![]() |
تقصيد الأحكام في الفكر الفقهي عند أبي حنيفة
تقصيد الأحكام في الفكر الفقهي عند أبي حنيفة د. وصفي عاشور أبو زيد سبق في الأمثلة التي أوردناها للصحابة والتابعين أن ذكرنا من وافقهم من أئمة الفقهاء، وبيَّنا كيف أنهم وافقوا هؤلاء الصحابة في اجتهاداتهم، وتابعوهم عليها، وهذا لا يُغني عن ذكر أمثلة أخرى هنا نبرز فيها مدى اعتبار أئمة الفقهاء والمذاهب وأصحاب الأوجه فيها لهذا التوجه من الفقه النير الذي يستنزل النصوص ويبين ثراءها، ويدخل كل نازلة تحت مظلتها، فلا يند عن أحكام الشريعة شيء من قديم أو حديث. الإمام أبو حنيفة: الإمام أبو حنيفة هو إمام أهل الرأي المحمود، والمبرز في استخدام القياس؛ وذلك لقلة النصوص عندهم، خلافًا لأهل المدينة الذين كثرت لديهم النصوص، مما استدعى عند أبي حنيفة ومدرسته توسعًا في استخدام القياس ليعوِّضَ فَقْدَ النصوص عندهم، ولا يخلو هذا المسلك من اهتمام بالتقصيد والاعتماد عليه والدوران معه في كثير من المسائل، وعديد من النظرات، بما يحتويه القياس من علة تثمر مقاصد الأحكام في كثير من الأحكام. وفيما يلي نماذج مختارة للإمام أبي حنيفة ولفقهاء المذهب تتجلى فيها النظرة المقاصدية، واعتبارها في عملية الاجتهاد أو الترجيح، وربما دوران الحكم معها: أولًا: منع الكفالة في الحدود: الكفالة هي الضم لغة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ [آل عمران: 37]، ثم قيل: هي ضمُّ الذمة إلى الذمة في المطالبة، وقيل في الدين، والأول أصح[1]. ولهذا فإن من أتى حدًّا من حدود الله تحمله، ولا يكفله عنه غيره، قال ابن الهمام[2]: "ولا تكفل في شيء من الحدود والقِصاص في قول أبي حنيفة وأبي يوسف[3] الأول؛ ولهذا يحبسه أبو حنيفة، وفي قول أبي يوسف الآخر - وهو قول محمد[4] - يؤخذ منه الكفيل؛ ولهذا لا يحبس عندهما في دعوى حد القذف والقِصاص، ولا خلاف أنه لا تكفيل بنفس الحدود والقِصاص؛ لأن النيابة لا تجزئ في إيفائهما، والمقصود من الكفالة إقامة الكفيل مقام المكفول عنه في الإيفاء، وهذا لا يتحقق في شيء من الحدود"[5]. فانظر كيف اعتمد الإمام - يرحمه الله - على مقصد الكفالة - هو إقامة الكفيل مقام المكفول عنه - في الوصول للحكم في المسألة، كما أن فيه - من جهة أخرى - مراعاة لجانب مقصد الشارع من الحدود، وهي الزجر والردع، فلو تكفلت الأم بالحد عن ابنها، أو الأخ عن أخيه، لَمَا تحقق الزجر المطلوب. ثانيًا: كتابة العقود في البيع وغيره: وللنظر المقاصدي في هذا المثال دور في تحديد صفات الشيء المعقود عليه وتوثيقه؛ فقد ندب الشرعُ الكتابةَ في البيوع والديون حفظًا لحقوق العباد، قال السرخسي: "والمقصود بالكتاب التوثيق، فليكتب على أحوط الوجوه، ويتحرز فيه عن طعن كل طاعن"[6]. فكل ما مِن شأنه أن يحدد المشتَرَى تحديدًا مميزًا بحيث لا يختلط به شيء، ويكون موثَّقًا ومعرَّفًا أتم ما يكون التوثيق والتعريف، ويمنع أن يختلط به غيره، أو يتشابه معه مشترًى آخر - فهذا أمر مطلوب؛ لأنه يحقق المقصد من الكتابة، وهو التوثيق والتعريف؛ لتحفظ به حقوق العباد. ثالثًا: تغليظ العقوبة وتنوعها: إذا كانت الجناية شَتْمًا قبيحًا فإن المقصد من عقوبة الشاتم هو انزجاره وردعه، وليس للشتم عقوبة مقدرة، فيصار إلى التعزير، وهو موكول إلى الإمام، وقد جاء في مختصر القدوري: "وإن رأى الإمام أن يضم إلى الضرب في التعزيرِ الحبسَ، فعَل"، قال في الشرح: "لأن التعزير موقوف على رأي الإمام، والمقصود منه الردع والزجر، فإذا رأى أن الشاتم لا يرتدع بالضرب حبسه أيضًا، وإن كان يرتدع لا يحبسه"[7]. وقال ابن الهمام: "قوله: وإن رأى الإمام أن يضم إلى الضرب في التعزيرِ الحبسَ، فعَل؛ وذلك بأن يرى أن أكثر الضرب في التعزير - وهو تسعة وثلاثون - لا ينزجر بها، أو هو في شك من انزجاره بها يضم إليه الحبس"[8]. فتغليظ العقوبة هنا وتنوُّعها توقَّف على المقصد منها، وهو الردع والانزجار، فإن لم يتحقق بالضرب ورأى الإمام أنه ينزجر ويرتدع بالحبس حبسه، فمدار العقوبة هنا على تحقيق المقصد منها. ولعل أبرز من يهتم بالتقصيد الجزئي من أئمة المذهب الحنفي: الإمام الكاساني[9]، والإمام السَّرَخْسي. [1] الهداية شرح بداية المبتدي: 3/ 87، المكتبة الإسلامية. [2] هو محمد بن عبدالواحد بن عبدالحميد بن مسعود السيواسي، ثم الإسكندري (790 - 861ه - = 1388 - 1457م)، كمال الدين، المعروف بابن الهُمَام، إمام من علماء الحنفية، عارف بأصول الديانات والتفسير والفرائض والفقه والحساب واللغة والموسيقا والمنطق، ولد بالإسكندرية 790هـ، وتوفي بالقاهرة سنة 861هـ، وله: فتح القدير في شرح الهداية في الفقه الحنفي، الأعلام: 6/ 255. [3] هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي، أبو يوسف (113 - 182ه - = 731 - 798م): صاحب الإمام أبي حنيفة، وتلميذه، وأول من نشر مذهبه، كان فقيهًا علَّامة، وليَ القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد، ومات في خلافته، ببغداد، وهو على القضاء، وأول من وضع الكتب في أصول الفق، على مذهب أبي حنيفة، انظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية: 2/ 220 - 222، و519، عبدالقادر بن أبي الوفاء محمد بن أبي الوفاء القرشي، أبو محمد، طبعة مير محمد كتب خانه، كراتشي، د.ط، د.ت، والطبقات الكبرى: 7/ 330 - 331، محمد بن سعد بن منيع، أبو عبدالله البصري الزهري، دار صادر، بيروت، وسير أعلام النبلاء: 8/ 535. [4] هو محمد بن الحسن بن فرقد (131 - 189ه - = 748 - 804م)، من موالي بني شيبان، أبو عبدالله: إمام بالفقه والأصول، وهو الذي نشر علم أبي حنيفة، وولد بواسط، ونشأ بالكوفة، فسمع من أبي حنيفة، وغلب عليه مذهبه وعرف به، قال الشافعي: (لو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن، لقلتُ؛ لفصاحته)، ونعته الخطيب البغدادي بإمام أهل الرأي، له كتب كثيرة في الفقه والأصول، منها: (المبسوط - خ) في فروع الفقه، و(الزيادات - خ)، و(الجامع الكبير - ط)، و(الجامع الصغير - ط)، و(الآثار - ط)، و(السير - ط)، الأعلام للزركلي: 6/ 80، وسير أعلام النبلاء: 9/ 134، وما بعدها. [5] شرح فتح القدير: 5/ 342، دار الفكر، بيروت. [6] المبسوط للسرخسي: 7/ 62، دار المعرفة، بيروت، وانظر: الفتاوى الهندية: 6/ 294، دار الفكر، 1411ه - - 1991م. [7] الجوهرة النيرة في شرح مختصر القدوري في فروع الحنفية: 5/ 176، أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي العبادي اليمني الزبيدي، بدون بيانات. [8] شرح فتح القدير: 5/ 350. [9] هو أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، علاء الدين الحنفي، مصنف البدائع، الكتاب الجليل، تفقه صاحب البدائع على محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي المنعوت علاء الدين، وقرأ عليه معظم تصانيفه، مثل التحفة في الفقه، وغيرها من كتب الأصول، وزوَّجه شيخه ابنته الفقيهة العالمة، وصنف كتاب البدائع، وهو شرح التحفة، وعرضه على شيخه فازداد فرحًا به، وزوجه ابنته، وجعل مهرها منه ذلك، فقال الفقهاء في عصره: شرح تحفتَه، وزوَّجه ابنتَه، وتوفي سنة 587هـ، طبقات الحنفية: 244 - 246. عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ] |
| الساعة الآن 12:36 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
استضافة وبرمجة