![]() |
تقصيد الأحكام عند الإمام أحمد بن حنبل
تقصيد الأحكام عند الإمام أحمد بن حنبل د. وصفي عاشور أبو زيد مدخل المقاصد عند الإمام أحمد هو تلمذته للإمام الشافعي فيما ذكرناه في بداية الحديث عنه، ويبدو أن أقواله الأولى قبل لقائه بالإمام الشافعي هي التي كان يغلِب عليه فيها الأثر، وأقواله أو رواياته الأخرى التي نجد فيها اهتمامًا بالدراية هي الأقوال التي انتفع فيها بأقوال ومنهجية الإمام الشافعي رضي الله عنهما، ولعل هذا من أسرار تعدُّد الروايات عن الإمام، والله أعلم. كما أن كثيرًا من فقهاء المذهب يصرحون بأن الإمام أحمد كان يأخذ بالمصالح المرسلة، وهي باب واسع إلى الفكر المقصدي، وأن كثيرًا منهم يستخدم المصلحة بمشتقاتها في اجتهاداتهم وآرائهم المخرجة على فتاوى الإمام أحمد، وذلك عند إبداء دليل الفتوى في الوقائع التي لا نص فيها[1]. ولقد تحدَّث الشيخ عبدالله عبدالمحسن تركي عن المصلحة عند الإمام أحمد وعند فقهاء المذهب بما فيه الكفاية، وذلك في دراسته عن أصول الإمام أحمد؛ حيث نقل أقوال القدماء والمحدَثين في أخذ الحنابلة بالمصالح المرسلة[2]. الشاهد من هذا كله أن للمصالح اعتبارًا عند الحنابلة، ولا شك أن الأخذ بالمصلحة واعتبارها مما له صلة قوية بالفكري المقصدي، ومن ذلك عند الحنابلة: أولًا: انعقاد العقود بما يدل على مقصودها: ومن المسائل التي يبرز فيها التقصيد الجزئي عند الحنابلة - استنادًا إلى أصول الإمام أحمد -: أن العقود إنما تنعقد بأي لفظ وبأي شكل، شريطة تحقيق مقصود تلك العقود. وفي كلام للإمام ابن القيم يوضح ذلك في إعلامه يقول: "تنازع الفقهاء في الإجارة هل تنعقد بلفظ البيع على وجهين، والتحقيق: أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت بأي لفظ من الألفاظ عرف به المتعاقدان مقصودهما، وهذا حكم شامل لجميع العقود؛ فإن الشارع لم يحد لألفاظ العقود حدًّا، بل ذكرها مطلقة، فكما تنعقد العقود بما يدل عليها من الألفاظ الفارسية والرومية والتركية، فانعقادها بما يدل عليها من الألفاظ العربية أَوْلى وأحرى". قال: "ولا فرق بين النكاح وغيره، وهذا قول جمهور العلماء؛ كمالك وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، قال شيخنا: بل نصوص أحمد لا تدل إلا على هذا القول، وأما كونه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج فإنما هو قول ابن حامد والقاضي وأتباعه، وأما قدماء أصحاب أحمد فلم يشترط أحد منهم ذلك، وقد نص أحمد على أنه إذا قال: أعتقتُ أَمَتي وجعلت عتقها صداقَها أنه ينعقد النكاح، قال ابن عَقيل: وهذا يدل على أنه لا يختص النكاح بلفظ، وأما ابن حامد فطرد أصله وقال: لا ينعقد حتى يقول مع ذلك: تزوجتها، وأما القاضي فجعل هذا موضع استحسان خارجًا عن القياس، فجوز النكاح في هذه الصورة خاصة بدون لفظ الإنكاح والتزويج، وأصول الإمام أحمد ونصوصه تخالف هذا؛ فإن من أصوله أن العقود تنعقد بما يدل على مقصودها من قول أو فعل، ولا يرى اختصاصها بالصيغ"[3]. وهذا نص ثمين ومعبِّر، يدل دلالة واضحة - في العقود خصوصًا - على مدى حضور الفكر المقصدي في المسائل الفقهية، وكيف أن العقود تنعقد بأي لفظ وبأي كيفية وبأي طريقة، متى اتضح المقصود لكلٍّ من العاقدَين، سواء في الزواج، أو غيره من العقود. ثانيًا: وقت خروج صدقة الفطر: يرى الحنابلة جواز تعجيل زكاة الفطر بيوم أو يومين، لا يجوز أكثر من ذلك، وقال ابن عمر: كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين، قال ابن قدامة[4]: "وقال بعض أصحابنا: يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر كما يجوز تعجيل أذان الفجر والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل، وقال أبو حنيفة: ويجوز تعجيلها من أول الحول؛ لأنها زكاة، فأشبهت زكاة المال، وقال الشافعي: يجوز من أول شهر رمضان؛ لأن سبب الصدقة الصوم والفطر عنه، فإذا وجد أحد السببين جاز تعجيلها كزكاة المال بعد ملك النصاب". قال ابن قدامة: "ولنا ما روى الجوزجاني[5]، ثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو معشر عن نافع عن ابن عمر قال: [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر به فيقسم، قال يزيد: أظن هذا يوم الفطر، ويقول: أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم]، والأمر للوجوب، ومتى قدمها بالزمان الكثير لم يحصل إغناؤهم بها يوم العيد، وسبب وجوبها الفطر، بدليل إضافتها إليه، وزكاة المال سببها ملك النصاب، والمقصود إغناء الفقير بها في الحول كله، فجاز إخراجها في جميعه، وهذه المقصود منها الإغناء في وقت مخصوص، فلم يجز تقديمها قبل الوقت، فأما تقديمها بيوم أو يومين فجائز؛ لِما روى البخاري بإسناده عن ابن عمر قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان، وقال في آخره: وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين، وهذا إشارة إلى جميعهم، فيكون إجماعًا، ولأن تعجيلها بهذا القدر لا يُخِلُّ بالمقصود منها، فإن الظاهر أنها تبقى أو بعضها إلى يوم العيد، فيستغنى بها عن الطواف والطلب فيه، ولأنها زكاة فجاز تعجيلها قبل وجوبها كزكاة المال"[6]. ومن الملاحظ هنا أن التقصيد الجزئي له دور في تحديد زمان الفعل؛ فإن التوسعة في التعجيل بإخراج زكاة الفطر لا يجوز أن تؤثر في المقصد من الحكم الشرعي، وهو إغناء الفقير عن الطواف في ذلك اليوم، فيكون تحديد زمن التعجيل متوقفًا على مدى تحقق المقصود من الحكم. وبناءً على ذلك، لو وُجدت ظروف ما تتصف بالتعقيد والتشابك بحيث تأخذ من الوقت الكثير أو أكثر من يومين أو ثلاثة في إيصال الزكاة لمستحقيها، فلا يجوز إخراجها بما يؤخرها عن وقتها، بل يتم إخراجها لتصل إلى مستحقيها في وقتها، في ضوء رعاية الواقع وتقديره، وتحقيقًا لمقصد الحُكم. ثالثًا: ختان الإناث: وهذا نموذج معاصر دار حوله كثير من الجدل، واتخذه البعض ذريعة للقول باضطهاد المرأة وتعذيبها، ومن الفقهاء المعاصرين مَن ذهب للقول بأنه تشويه وتغيير لخلق الله، باعتبار أن الأصل في جسد الإنسان الحرمة، وترك ما خلقه الله على ما خلقه وعدم تغييره، وبناءً على ذلك يكون ختان المرأة أو خفاضها بقطع جزء من جسمها بغير مسوغ يوجبه - أمرًا غير مأذون به، أو محظورًا شرعًا[7]، في حين أننا لو نظرنا إلى مقصد الحكم لهان الأمر. ولقد سئل الإمام ابن تيمية عن المرأة: هل تختتن أم لا؟ فأجاب يرحمه الله: "نعم تختتن، وختانها أن تقطع أعلى الجلدة التي كعرف الديك؛ قال رسول الله للخافضة وهي الخاتنة: ((أشمي ولا تُنهكي؛ فإنه أبهى للوجه، وأحظى لها عند الزوج))، يعني لا تبالغي في القطع؛ وذلك أن المقصود بختان الرجل: تطهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة، والمقصود من ختان المرأة: تعديل شهوتها؛ فإنها إذا كانت قلفاءَ كانت مغتلمة شديدة الشهوة... وإذا حصَلت المبالغة في الختان ضعُفت الشهوة، فلا يكمل مقصود الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود باعتدال"[8]. فقد أدار ابنُ تيمية هنا الأمرَ على مدى تحقق المقصود منه، ومن ثم لا وجه للقول بضرورة الختان؛ فقد لا تكون المرأة في حاجة إلى ختان أصلًا حسب حالتها، ولا وجه كذلك لرفض الختان، بحجة أنه اعتداء على المرأة وتغيير لخلق الله[9]، إلا بقدر تحقيق المقصود، وهو تعديل الشهوة؛ فإن الله تعالى أعلمُ بمن خلق، ولن يشرَع لخَلقه ما فيه ضررهم أو تعذيبهم. على أن الطبيب هو الذي يحدد ذلك؛ فهناك منهن من لا يحتاج لذلك، وهناك من يحتاج إلى إشمام خفيف، وهكذا كل حالة بقدرها، ثم يأتي بعد ذلك رأي الفقيه الذي يستند إلى تقرير الطبيب، ففي مثل هذه الحالات تنبني فتاوى الفقهاء على تقارير الخبراء، وهي مسألة اجتمعت كلمة الفقهاء فيها على الجواز. ولعل مِن أبرز الحنابلة الذين نجد التفكير المقصدي حاضرًا فيما يكتبون: الإمام ابن تيمية، وتلميذه الإمام ابن القيم الذي دائمًا يؤصل لكلام شيخه، ويدير الأحكام الشرعية مع مقاصدها، ويُثري الحديث عن كلام شيخه بعشرات بل مئات الأمثلة والنماذج التي تؤكد الأمر وتقرره، وحسبنا أن هناك رسائل أكاديمية وأبحاثًا تناولت الإمامين من هذه الناحية[10]. [1] نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي: 468، د. حسين حامد حسان، دار النهضة العربية، 1971م. [2]أصول مذهب الإمام أحمد، دراسة أصولية مقارنة: 479، وما قبلها، د. عبدالله عبدالمحسن تركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1410هـ. [3]إعلام الموقعين: 2/ 23 - 24، تحقيق طه عبدالرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، 1973م. [4]هو موفَّق الدِّين أبو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي الجمَّاعيلي، ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي صاحب المغني، مولده بجمَّاعيل من عمل نابلس سنة 541هـ، وكان إمامًا في الفقه والتفسير والحديث والفرائض وأصول الفقه والنحو، وله: المغني، والكافي، والتوابين، وروضة الناظر، والمقنع، والعمدة، وتوفي سنة 620هـ، سير أعلام النبلاء: 22/ 165 - 172. [5] هو إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي، الجوزجاني، أبو إسحاق (000 - 259هـ = 000 - 873 م): محدِّث الشام وأحد الحفاظ المصنِّفين المخرِّجين الثقات، نسبته إلى جوزجان (من كور بلخ بخراسان)، ومولده فيها، رحل إلى مكة ثم البصرة ثم الرملة، وأقام في كل منها مدة، ونزل دمشق فسكنها إلى أن مات، له كتاب في الجرح والتعديل، وكتاب في الضعفاء، وغيرهما، الأعلام: 1/ 81. [6] المغني: 2/ 676، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1405هـ، ومن المسائل التي لعب التقصيد الجزئي دورًا في تحديد زمنها عند الحنابلة: تعزية أهل الميت؛ حيث يرى الثوري أنه لا يستحب بعد الدفن؛ لأنه خاتمةُ أمره، قال ابن قدامة: "والمقصود بالتعزية تسلية أهل المصيبة وقضاء حقوقهم، وسواءٌ في ذلك قبل الدفن وبعده"، المغني مع الشرح الكبير: 2/ 408. [7] ممن قال بهذا شيخنا د. يوسف القرضاوي، انظر فتاوى معاصرة: 4/ 519 - 520، وراجع كتابه: الحكم الشرعي لختان الإناث، مكتبة وهبة، القاهرة. [8] مجموع الفتاوى: 21/ 114، والحديث رواه أبو داود في سننه: كتاب الأدب، باب ما جاء في الختان، بلفظ: ((لا تنهكي؛ فإن ذلك أحظى للمرأة، وأحب إلى البعل))، وقال: ليس بالقوي، قال ابن حجر: "وله شاهدان من حديث أنس ومن حديث أم أيمن عند أبي الشيخ في كتاب "العقيقة"، وآخر عن الضحاك بن قيس عند البيهقي"، فتح الباري: 10/ 340، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ، وسكت عنه الذهبي في التلخيص، وصححه السيوطي في الجامع الصغير، حديث رقم (297)، وقال الهيثمي: إسناده حسن. [9] وممن قال بهذا أيضًا الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا، انظر: الفقه الإسلامي في طريق التجديد: 196 - 197، سفير الدولية للنشر، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1427هـ / 2006م. [10] من ذلك: مقاصد الشريعة عند ابن تيمية، للدكتور يوسف أحمد البدوي، طبعتها دار النفائس، ومقاصد الشريعة عند ابن قيم الجوزية، للدكتور سميح عبدالوهاب الجندي، طبعتها مؤسسة الرسالة ناشرون، والنظر المقاصدي عند ابن قيم الجوزية، د. مسعودة علواش، مخبر الدراسات الشرعية، جامعة الأمير عبدالقادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة، الجزائر، العدد الرابع: 1/ 40، صفر 1426هـ/ مارس 2005. عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ] |
| الساعة الآن 12:00 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
استضافة وبرمجة