم الإنسان وتكرمه، وتَحتفل بالمثل العليا، والوحدة الإنسانية، وتُعنى بالاتصال بالشعوب ومحاروتها على أساس من العلم والحق، وتهتم بمخاطبة الثقافات الأخرى على أساس من الاحترام المتبادل، كما أنها تشاركها في حماية القيم وإرساء المبادئ الإنسانية، فهي ثقافة ذات نزعة إنسانية واضحة في كل جانب من جوانبها، ولا أدل على ذلك من مكاتبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لملوك وأمراء عصره، وحضوره حلف الفضول لنصرة المظلومين، فقد روي عنه أنه قال: ((لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفاً ما أحِب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت)) [35، ج1، ص155]؛ أي: لو دعي إليه من غير المسلمين لأجاب مادام محقِّقاً للعدل والإنصاف لبني الإنسان؛ لذا جاءت الشريعة راعية للقيم والمثل العليا، كما قال ابن القيم: "إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم، ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه" [36، ج1، ص3]. إن هذه السمة المميزة للثقافة الإسلامية في وحدة العقيدة تطبع كل الأسس والنظم التي جاءت بها حضارتنا، فهناك الوحدة في الرسالة، والوحدة في التشريع، والوحدة في الأهداف، والوحدة في الكيان الإنساني العام، والوحدة في وسائل المعيشة وطراز التفكير؛ حتى إن الباحثين في الفنون الإسلامية قد لحظوا وحدة الأسلوب والذوق بأنواعها المختلفة: فقطعة من العاج الأندلسي، وأخرى من النسيج المصري، وثالثة من الخزف الشامي، ورابعة من المعادن الإيرانية تبدو رغم تنوعها وزخرفتها ذات أسلوب واحد، وطابع واحد - فلا عجب في أن تكون الثقافة الإسلامية من بين الثقافات إنسانية النزعة والهدف، عالمية الأفق والرسالة، فالقرآن أعلن وحدة النوع الإنساني رغم تنوع أعراقه ومنابته ومواطنه في قوله – تعالى -: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] أعلن هذه الوحدة الإنسانية العالمية على صعيد الحق والخير والكرامة، وجعل حضارته عِقداً تنتظم فيه جميع عبقريات الشعوب والأمم التي خفقت فوقها رايات الفتوحات الإسلامية؛ ولذلك كانت كل حضارة تستطيع أن تفاخر بالعباقرة من أبناء جنس واحد وأمة واحدة؛ إلا الحضارة الإسلامية فإنها تفاخر بالعباقرة الذين أقاموا وحدتها من جميع الأمم والشعوب" [37، ص31]. إذا كان المعنى الإنساني واضحاً في الثقافة الإسلامية فإن الثقافات الوطنية عامة تعاني من فقدان هذا المعنى، مما حَمَل الباحث الأمريكي ريتشارد ماك كوين - مستشار وفد الولايات المتحدة في الدورات: الأولى والثانية والثالثة للمؤتمر العام لـ(اليونسكو) - "على الدعوة إلى إنشاء نظام إيجابي عالمي يلبي مطامح الشعوب، مشيراً إلى أن على هذا النظام أن يُعدِّل طبائع الشعوب وأوضاعها وعاداتها، مستنداً في ذلك إلى المكتسبات العقلية والخلقية ومبتكرات الأفراد في الإطار العالمي طبعاً في ميدان الفكر والعمل والتعبير" [25، ص94]، وفي هذا السياق صدر عن مجموعة الخبراء المجتمعين بدعوة من (اليونسكو) لدراسة المشكلات الناشئة عن الاتصالات والعلاقات بين الحضارات في العالم - بيان جاء في ختامه ما يلي: "إن مشكلة التفاهم الدولي هي مشكلة علاقات بين الثقافات؛ فمن هذه العلاقات بين الثقافات يجب أن ينبثق مجتمع عالمي جديد قوامه التفاهم والاحترام المتبادل، وهذا المجتمع يجب أن يأخذ صورة نزعة إنسانية جديدة، يتحقق فيها الشمول، بالاعتراف بقيم مشتركة تحت شعار تنوع الثقافات" [38، ص423]. وإذا كانت الثقافة الإسلامية تأخذ بمبدأ التفاهم مع الثقافات الأخرى والاحترام المتبادل بينها فإنها في الوقت نفسه لا تأخذ بفكرة التعايش مع الثقافات التي تستهدف كسر الحواجز المانعة من تأثيرها لغرض إحلال ثقافتها مكانها وتوطينها [39، ص24]، لكنها لا تمانع من تفاعل الثقافات، وتقاربها في الجوانب العلمية والتطبيقية والحضارية، على أن يكون ذلك مبنياً على الاحترام المتبادل في جو سلمي بعيد عن الروح العدائية، والتعصب ضد الثقافات الأخرى، وعن احتكار المعلومات، والتقنيات الحديثة، وتوظيفها في سياق من أجل هيمنة ثقافة على أخرى. إن محافظة كل أمة على ثقافتها لا ينافي قبول تَعدُّديَّة الثقافات، وإن رفض التعايش الثقافي المؤدي إلى إلغاء الهوية الثقافية لكل أمة لا يعني الأخذ بأحادية الثقافة؛ وإنما الأحادية الخطيرة تكمن في سلوك منهج إلغاء الثقافات الأخرى وإنكارها، وفرض ثقافة معينة عليها، هذا المنهج مارسته الثقافة الغربية ضد الثقافات الأخرى؛ فقد ميزت بين الشعوب، وألَّبتْ المذهبيات والأديان بعضها على بعض، كما مارست هذا المنهج مع الثقافة الإسلامية بشكل خاص مدة الاستعمار؛ حيث نقلت الدول الاستعمارية أنظمتها السياسية، والاقتصادية، ومذاهبها الفكرية، والاجتماعية إلى الوطن الإسلامي، وفرضتها على الشعوب الإسلامية على سبيل القسر والإلزام، واستخدمت ما أوتيت من قوة لتغيير هُوية الأمة الإسلامية، وتغريبها غير عابئة بتاريخها، ومصادرها، ومدارسها الفكرية، وخصوصيات مجتمعاتها، وعقيدتهم، وقيمهم، ومبادئهم، ولا يزال هذا المنهج مسيطراً على الثقافة الغربية على الرغم مما يعرف عنها من أنها (ديموقراطية) في منهجها، عقلانية في تفكيرها وتعاملها، تؤمن بالتعددية، والاختلاف، والتنوع بين الحضارات الإنسانية، ولعل الواقع الحالي المتجِه نحو فرض الثقافة الغربية عن طريق (العولمة) أكبر شاهد على ذلك، وهو ما يمكن رصده في السياسة الغربية الحالية التي تعمل على المحافظة على عقلية التمركز الغربي، وإقصاء الآخر، ولعل عقدة التخوُّف من "الانتقام مما فعلته الحضارة الغربية بالحضارات والثقافات التي أخضعتها لهيمنتها، وهي ما اعترف بها (البروفيسور) صموئيل هنتجتون عندما قال: "ابتداء من سنة 1500م بدأت التوسع الضخم للغرب مع جميع الحضارات الأخرى، وقد تمكن الغرب أثناء ذلك من الهيمنة على أغلب الحضارات، وإخضاعها لسلطته الاستعمارية، وفي بعض الحالات دمَّر الغرب تلك الحضارات" [40، ص21] المتعايشة فيما بينها دون أن تعتدي حضارة على خصوصيات الأخرى"، فلعل هذه العقدة هي التي دفعت الثقافة الغربية إلى الاستمرار على هذا المنهج المتطرِّف أحادي الثقافة. وإذا كنا في سياق الحديث عن الثقافة الإسلامية فإنها ثقافة اختلفت كثيراً عن غيرها في موقفها من الثقافات الأخرى؛ فقد اعترفت بثقافات الأديان التي كانت موجودة داخل الوطن الإسلامي، ومنحت أصحابها حرية الممارسة، واحترمت مقدساتهم ومصادرهم الدينية والفكرية، فقد أقر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى المدينة، وتأسيسه لدعائم الدولة الإسلامية - لليهود الذين كانوا يعيشون في المدينة حقهم في ممارسة دينهم، ففي المعاهدة التي عقدها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين أهل يثرب من المسلمين واليهود، التي تعد أول دستور مكتوب للدولة الإسلامية التنصيص على أن: ((لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم)) [41، ج2، 121]، كما أن العهد الذي كتبه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لأهل إيلياء دليل على أن إقرار الإسلام للأديان الأخرى، واحترام معقتداتها وما ينشأ عنها من قيم ومبادئ – موقف ثابت في تاريخ المسلمين، فكان مما جاء في عهد عمر - رضي الله عنه -: "هذا ما أعطى عمرُ أميرُ المؤمنين أهلَ إيلياء من الأمان؛ أعطاهم أماناً لأنفسهم، ولكنائسهم، وصلبانهم. لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا يُنتقَض منها ولا من حِيَزها، ولا من صُلُبهم، لا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم" [42، ج4، ص158]، وحاور المسلمون أتباع هذه الأديان بالتي هي أحسن دون إكراه يحمل أحداً على الانسلاخ من ثقافته، أو مصادرة آرائه؛ وإنما حوار منفتح، ومقنع على أساس: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [البقرة: 111] يمكِّن الأمة من القيام بواجب الشهادة على الناس التي جعلها الله وظيفة من وظائفها في علاقتها بغيرها، وتواصلها مع الآخرين، قال - تعالى -: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: 143]. إن الثقافة الإسلامية تمتلك خطاباً وسطياً بعيداً عن الغلوِّ، والتفريط، والتنفير في الأسلوب والمضمون، تستمدُّه من وصايا الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ وأبي موسى - رضي الله عنهما - لمّا بعثهما إلى أهل اليمن، وكانوا أهل كتاب: ((يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّراً ولا تنفِّراً)) [43، ج5، ص107]، وتسعى أيضاً إلى تأليف القلوب، والابتعاد عن كل ما يؤجج مشاعر العداء لدى الآخر، والعمل على تضييق دائرة الخلاف معه تجنباً لكل ما يؤدي إلى القطيعة والسباب، ففي الحديث عن أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - قالت: "أتتني أمي راغبة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: أأصلها؟ قال: ((نعم)). قال ابن عيينة: فأنزل الله - عز وجل - فيها: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8]"، وقال - تعالى -: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}" [الأنعام: 108]. قال القرطبي في تفسير الآية: "نهى – سبحانه - المؤمنين أن يسبُّوا أوثانهم؛ لأنه علم إذا سبوها نَفَر الكفار، وازدادوا كفراً" [44، ج7، ص61]، كما ترعى الثقافة الإسلامية في تعاملها مع الآخرين منهج العدل، والإنصاف في جميع الأحوال [45، ص13-15] عملاً بأمر الله - تعالى - للمؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]. وفي الجملة فإن توخي النزاهة والموضوعية والاحترام في قضايا الاختلاف، والتعدد الثقافي، والتمايز الحضاري، والنظرة العادلة إلى كل الثقافات التي تعطي كلَّ ذي حق حقَّه - سيعزز مستقبل الإنسانية بالوئام والتعايش الممكن؛ بدلاً من التنافس والصدام المهلك للشعوب، المكرس للكراهية بينها [40، ص123]، وسيتيح مجالاً رَحْباً للحوار بين الشعوب، وسيمنح الآراء الصائبة الظرف المناسب لإقناع الآخرين، والانتفاع بها دون حاجة إلى إكراههم على قبولهم، ومن ثَمَّ سيجعل ثقافتها ظاهرة على الثقافات الأخرى، ذلك أن الثقافة الأقوى التي تمتلك العلم والحق والإقناع لا تخشى على نفسها من السقوط أو الانهزام. يتبع عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ] |
| الساعة الآن 07:37 AM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
استضافة وبرمجة