منتدى روضة القرآن

منتدى روضة القرآن (http://rawdatelquran.com/vb/index.php)
-   عامة________مواضيع عامة في كل المجالات __________ عامة (http://rawdatelquran.com/vb/forumdisplay.php?f=372)
-   -   التورق وتطبيقاته المصرفية المعاصرة في الفقه الإسلامي (http://rawdatelquran.com/vb/showthread.php?t=294557)

ربيع الفردوس الاعلى و روضة القران 23rd May 2016 04:11 PM

التورق وتطبيقاته المصرفية المعاصرة في الفقه الإسلامي
 
التورق وتطبيقاته المصرفية المعاصرة في الفقه الإسلامي


د. محمد الجندي








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

























وبعد:






فقد أضحتِ المصارف الإسلامية علاَمةً بارزة من علامات العصر، وسمةً مميزة للنشاط الاقتصادي الطاهر، وما زالت الدراسات النظرية والمؤسسات العلمية تُعنى بشؤون الأمة الإسلامية ونهضتها اقتصاديًّا واجتماعيًّا.













ولقد أعطى المسلمون ثقتَهم للمصارف الإسلامية، وتزاحموا على أبوابها؛ للإعراب عن التقدير والولاء، وللحث على المزيد من الشرعية والطهارة لهذا الصرح المهم من أساسيات الدولة.













وفي الوقت الحاضر، انتشرتْ في المصارف الإسلامية معاملاتٌ معتمدة على صيغة التورق، وقد تعاظَمَ مقدار التورق في المصارف، حتى صار - بلا منازع - الصيغةَ الأساس - من ناحية الحجم - للعمل المصرفي الإسلامي في بعض البلدان، ويحاول هذا البحث دراسةَ التورق من الناحية الفقهية، مع عرض للتطبيقات المصرفية المعاصرة، وعما إذا كانت موافقة للشرع الإسلامي.













وقد جاء هذا البحث في مبحثين:






تضمن المبحث الأول الكشفَ عن حقيقة التورق، ثم ذكرتُ فيه الحكم الشرعي للتورق، أما المبحث الثاني، فقد عرضت فيه التطبيق المصرفي المعاصر للتورق، ثم قمت باستنباط حكمه الشرعي.













المبحث الأول: حقيقة التورق وحكمه






المطلب الأول: حقيقة التورق






التورُّق: طلب الورِق، وهي الفضة والدراهم، ومثله في الطلب التفقُّه، والتعلُّم، والترفُّق، قال في "تاج العروس": الورق: الدراهم المضروبة كما في "الصحاح"، وقال أبو عبيدة: الوَرق: الفضةُ، كانت مضروبةً كالدراهم أو لا[1].













ومن ذلك قوله - تعالى -: ï´؟ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلى المَدِينَةِ ï´¾ [الكهف: 19].













قال ابن كثير: "أي: فضَّتكم هذه، وذلك أنهم كانوا استصحبوا معهم دراهمَ من منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها، وتبقَّى منها"[2].













فأصل التورُّق طلبُ النقود من الفضة، ثم تحوَّل المفهوم إلى طلب النَّقد، سواءٌ أكان فضةً، أم كان ذهبًا، أم كان عملةً ورقية، فبقِي أصل اللفظ، وصار التوسُّع في مدلوله تبعًا للتوسع في مفهوم النقد.













تعريف التورُّق شرعًا:






لم يذكُر الفقهاء تعريفًا للتورق، وإن كان هذا المصطلحُ قد شاع عند الحنابلةِ دونَ غيرهم من أهل العلم، ومرادُهم به: "أن يشتريَ المرء السلعة نسيئةً، ثم يبيعَها نقدًا لغير البائع بأقلَّ مما اشتراها به؛ ليحصل بذلك على النقد"[3].













مثالُ ذلك: أن يشتري سلعة بثمن مؤجَّل، ثم يبيعَها لآخر نقدًا، ويحصل على ثمنها الحال؛ لحاجته إلى النقود اليوم.













والأشهر أن تسمى هذه المعاملةُ زرنقةً، قال في "الزاهر": "وأما الزرنقة، فهو أن يشتريَ الرجل سلعة بثمن إلى أجل، ثم يبيعَها من غير بائعها بالنقد، وهو جائز عند جميع الفقهاء"[4]. وقال في "الفائق": "الزرنقة: العِينة، وهي أن يبيع الرجل شيئًا بأكثرَ من ثمنه سلفًا"[5].













وفي "النهاية": "الزرنقة وهي العِينة، وذلك بأن يشتريَ الشيء بأكثرَ من ثمنه إلى أجل، ثم يبيعَه منه أو من غيره بأقلَّ مما اشتراه"[6].













التورق والعينة:






للعِينة في كلام الفقهاء معانٍ كثيرةٌ، فهي قد تعني البيعَ بثمن مؤجَّل، كقول صاحب "المغني": وقد روي عن أحمد أنه قال: "العِينة: أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة"، وقال: "أكره للرجل ألاَّ يكون له تجارة غيرَ العينة لا يبيع بنقد"[7].













ومن معانيها: بيعُ ما لا يملك الإنسان، كقول ابن رشدٍ الحفيدِ: "وقد يدخل في هذا البابِ إجماعُ الفقهاء على منْع بيع الرجل شيئًا لا يملكه، وهو المسمى عينة"[8]، وقد يسمى التورق نفسُه عينةً، كقول السرخسي: "وصورة العِينة أن يشتري عينًا بالنسيئة بأكثر من قيمته ليبيعَه بقيمته بالنقد، فيحصل على المال"[9]، وقال في "لسان العرب": "والعَيْن والعِينة: الربا، وعيَّن التاجر: أخذ بالعينة أو أعطى بها، والعينة: السلف"، وغير ذلك من المعاني.













لكن معناها في لغة أكثرِ الفقهاء، إنما تقع إذا باع لرجل سلعةً بثمن معلوم، إلى أجل معلوم، ثم اشتراها منه بأقلَّ من الثمن الذي باعها به، وقد يسمي البعضُ هذه الصيغة "العينة القبيحة"؛ للتفريق بينها وبين سائر المعاني.













فالعينة تفترق عن التورُّق في أنها تقع بين طرفين: بائع ومشترٍ، يبيع للبائع الأول، متواطئينِ على عقدَين: بيع عاجل، وآخرَ آجلٍ في صفقة واحدة.













أما التورق، فهو عقدان منفصلان، فيهما ثلاثة أطراف، عقد بيع آجل وآخر ناجز، يقول ابن القيم - رحمه الله - في التفريق بينهما: "إن أعاد السلعة إلى بائعها، فهي العينة، وإن باعها لغيره، فهي التورق"[10].













وقال الزرعي في "حاشية ابن القيم": "فإن قيل: فما تقولون إذا لم تعُد السلعة إليه؛ بل رجعت إلى ثالث، هل تسمون ذلك عينةً؟ قيل: هذه مسألة التورق؛ لأن المقصود الورق"[11].













جمهور الفقهاء على منع العينة؛ لأنها حيلة إلى القرض بزيادة، والشافعية على جوازها، قال النووي في "روضة الطالبين": "فصل: ليس من المناهي بيع العينة... وهي أن يبيع غيرَه شيئًا بثمن مؤجَّل، ويسلمه إليه، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بأقلَّ من ذلك الثمن نقدًا"[12]، وفي "المجموع" عن الرافعي: "لأن الاعتبار عندنا بظاهر العقود، لا بما ينويه العاقدان؛ ولهذا يصحُّ بيعُ العينة"[13].













تاريخ التورق:






عرَف المسلمون التورق - وإن لم يسمَّ بهذا الاسم - منذُ القديم، فقد ورد في "الفائق": "وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تأخذ الزرنقة، وعن عبدالله بن المبارك - رحمه الله - قال: "لا بأس بالزرنقة"[14]، وفي "غريب الحديث" للخطابي: "قال أبو سليمان في حديث علي أنه قال: لا أدعُ الحجَّ ولو أن أتزرنق... ويُروى عن عائشة أنها كانت تأخذ الزرنقة"[15]، وعن الأزهري: "وروِي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كنت تأخذ من معاوية عطاءها عشرة آلاف درهم، وتأخذ الزرنقة مع ذلك، وهي العينة الجائزة"[16]، كما نُسِب لعمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - كلامٌ في التورق، مما يدلُّ على أنه كان معروفًا في زمنه[17].













المطلب الثاني: حكم التورق






عرض آراء المذاهب:






ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، إلى جواز التورق، وحُكي عن ابن المبارك أنه قال: "لا بأسَ بالزرنقة"[18]، ونقِل عن إياس بن معاوية أنه رخَّص في التورق[19]، وذكر أبو منصور الأزهري أنه جائز عند جميع الفقهاء، ثم قال: "وروِي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تأخذ من معاوية عطاءها عشرة آلاف درهم، وتأخذ الزرنقة مع ذلك، وهي العينة الجائزة"[20].













وخالف في ذلك ابنُ تيمية، وذهب إلى كراهة التورق[21]، وهي رواية عن أحمد[22]، وحُكي عنه أنه اختار حرمته[23]، وهي رواية عن أحمد أيضًا، وقد ارتضى ابن القيم مذهبَ شيخه بحظْر التورق، وأنه منهي عنه مذموم[24]، وروي عن عمر بن عبدالعزيز أنه قال: "التورق آخِيَةُ الربا"[25]؛ أي: أصله[26].













وبيان مذاهب الفقهاء في هذه المسألة كما يلي:






أولاً: مذهب الحنفية:






أجاز فقهاء الحنفية التورقَ، وذكروه ضمن حديثهم عن العِينة، يؤكد ذلك:






أ- قال الزيلعي - في معرض كلامه عن العينة وشروط فسادها -: وشرطنا أن يكون الشراء من مشتريه أو من وارثه، أنه لو باعه المشتري من رجل، أو وهبه لرجل، أو أوصى لرجل، ثم اشتراه البائع الأول من ذلك الرجل، يجوز؛ لأن اختلاف سبب الملك كاختلاف العين"[27]، وقد نقل خاتمة المحققين في مذهب الحنفية ابنُ عابدين في حاشيته "رد المحتار" كلامَ الزيلعي وارتضاه[28].













ب- وجاء في "شرح العناية على الهداية" في نفس المعرض: "بخلاف ما إذا باعه من غيره؛ لأن الربح لا يحصل للبائع، وبخلاف ما إذا اشتراه البائع بواسطة مشترٍ آخرَ؛ لأنه لم يعد إليه المستفاد من جهته، لأن اختلاف الأسباب بمنزلة اختلاف الأعيان"[29].













ج- وقال الكاساني: إذا باع رجل شيئًا نقدًا أو نسيئةً، وقبضه المشتري، ولم ينقد ثمنه، لا يجوز لبائعه أن يشتريَه من مشتريه بأقل من ثمنه الذي باعه منه عندنا... ولو خرج المبيع من ملك المشتري، فاشتراه البائع من المالك الثاني بأقلَّ مما باعه قبل نقد الثمن، جاز؛ لأن اختلاف سبب الملك بمنزلة اختلاف العين، فيمنع تحقيق الربا"[30].













وعلى ذلك، فنصوص الحنفية في مدوناتهم المعتمدة صريحةٌ في جواز التورق؛ لأن الربح فيه لا يحصل للبائع الأول، فقد نصُّوا على صورته وأجازوه، وإن لم يسموه تورقًا - وهو المقصود - بل إنها صريحة أيضًا في أن من باع سلعة بثمن مؤجل، فباعها المشتري من شخص ثالث، ثم اشتراها البائع الأول من الشخص الثالث بثمن معجَّلٍ أقلَّ مما باعها به قبل نقد الثمن من المشتري الأول، فذلك جائز شرعًا؛ لانتفاء الذريعة إلى الربا في ذلك، ولا يُنفى أن جواز هذه الصورة مبني على جواز التورق في مذهبهم.













ثانيًا: مذهب المالكية:






لم ينصَّ المالكية صراحةً على حكم مسألة التورق، ولم يذكروا صورتها المعروفة على التحديد في مدوناتهم، غير أن نصوصهم المتكاثرة في مسألة "بيوع الآجال" - وهي أن من باع سلعة بثمن مؤجل، فلا يجوز له أن يشتريَها من المبتاع بثمن معجَّل أقلَّ مما باعها به - تفيد جوازُه، حيث إنها قيَّدت الحظْر والتحريم - أو شرطت لثبوته - أن يكون البائع الأول هو المبتاعَ، وعلَّلت المنع بأيلولة هاتين البيعتين المتقابلتين وإفضائهما إلى أن يُقرض شخصٌ آخرَ مبلغًا من المال ليستوفيَ منه أكثرَ من ذلك المبلغِ عند حلول الأجل؛ نظرًا لرجوع السلعة إلى بائعها الأول، وهذا القيد، أو الشرط، أو المعنى غيرُ متحقق في مسألة بيوع الآجال.













بيان:






يجوز بيع السلعة من غير بائعها مطلقًا[31]؛ أي: حتى لو كان البيع بثمن معجل أقلَّ مما اشتراها به نسيئةً، ما دام أنه لغير البائع الأول، وهي مسألة التورق.













ويؤكد ما بيَّنتُه النصوصُ الفقهيةُ الآتية:






أ- قال أبو عمران الفارسي الصنهاجيُّ في كتاب "النظائر في الفقه" فيمن باع سلعة بثمن إلى أجل، ثم ابتعاها من فورِه بثمن أقلَّ منه نقدًا من المبتاع منه: "إن البيع الثانيَ باطل؛ لأنه ذريعة إلى الربا، وكأن السلعةَ لما رجعتْ إليه، كأنها لم تخرج قطُّ من يده، وإذا لم تخرج من يده، كان ذِكر البيع فيها ذريعةً إلى دفع قليل في كثير من نوعه إلى أجل، وهو الربا"، ثم قال: "ونحن نقول في قياس ذلك؛ لأنه بيع يتذرع به إلى الربا المحظور، لم يجز، كما لو قصد إليه، ولها شرائطُ، وهي أن يكون البائع الأول هو المبتاعَ، وأن يكون البيع الثاني قريبًا من الأول، وأن تكون السلعة واحدة، وأن يكون الثمن المدفوع أقلَّ لا أكثرَ من المتأخر، والعلة هي صورة الربا مع هذه الشرائط"[32].













فمقتضى الشرط الأول أن المبتاع إذا كان غيرَ البائع الأول، فلا حظرَ في ذلك، وهي مسألة التورق.













ب- وجاء في "الشرح الصغير" للدردير: "يمنع من البيوع ما أدَّى لممنوع يكثر قصدُه للمتبايعين، ولو لم يقصد بالفعل كسلفٍ بمنفعةٍ؛ أي: كبيعٍ أدَّى إلى ذلك، كبيعه سلعةً بعشرة لأجَلٍ، ثم يشتريها بخمسة نقدًا أو إلى أجلٍ أقلَّ، فقد آل الأمرُ إلى رجوع السلعة لربِّها، وقد دفع قليلاً وعاد إليه كثيرًا"[33]، وقال الصَّاوي في حاشيته عليه: "شروط بيوع الآجال: أن تكون البيعة الأولى لأجل، والمشتري ثانيًا هو البائعَ أولاً أو وكيلَه، والمباع ثانيًا هو المباعَ أولاً، والبائع الثاني هو المشتريَ أولاً أو وكيلَه، والثمن الثاني بصفة الثمن الأول، وتعجيل الثمن الثاني كلِّه أو تأجيل كلِّه"[34].













ج- وجاء في "المقدمات الممهدات" لابن رشدٍ: ومن الحكم بالذرائع: البيوعُ التي ظاهرُها الصحة، ويتوصل بها إلى استباحةِ الربا، وذلك مثل أن يبتاع الرجل سلعةً من رجل بمائة دينارٍ إلى أجَل، ثم يبتاعها بخمسين نقدًا، فيكونان قد توصَّلا بما أظهراه من البيع الصحيح إلى سلفِ خمسين دينارًا في مائةٍ إلى أجل، وذلك حرام لا يحلُّ ولا يجوز"[35]، فتحصَّل من ذلك كلِّه جوازُ التورُّق في مذهب المالكية.













ثالثًا: مذهب الشافعية:






ذهب الشافعية إلى جواز التورُّق[36]، وصرَّح بذلك أبو منصور الأزهريُّ في كتابه "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" الذي أودعه المزنيُّ في "مختصره"، فقال: "وأما الزرنقة، فهو أن يشتريَ الرجل سلعةً بثمن إلى أجل، ثم يبيعَها من غير بائعها بالنقد، وهذا جائز عند جميع الفقهاء"[37]، وهذا يفيد جواز التورق في مذهب الشافعي؛ لأن الأزهريَّ - مع إمامته في اللغة - كان رأسًا في الفقه على مذهب الإمام الشافعي كما ذكر مترجموه، ومنهم ابن السبكي الذي قال عنه في كتابه "طبقات الشافعية": "كان إمامًا في اللغة، بصيرًا بالفقه، عارفًا بالمذهب"[38]، ولا بدَّ أن يكون مراده بعبارة "جميع الفقهاء" سائرَ أهل العلم، أو جميعَ فقهاء الشافعية، وهو حُجة في النقل عنهم والعزو إليهم.













ويؤكد ذلك ويوضحه قولُ الإمام الشافعي في "الأم": فإذا اشترى الرجل من الرجل سلعةً، فقبَضَها وكان الثمن إلى أجل، فلا بأس أن يبتاعها من الذي اشتراها منه ومن غيره بنقد أقلَّ أو أكثرَ مما اشتراها به، أو بدينٍ كذلك، أو عرض من العروض، ساوى العرضُ ما شاء أن يساويَ، وليست البيعة الثانية من البيعة الأولى بسبيل، ألا ترى أنه كان للمشتري في البيعة الأولى إن كانت أمَةً أنه يصيبها، أو يهبها؛، أو يعتقها، أو يبيعها ممن شاء غير بيعة بأقل أو أكثر مما اشتراها به نسيئة؟ فإذا كان هكذا، فمن حرمها على الذي اشتراها؟! وكيف يتوهم أحد، وهذا إنما تملكها ملكًا جديدًا، وكيف إن جاز هذا على الذي باعها لا يجوز على أحد لو اشتراها؟[39].













رابعًا: مذاهب الحنابلة:






لقد نص الإمام أحمد على جواز التورق، وعلى ذلك أصحابه، وهو القول المعتمد في المذهب، وقد نص على جوازه ابنُ مفلح في "الفروع"، وبرهان الدين ابن مفلح في "المبدع"، وابن النجار الفتوحي في "معونة أولي النهى"، والبهوتي في "كشاف القناع"، و"شرح المنتهى"، والرحيباني في "مطالب أولي النهى"، وغيرهم[40].













جاء في "الإنصاف" للمرادوي: فائدةٌ: لو احتاج إلى نقدٍ، فاشترى ما يساوي مائةً بمائة وخمسين، فلا بأس، نص عليه، وهو المذهب وعليه الأصحاب، وهي مسألة التورق[41].













وبناءً على ذلك؛ نصَّت (م234) في مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد: "يصح التورق، وهو أن يشتري الشيء نسيئةً بأكثر من قيمته ليبيعه ويتوسع بثمنه".













أدلة المجيزين:






1- ذهب الجمهور إلى جواز التورق؛ لعموم قوله - تعالى -: ï´؟ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ï´¾ [البقرة: 275]، ووجه الاستدلال بذلك: أن الله - تعالى - أحلَّ جميع صور البيع، إلا ما دلَّ دليلٌ على تحريمه، حيث جاءت الآية الكريمة بلفظ العموم في كلمة "البَيْع": ï´؟ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ï´¾، والعموم في ذلك مستفادٌ من (الألف واللام) الدالة على استغراق جميع أنواع البيع وصِيَغه، إلا ما دلَّ الدليل على تخصيصه من العموم بتحريمٍ أو كراهةٍ.













والتورق من البيوع المشمولة بالعموم في الحِل، فيبقى على أصلِ الإباحة والحلِّ، وأنه نوع من البيوع المباحة بنص الآية الكريمة؛ إذْ لا دليل على تحريمه من نصٍّ صريح من كتاب الله - تعالى - ولا من سنة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولا من عمل الصحابة - رضي الله عنهم.













2- كما استدلوا على الإباحة والجواز بما في "الصحيحين" وغيرهما عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - استعمل رجلاً من خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أكلُّ تمرِ خيبرَ هكذا؟))، قال: لا والله يا رسول، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تفعلْ، بعِ الجَمْعَ بالدراهمِ، ثم ابتعْ بالدراهمِ جنيبًا))[42].













ووجه الاستدلال بهذا الحديث: إجازة هذا المخرج للابتعاد بواسطته عن حقيقة الربا وصورته، إلى طريقة ليس فيها قصد الربا ولا صورته، وإنما هي عقدُ بيع صحيح، مشتملٌ على تحقيق شروط البيع وأركانه، وانتفاء أسباب بطلانه أو فساده، ولم يكن قصد الحصول على التمر الجنيب، والأخذ بالمخرج إلى ذلك، مانعًا من اعتبار الإجراء الذي وجه إليه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فدل ذلك على جواز البيوع التي يتوصل بها إلى تحقيق المطالب والغايات في البيوع، إذا كانت بصيغة شرعية معتبرة، بعيدة عن صيغ الربا وصوره، ولو كان الغرض منها الحصول على السيولة للحاجة إليها.













3- عدم صحة قياس التورق على العِينة؛ وذلك لانتفاء علة تحريم العينة - وهي كونها ذريعةً إلى القرض الربوي - فيه؛ إذ في العينة عندما يسترجع البائع سلعته تكون كأنها لم تخرج من يده قطُّ، ويكون وجودها في البيع كعدمها، ويكون توسطها عبئًا، ويؤول الأمر إلى دفع مبلغ من المال لآخر في أكثر منه من نوعه إلى أجل، وهو ربا النسيئة.













أما في التورق، فإنه لا يحصل للبائع شيء؛ لأن السلعة لا تعود إليه أصلاً؛ بل تنتقل بعقد مستقلٍّ إلى مشترٍ جديد، لا علاقة لشرائه بالبيع الأول.













وعلى ذلك؛ يكون قياس البائع في مسألة التورق، على المقرض بالربا حيلة في العينة - قياسًا مع الفارق، ولا وجهَ لصحَّته.













أما تحمل المتورق بعض الخسارة في عملية التورق؛ نظرًا لكون الثمن الذي يشتري به السلعة نسيئةً أكثرَ من الثمن الذي يبيعها به نقدًا لطرف ثالث، فذلك مأذون به شرعًا؛ إذ نصَّ جماهير الفقهاء على أن الأجل يأخذ قسطًا من الثمن في بيع النسيئة[43]؛ إذ لا يسلم الحاضر في الغائب - أي المؤجل - إلا ابتغاء ما هو أعلى من الحاضر في القيمة، وهو الزيادة كما ذكر الشاطبي[44]، وقال الشوكاني: بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء، هو الجواز"[45]، وأساس ذلك - كما قال الكاساني -: أنه "لا مساواة بين النقد والنسيئة؛ لأن العين خير من الدين، والمعجل أكثر قيمة من المؤجل"[46].













4- كما استدلوا على جواز ذلك بما أخَذَ به جمهور أهل العلم، من أن الأصل في المعاملات الحلُّ، وأن الأصل في العقود والشروط الإباحة، إلا ما دلَّ الدليل على حرمته، ومما يدخل في ذلك بيوع التورق، وهذا يعني أن القائل بجواز التورق لا يُطالَب بدليل على قوله؛ لأن الأصل معه، وإنما المُطالَب بالدليل مَن يقول بحرمة التورق؛ حيث إنه يقول بخلاف الأصل، فعليه بالدليل على تخصيص عموم الجواز بالتحريم.













وقد قال بجوازه مجموعة من أهل العلم:






قال في "الإنصاف": "وهو المذهب وعليه الأصحاب"[47] اهـ.













وقال في "الروض المربع": "ومن احتاج إلى نقدٍ، فاشترى ما يساوي مائةً بأكثر؛ ليتوسع بثمنه، فلا بأس، وتسمى مسألة التورق"[48] اهـ.













وقال في "كشاف القناع": "لو احتاج إنسان إلى نقد، فاشترى ما يساوي مائة بمائة وخمسين مثلاً، فلا بأس بذلك، نصَّ عليه، وهي - أي هذه المسألة - تسمى مسألةَ التورق، من الوَرِق، وهي الفضة"[49] اهـ.













وصدَر بجوازِه قرارُ مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسةَ عشرةَ، وبه قال جمهور العلماء؛ لأن الأصلَ في البيوع الإباحةُ؛ لقوله - تعالى -: ï´؟ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ï´¾، ولم يظهر في هذا البيع ربًا، لا قصدًا، ولا صورةً؛ ولأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ لقضاء دين، أو زواج، أو غيره[50].













وجاء فيه: "جواز هذا البيع مشروطٌ بأنه لا يبيع المشتري السلعةَ بثمنٍ أقلَّ مما اشتراها به على بائعها الأول، لا مباشرة ولا بواسطة، فإنْ فعل، فقد وقع في بيع العينة المحرَّم شرعًا؛ لاشتماله على حيلة الربا، فصار عقدًا محرَّمًا" اهـ.













وصدرت بجوازه فتوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في المملكة العربية السعودية، وبعد أن ذُكر في الفتوى صورة المسألة، جاء فيها ما نصه: "وهذا العمل لا بأس به عند جمهور العلماء"[51].













وجاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" ما نصُّه: "جمهور العلماء على إباحته، سواء من سماه تورقًا، وهم الحنابلة، أو لم يسمِّه بهذا الاسم، وهم من عدا الحنابلة؛ لعموم قول الله - تعالى -: ï´؟ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ï´¾، ولقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لعامله على خيبر: ((بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا))، ولأنه لم يظهر فيه قصدُ الربا ولا صورته.













وكرهه عمر بن عبدالعزيز ومحمد بن الحسن الشيباني، وقال ابن الهمام: وهو خلاف الأولى، واختار تحريمَه ابنُ تيمية؛ لأنه بيع المضطر، والمذهب عند الحنابلة إباحتُه.













وذهب بعض أهل العلم إلى أن التورق لا يجوز؛ لأن القصد من التعامل به الحصول على النقد، حيث إنه يؤول إلى شراء دراهمَ زائدةٍ، وأن السلعة واسطة غير مقصودة.













وممن قال بعدم جوازه: عمر بن عبدالعزيز، ومحمد بن الحسن الشيباني، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم.













قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إذا لم يكن للمشتري حاجةٌ في السلعة؛ بل حاجته إلى الذهب أو الورق، فيشتري السلعة ليبيعها بالعين الذي احتاج إليها، فإن أعاد السلعة إلى البائع، فهو الذي لا شك في تحريمه، وإن باعها لغيره بيعًا تامًّا، ولم تعد إلى الأول بحال، فقد اختلف السلف في كراهته، ويسمونه التورق، وكان عمر بن عبدالعزيز يكرهه ويقول: "التورق آخية الربا"، وإياس بن معاوية يرخص فيه، وعن الإمام أحمد روايتان".













وقال ابن القيم: "التورق هو كمسألة العينة سواء، ولأن هذا يتخذ وسيلةً إلى الربا".













وقال - رحمه الله - في موضع آخر: عن أحمد فيه روايتان، وأشار في رواية إلى أنه بيع المضطر، وكان شيخنا - رحمه الله - يعنى شيخَ الإسلام ابن تيمية - منع من مسألة التورق، وروجع فيه مرارًا وأنا حاضر، فلم يرخصْ فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حُرِّم الربا موجود فيها بعينه، مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرِّم الضررَ الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه"[52].













ويستخلص من حجج القائلين بتحريم التورق ما يلي:






أولاً: أنه مسلك اضطراري، لا يأخذ به إلا مكرَهٌ عليه، أو مضطر إليه، وقد نهى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن بيع المضطر[53].













ثانيًا: حقيقته وأيلولته إلى الربا؛ حيث إن غرض طرفي التعامل به الحصولُ على نقد بنقد زائد مؤجل، والسلعة بين النقدين وسيلة لا غايةٌ، فهو منطبق على قول بعض الفقهاء: درهم بدرهمين بينهما حريرة.













ثالثًا: أن الغرض من التعامل به الحصول على النقد، والسلعة وسيلةٌ وليست غايةً، فهو يشبه العينة التي قال جمهور أهل العلم بتحريمها، حيث إن الغرض والوسيلة إلى الحصول على النقد فيهما واحدة.













ويمكن مناقشة هذه الحجج والرد عليها بما يلي:






أولاً: القول بأن التورق لا يأخذ به إلا مضطرٌّ، وقد نهى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن بيع المضطر - قول فيه نظر، ولا تظهر وجاهة الاستدلال عليه بحديث النهي عن بيع المضطر؛ لأن الاستدلال به استدلال في غير محلِّه؛ حيث إن حقيقة التورق ظهورُ الرغبة من صاحبها في الحصول على نقدٍ يغطي به حاجته إليه، سواء أكانت الحاجة مما تقتضيها مصلحته في الاكتساب، أم مما تقتضيها حاجته في شؤون حياته من شراء مسكن، أو سيارة، أو زواج، أو غير ذلك، وهذا لا يعد اضطرارًا إلى الحصول على النقد، وإنما هي الرغبة في الحصول عليه لتغطية الحاجة به، والرغبة حاجة وليست ضرورة، وحصوله على النقد لا يُتصوَّر إلا بإحدى طرق أربع، هي:






أ- حصوله على مَن يهب له ذلك المبلغ، والحصول عليه بهذه الطريقة أمرٌ مستبعد في الغالب.













ب- وجود من يقرضه ذلك المبلغ قرضًا حسنًا، وهذا كذلك غير متيسِّر في الغالب، لا سيما إذا كان محتاجًا إلى مبلغ كبير؛ لتوسيع نشاطه التجاري، أو لمضاعفة نشاطه الصناعي، أو الزراعي، أو نحو ذلك.













ج- لجوءه إلى المصارف الربوية لأخْذ حاجته من النقود بالتعامل الربوي، وهذا محرَّم ولا يجوز.













د- تحصيل حاجته من النقود بطريقة التورق، وهذا أمر متيسِّر، وقال جمهور أهل العلم بجوازه، ولم نرَ أحدًا منهم قال بتقييد الجواز بحاجةٍ ملحةٍ، أو اضطرارٍ، أو تخصيصه لفئة معينة دون الأخرى، أو لأحوالٍ خاصة، فرغبته في الحصول على المبالغ حاجةٌ وليست ضرورةً، فلا يشمله النهيُ عن بيع المضطر، وفي الأمر نفسه - بالرجوع إلى شرح هذا الحديث - لم نرَ أحدًا منهم ذكر أن بيع التورق من بيوع الاضطرار، وأن النهي يشملُه، فسقط بهذا القول أن بيع التورق من بيوع الاضطرار المنهيِّ عنها.













قال المناوي: "نُهي عن بيع المضطر"؛ أي: المضطر إلى العقد، بنحو إكراهٍ عليه بغير حق، فإنه باطل، أو إلى البيع لنحو دين لزمه أو مؤونة ترهقه، فيبيع بالوكس للضرورة، فينبغي أن يعان ويمهل، أو يقرض إلى ميسرة، أو يشترى منه بالقيمة"[54].













وقال الخطابي: "بيع المضطر يكون من وجهين: أحدهما، أن يضطرَّ إلى العقد من طريق الإكراه عليه، فهذا فاسد لا ينعقد، والوجه الآخر أن يضطر إليه لدين يركبه، أو مؤونة ترهقه، فيبيع ما في يده بالوكس من أجل الضرورة، فهذا سبيله في حق الدين والمروءة ألاَّ يبايع على هذا الوجه، و ألاَّ يفتات عليه بماله"[55].













وقال ابن تيمية: "فإن كان المشتري مضطرًّا، لم يجز أن يباع إلا بقيمة المثل، مثل أن يضطر الإنسان إلى شراء طعام لا يجده إلا عند شخص، فعليه أن يبيعه إياه بقيمة المثل، فإن أبى أن يبيعه إلا بأكثر، فللمشتري أخذُه قهرًا بقيمة المثل، وإذا أعطاه إياه، لم يجب عليه إلا قيمة المثل، وإن باعه إياه إلى أجل، باعه بالقيمة إلى ذلك الأجل، ويأخذ قسطًا من الثمن"[56].













وقال أيضًا: "وكذلك المضطر الذي لا يجد حاجته إلاَّ عند هذا الشخص، ينبغي له أن يربح عليه مثلَ ما يربح على غير المضطر؛ فإن في السنن أن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - نهى عن بيع المضطر، ولو كانت الضرورة إلى ما لا بد منه، مثل أن يضطر الناس إلى ما عنده من الطعام واللباس، فإنه يجب عليه ألاَّ يبيعَهم إلا بالقيمة المعروفة بغير اختياره، ولا يُعْطُوهُ زيادةً على ذلك"[57].













ولو سلَّمنا - جدلاً - بمنع بيع المضطر، فإن المعنى الذي من أجله مُنع بيعُ المضطر غيرُ متحقق في التورق؛ وذلك لأن المضطر في النظر الفقهي، إما أن يكون بائعًا، وإما أن يكون مشتريًا، وللاضطرار معنيان كما ذكر الفقهاء:






أحدهما: الإكراه، وعلى ذلك يكون المحظور إكراه المرء على بيع ما عنده، أو على شراء ما عند الغير، وهذا المعنى خارج عن محل النزاع.













الثاني: أن يضطر شخص إلى طعام أو شراب، أو دواء أو لباس، أو غير ذلك، ولا يجد ذلك إلا عند رجل بعينه، فيبيعه ما يدفع ضرورته بأكثر من قيمته السوقية بكثير؛ أي: بغبن فاحش، أو أن يضطر شخص إلى بيع سلعته من أجل الحصول على نقد يلزمه، لشراء ما هو مضطر إليه من طعام أو شراب، أو لباس أو دواء، أو نحو ذلك، ولا يجد من يشتريها منه، فيبتاعها منه شخص بأقلَّ من قيمتها بكثير، وهذه العلة - أي مبايعة المضطر إلى البيع أو الشراء بوكس وظلم - منتفية في التورق الذي نتكلم عنه، ذلك:






أ- أن المتورق عادةً يشتري السلعة من شخص بالنسيئة ليبيعها بالنقد، فإنه يشتريها بقيمتها السوقية إلى الأجل المضروب، أو بغبن يسير، وذلك سائغ شرعًا، ولا تثريبَ عليه في شرائه السلعة نسيئةً بأكثر من قيمتها السوقية نقدًا، اعتبارًا للأجل، ولا حرج شرعًا على بائعه في ذلك.













ب- وأن المتورق عندما يبيع تلك السلعة التي اشتراها نسيئةً لشخص ثالث لا علاقة له بالبائع الأول، بقيمتها السوقية نقدًا، أو بغبن يسير، وهي - عادة - أقل من الثمن الذي اشترى به مؤجلاً، فذلك سائغ شرعًا للبائع المتورق وللمشتري الجديد على السواء.













هذا هو الأصل والجاري في الواقع في حالات التورق وتطبيقاته المعاصرة في الأعم الأغلب، وإليه ينصرف قول المجيزين.













ثانيًا: القول بأن حقيقة التورق وأيلولته إلى الربا؛ حيث إن غرض طرفي التعامل الحصول على نقد بنقد مؤجل، والسلعة واسطة بين النقدين، وهو منطبق على قول بعض أهل العلم: درهم بدرهمين وبينهما حريرة.













هذا قول فيه نظر، ولو أردنا أن نطبق عليه حال من احتاج إلى نقد، وسلك في سبيل تحصيله مسالكَ الحصول عليه من بيوع المرابحة، أو المشاركة المتناقصة، أو بيوع السلم، أو غير ذلك من وسائل الحصول على الاستزادة من النقود مما هو جائز شرعًا - لقلنا بمنع ذلك؛ لأن قصده الحصولُ على النقد بواسطة السلع ثم يبيعها، وهذا لا يقول به أحد.













ثم إن تطبيق بيع التورق على مسألة "درهم بدرهمين وبينهما حريرة"، تطبيق مع الفارق؛ ذلك أن الحريرة لا تساوي قيمتُها الدرهمَ الزائد، وإنما جيء بها للتحليل، أما التورق فالراغب في النقد يشتري سلعةً بثمن مؤجل هو مثل الذي تباع به على آخر بيعًا مؤجلاً، ثم إن مشتريَها يبيعها في السوق بثمن مثلها حالاًّ، فظهر بهذا الفرقُ بين المسألتين.













ثالثًا: أما القول بأن الغرض من التعامل بالتورق الحصولُ على النقد، والسلعةُ وسيلةٌ وليست غايةً، فهو يشبه العينة التي قال الجمهور بتحريمها، فلا يخفى أن جميع وسائل التجارة - من بيع وشراء، ومشاركة ومرابحة، وغير ذلك من آليات الاستثمار - الغرض من استخدامها، وممارسة التجارة عن طريقها: الحصولُ على النقود والاستزادة منها، والسلع المبيعة هي الواسطة في ذلك، كما لا يخفى أن التورق يختلف عن العينة؛ حيث إن العينة معناها رجوع السلعة على من باعها، حيث إنه لم يبعها إلا باعتبار رجوعها إليه، وحصوله على رغبته في أن تكون المائة مائةً وعشرين مثلاً دون فوات سلعة عليه، فضلاً عن أن هاتين البيعتين - بيعة البائع على المشتري، وبيعة المشتري على البائع - بيعتان في بيعة واحدة، وقد نهى - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن بيعتين في بيعة واحدة، وفسرها بعض المحققين من أهل العلم، ومنهم ابن القيم - رحمه الله - بأنها العينة بخلاف التورق، فإن السلعة التي باعها البائع على الراغب في الشراء تورقًا لن ترجع للبائع، حيث إن شرطَ بيع التورق ألا يبيع المشتري السلعة على من باعها عليه، فإن باعها عليه، فهي العينة المحرمة.













فلم يبقَ في حجج القول بتحريم التورق إلا القصدُ؛ قصدُ المشتري النقدَ دون السلعة، وهذا القصد لا يعتبر سببًا في القول بالتحريم؛ فقد وجَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - عامِلَه لتحقيق قصد الحصول على الجنيب من التمر، بأن يبيع الجمع ويشتريَ بثمنه جنيبًا، ولم يكن هذا القصدُ مانعًا من صحة هذا التصرف والأخذ بهذا المخرج الصحيح للحصول على تحقيق الرغبة.













وقد أفاض ابن القيم - رحمه الله - في الحديث عن الحيل المباحة والمخارج في "إعلام الموقعين"، حتى ضرب للمخارج مثلاً هو التورق، قال - رحمه الله -: "وإنما الحيل شيء يتخلص به الرجل من الحرام ويخرج به إلى الحلال، فما كان من هذا ونحوه فلا بأس به، وإنما يكره من ذلك أن يحتال الرجل في حق الرجل حتى يبطله، أو يحتال في باطل حتى يوهمَ أنه حقٌّ، أو يحتال في شيء حتى يُدخلَ فيه شبهةً، وأما ما كان على السبيل الذي قلنا به فلا بأس به"[58]، ثم استدل على ذلك بقوله - تعالى -: ï´؟ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ï´¾ [الطلاق: 2]، وضرب لذلك أمثلة، منها قوله: "وكذلك الرجل تشتد به الضرورة إلى نفقة ولا يجد من يقرضه"، فذكر من الوسائل لهذا الرجل - وسماه مخرجًا - التورق[59].













يمكن القول إذًا: إن التورق مخرج لمن احتاج إلى النقد، ولا يجد من يهبه إياه، أو يقرضه بدون ربا، فيعمد إلى شراء سلعة بالأجل، ويبيعها بالنقد.













الرأي الراجح:






لقد ظهر لي بعد النظر والتأمل في أدلة الفريقين: أن حجج جمهور الفقهاء المجيزين للتورق صحيحةٌ قوية، سالمة من الإيراد عليها، بخلاف أدلة المانعين، فإنها ضعيفة، ولا يصح الركون إليها أو الاعتماد عليها، وإن سعْيَ أربابها بكل سبيل إلى تخريج حظْر التورق على قاعدة سد الذرائع - ليس إلا ضربًا من الغلو، ولما كانت حاجة الناس قائمةً على المال، مع عدم وجود طريق آخر - غالبًا - كالقرض الحسن والسَّلَم، فإنني أرجح بيع التورق، بشرط الحاجة، وعدم تضمينه محاذيرَ شرعيةً.












فبالتورق يمكن سدُّ حاجة الناس على نحوٍ لا يرهقهم غالبًا، وبخاصة بعد أن صار للناس مواردُ ثابتةٌ في هذا الزمان تمكِّنهم من الوفاء بما عليهم من حقوق.











هذا فضلاً عن الترفع عن الحاجة إلى الناس، وما يتبعها من تعرض للمسألة والمنَّة، مما ينافي آداب الشريعة، والترفع عنه بالمرء أجمل، ولمروءته أكمل.











المبحث الثاني: التطبيقات المعاصرة للتورق (التورق المصرفي المنظم)






المطلب الأول: حقيقة التورق المصرفي المنظم













ذكرنا في المبحث الأول صيغة التورق التي عرَفها الناس واشتهرتْ بينهم، وكانت مناط فتوى العلماء في القديم، هي صيغة التورق الفردي؛ تبدأ العملية وتنتهي بصورة شبه عفوية، وبدون ترتيبات مسبقة أو إجراءات مقنَّنة، كما أنها تتم في خضم عمليات البيع والشراء التي تقع في الأسواق، حتى لا تكاد تعرف بضاعة المتورق من باقي ما يقع من مبادلات في الأسواق، ونتكلم في هذا المبحث عن التورق المصرفي المنظم.











حقيقة التورق المصرفي المنظم:





لقد اتَّجه كثير من المؤسسات المالية الإسلامية المعاصرة إلى التعامل بالتورق المصرفي المنظم، كبديل شرعي للقرض الربوي المحظور الذي تقدمه البنوك التقليدية من جهة، وكبديل عملي منسق مبرمج للتورق الفردي غير المنظم، الذي يكلف المتورق - عادة - خسائرَ ماليةً فادحة، وكثيرًا من المشقة والعناء من جهة أخرى، بحيث يقوم على نفس قاعدة التورق الشرعية وآليته، غير أنه يجري وفق منظومةٍ تعاقدية أفضلَ، تكفل حصولَ العميل على السيولة النقدية المطلوبة في الوقت المرغوب، من غير تعرض للمتاعب والصعوبات والخسائر الفاحشة التي تكتنف عمليةَ التورق الفردي عادة، وذلك عن طريق شراء المصرف المتخصص للعميل سلعةً أو أكثر من سوق السلع الدولية - التي تتسم أسعارها بتحرُّكات ضئيلة محدودة تقيه مخاطر تقلبات الأسعار الحادة من غيرها - ثم بيعِها نقدًا لطرف ثالث بالنيابة عن العميل بعد ثبوت ملكيتها له؛ بغية توفير النقد المطلوب للعميل.












ومع أن صيغ الاتفاقات التي تبرمها المؤسسات المالية الإسلامية للتورق، لا تخلو من الاختلاف في بعض الجزئيات أو التفصيلات، لكنها في الجملة تتفق على بناء وتركيب المنظومة التعاقدية للعملية على النسق الآتي:





أولاً: يقوم المصرف بشراء الكمية المطلوبة من السلعة أو السلع الدولية، وفق المواصفات المحددة التي يرغب فيها العميل نقدًا.











ثانيًا: بعد تملك المصرف وقبضه للسلع التي اشتراها قبضًا حكميًّا، يقوم ببيعها بثمن معلوم مؤجل بحسب نظام التقسيط المتفق عليه بينهما.











ثالثًا: عقب ذلك يوكل العميل المصرف في بيع ما امتلكه من السلع بثمن نقدي معجل لطرف ثالث لا علاقة للمصرف به.











رابعًا: يقوم المصرف ببيع تلك السلع لحساب موكله العميل، على النحو المرسوم، ويوفر له ثمنها المقبوض لينتفع به.











ومن الجدير بالتنبه له في هذا المقام: أن من أهم سمات وخصائص "التورق المصرفي المنظم" كونَه معاملةً مستحدثة، وصفقة تمويلية مستجدة، وإن كانت مبنية في جوهرها وأساسها على مسألة التورق الشرعي، ينضوي تحتها مجموعة عقود ووعود مترابطة متوالية، لا تقبل التفكيك والتغيير الهيكلي، يجري التواطؤ المسبق بين المصرف والعميل على إنشائها وإبرامها على نسق محدد، متتابع الأجزاء، متعاقب المراحل، يهدف إلى تحقيق غرض تمويلي محدد، اتجهت إرادة الطرفين وقصدهما إليه.











وبتتبُّع هذه المسألة لم نجد للفقهاء المعاصرين قولاً بتأثير ذلك في الحكم على المرابحة، أو المضاربة، أو الاستصناع، في عمل المصارف، وكذلك القروض المصرفية لم يخرجها عن حكم الربا المحرَّم كونُها مؤسسية لا فردية.











إن المصرف شخصية اعتبارية لا طبيعية، وقد انتهى أمرُ الناس إلى القول بأن العقود التي تبرم ويكون من أطرافها شخصية اعتبارية لا تختلف في أحكامها وشرائط صحتها بين الشخصيات الطبيعية، فلا يتغير حكمه إذا انعقد وكان من أطرافه شخصية اعتبارية.











يمكن القول عندئذٍ: إن التفريق في الحكم بين الفردي والمؤسسي، لم يُثِر إشكالاً حتى الآن، وهي مسألة يتَّسع نطاقها ليؤثر في معاملات كثيرة، وليس التورق فحسب.











التواطؤ وأثره في صيغة التورق المصرفي:





التواطؤ والمواطأة: اتفاق الرغبتين على أمر واحد[60]، ومنها ما ورد في الحديث في قول رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأصحابه في مسألة ليلة القدر: ((أرى رؤياكم قد تواطأتْ في السبع الأواخر))[61]؛ أي: اتَّفقت.











التواطؤ في المعاقدات: هو الاتفاق على إبرام غير عقد، أو عقدين فأكثر في اتفاقية واحدة، وهي إن كانت عقودًا مستقلة عن بعضها البعض عند الدخول فيها، إلا أن غرض الطرفين في المعاملة لا يتحقَّق إلا باجتماع هذه العقود في منظومة واحدة.











والتورق المصرفي - كسائر المعاملات المصرفية - إنما هو صيغة مؤسسية؛ ولذلك فإن فيها ترتيباتٍ لها طريق مرسوم، تؤدِّي - إذا سار عليه أطرافها - إلى نتيجة معروفة، وهي حصول عميل البنك على النقود، وهو غرضه النهائي.











وقد قيل في الاعتراض على التورق المصرفي: إن هذا تواطؤٌ تجتمع فيه عقود، وإن التواطؤ ذريعة إلى التوصل إلى المحرَّم.











لكن يستدل من كلام الفقهاء عن التواطؤ في المعاملات: أن التواطؤ الممنوع إنما هو ترتيبٌ الغرضُ منه إخفاءُ حقيقة معاملة معينة ممنوعة، وإظهارها بوجهٍ آخرَ مباح، وذلك كأنْ يشترط في العقد الأول شرطًا يغيِّر طبيعته، أو يلزم طرفَيه بعقد آخر لاحقٍ متعارِض معه، ومن أمثلة الترتيبات التي تدخُل في باب التواطؤ المُفسِد للعقود: ما ذكره صاحب "الشرح الكبير" في باب الجعالة، قال: "من سمع قائلاً يقول: من يأتني بعبدي الآبق، فله كذا، فأتاه به من غير تواطؤ، فإنه يستحق الجعل"[62]، فاشترط فيه عدم التواطؤ؛ لأن العقد بهذه الصورة جعالة ليس على السامع التزام بعمل، لكن إذا وقع بينهما التواطؤ، صار ملتزمًا بالعمل، فانقلبت إجارةً، واستحقَّ الأجرةَ بالعمل، سواء انتهى عمله إلى أن يأتيَه بعبده الآبق أم لا، هذا مثال على تغيير التواطؤ لطبيعة العقد، فالعقد حقيقته الإجارة لا الجعالة، فلزم أن ينضبط بأحكامها، فتغيَّرت حقيقة العقد بسب التواطؤ.











ومنها ما جاء في "مواهب الجليل": "عن الرجل يدفع إلى الرجل المال، فيقيم في يديه أيامًا، ويتجهز بذلك يريد سفرًا، فيلقى صاحب المال فيقول له: هل لك أن أخرج معك، فأخرج ذهبًا آخر مثل الذي أعطيتك، ونشترك جميعا؟ قال مالك: ما أرى أمرًا بينًا وما يحضرني فيه مكروه، قال سحنون: وهو الربا بعينه، قال محمد بن رشد: لأن مالكًا إنما خفف ذلك على السلامة من التواطؤ على ذلك قبل أن يتجهز بالمال"[63].











كأنه بالتواطؤ قد أصبح أجيرًا يستحق أجرَ المِثل، ولكن يكون بإظهار العقد على صفة المضاربة، قد استأجره على عمله معه بجزء من ربح المال، فهو غرر، فكأن التواطؤ غيَّر طبيعة هذا العقد، هذا مثال آخر للتواطؤ الذي يغيِّر من حقيقة العقد.











فهل بالتورق المصرفي من التواطؤ ما يؤدي إلى الفساد؟ مثل هذا يقتضي القول بأن التورق المصرفي - مع أن ظاهره البيع - فإن حقيقته أنه من العينة الممنوعة، أو أنه قرض بزيادة، والراجح أنه بيع كسائر البيوع، وإن أكثر عمليات الشراء تنتهي بالبيع مرات ومرات، حتى تصل إلى مستهلكها النهائي.








يتبع




عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]


الساعة الآن 05:28 PM.

Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd استضافة وبرمجة