![]() |
أخبار واقتباسات من كتاب : طوق الحمامة في الأُلفة والأُلّاف ، للإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى .
أخبار واقتباسات من كتاب : طوق الحمامة في الأُلفة والأُلّاف ، للإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى .
تحقيق د. عفيف نايف حاطوم . طبعة دار صادر . الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام النبيين وخاتم المرسلين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين ، أما بعد : قال ابن حزم : أنشدني والدي الوزير في بعض وصاياه : إذا شئت أن تحيا غنيًا فلا تكن .. على حالة إلا رضيت بدونها . صـ 5 قال في عزلته التي اختارها له الحُسّاد رغمًا عنه : لئن أصبحت مرتحلًا بشخصي .. فروحي عندكم دومًا مقيمُ ولكن للعيان لطيفُ معنى .. له سأل المُعاينة الكليمُ . صـ 11 قال المحقق د. عفيف نايف حاطوم في المقدمة : هناك باعثان حملا ابن حزم على تأليف "طوق الحمامة" أولهما : موت محبوبته "نُعم" التي كان حبه العميق لها أول حب وآخره في حياته ، فأصيب ابن حزم بموتها بصدمة قاسية تركت في قلبه جرحًا عميقًا من الأسى والحزن ، فتفجرت عبقريته الشعرية فراح يسلي نفسه وذلك كلما اشتد به الشوق أو عادت به الذكرى إلى محبوبته "نُعم" ثانيهما : نزول ابن حزم عند رغبة صديق عزيز على قلبه طلب منه في احدى رسائله إليه أن يؤلف له كتابًا في الحب وأغراضه وأسراره وبواعثه وفوائده وأضراره . انظر صـ 8_9 قال الإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله : الحُب _أعزك الله_ أوّله هزل وآخره جِدّ ، دقّت معانيه لجلالتها عن أن توصف ، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمُعاناة . وليس بمنكر في الدّيانة ولا بمحظور في الشريعة ، إذ القلوب بيد الله عزّ وجل . صـ 17 يقول الله عزّ وجل {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} فجعل علّة السكون أنها منه . ولو كان علّة الحب حسن الصورة الجسدية لوجب ألّا يُستحسن الأنقصُ في الصورة ، ونحن نجد كثيرًا ممن يؤثر الأدنى ويعلم فضلَ غيره ولا يجد محيدًا لقلبه عنه . صـ 18_19 والحب _أعزّك الله_ داءٌ عَياءٌ وفيه الدواء منه على قدر المعاناة ، وسقام مستلذّ وعلة مشتهاة لا يودّ سليمها البرءَ ولا يتمنى عليلها الإفاقة ..، وفي مثله أقول : وأستلذ بلائي فيك يا أملي .. ولستُ عنك مدى الأيام أنصرفُ إن قيل لي تتسلى عن مودته .. فما جوابي إلا اللامُ والألفُ . صـ22 قال جالينوس : ومما يدل على حرارة المزاج ويُبسه نحافة البدن ... ويدل على برد المزاج ورطوبته كثرة الشحم . نقله المحقق في حاشية صـ 27 ومنهم جَمود العين عديم الدمع ، وأنا منهم . وكان الأصل في ذلك إدماني أكل الكُندَر لخفقان القلب ، وكان عرض لي في الصِّبا ، فإني لَأُصاب بالمصيبة الفادحة فأجد قلبي يتفطّر ويتقطّع ، وأحسّ في قلبي غُصّةً أمرَّ من العلقم تحول بيني وبين توفية الكلام حق مخارجه ... ولا تجيب عيني البتّة إلا في الندرة بالشيء اليسير من الدمع . صـ 29 فمن أحبّ من نظرة واحدة وأسرع العلاقة من لمحة خاطرة فهو دليل على قلة الصبر ، ومُخبر بسرعةِ السلوّ ، وشاهد الطرافة والملل . وهكذا في جميع الأشياء : أسرعها نموًّا أسرعها فناءً ، وأبطؤها حدوثًا أبطؤها نفادًا . صـ 35 وإنّي لَأُطيل العجب من كل من يدّعي أنه يُحب من نظرة واحدة ، ولا أكاد أُصدّقه ، ولا أجعل حبّه إلا ضربًا من الشهوة . صـ36 وكذلك أنا في السلوّ والتوقّي ، فما نسيتُ لي ودًّا قط ، وإنّ حنيني إلى كل عهد تقدّم لي ليُغصّني بالطعام ويُشرقني بالماء ، وقد استراح من لم تكن هذه صفته ... وما انتفعت بعيش ولا فارقني الإطراق والانغلاق مذ ذُقتُ طعم فراق الأحبة ، وإنّه لشجًى يعتادني وولوع همّ ما ينفكُّ يَطرقني ، ولقد نَغّص تذكري ما مضى كل عيشٍ أستأنفه ، وإنّي لقتيل الهموم في عداد الأحياء ، ودفين الأسى بين أهل الدُّنيا . والله المحمود على كل حال لا إله إلا هو . صـ 36_37 دخل الغلط على من يزعم أنه يحب اثنين ، ويعشق شخصين مُتغايرين ، فإنما هذا من جهة الشهوة ... وهي على المجاز تُسمّى محبة لا على التحقيق ، وأما نفس الحبّ فما في المبتلى به فضل يصرفه في أسباب دينه ودنياه بالاشتغال بحبّ ثانٍ ؟! وفي ذلك أقول : فكما العقل واحد ليس يدري .. خالقًا غير واحد رحمانِ فكذا القلب واحدٌ ليس يهوى .. غير فَردٍ مُباعدٍ أو مُدانِ هو في شرعة المودة ذو شِر .. كٍ بعيد عن صحّة الإيمانِ وكذا الدّين واحد مستقيمٌ .. وكَفور من شَرعه دينانِ صـ 37_38 قال في باب طيّ السر : وربما يكون السبب في الكتمان تصاون المحب عن أن يَسِمَ نفسه بهذه السِّمة عند الناس ، لأنها بزعمه من صفات أهل البطالة ، فيفرَّ منها ويتفادى ، وما هذا الزعم صحيحًا ، فبحسب المرء المسلم أن يعفّ عن محارم الله عز وجل التي يأتيها باختياره ويُحاسَب عليها يوم القيامة ؛ وأما استحسان الحسن وتمكّن الحب فطبعٌ لا يُؤمر به ولا يُنهى عنه ، إذ القلوب بيد مقلبها ..، وأمّا المحبة فخِلقة ، وإنما يملكُ الإنسان حركات جوارحه المُكتسبة . صـ 48 وإني وإن تعتب لأهون هالِكِ .. كزائف نقدٍ ذلَّ في يَدِ جهبذِ على أنّ قتلي في هواك لَذاذَةٌ .. فيا عجبًا من هالِكٍ متلذِّذِ صـ 54 ولقد شاهدتُ النساء وعلمتُ من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري ، لأني رُبيتُ في حجورهن ، ونشأت بين أيديهن ، ولم أعرف غيرهن ، ولا جالستُ الرجال إلا وأنا في حدّ الشباب وحين تبقَّل وجهي ، وهن علمنني القرآن وروينني كثيرًا من الأشعار ودربنني في الخط ... وأنا لا أنسى شيئًا مما أراه منهن ، وأصلُ ذلك غَيْرَةٌ شديدة طُبِعتُ عليها ، وسوء ظن في جهتهن فُطِرتُ به ، فأشرفتُ من أسبابهن على غير قليل . صـ 62 وإن النميمة لطبع يدل على نتن الأصل ، ورداءة الفرع ، وفساد الطبع ، وخُبث النشأة ، ولا بد لصاحبه من الكذب ، والنميمة فرع من فروع الكذب ونوع من أنواعه ، وكل نمّام كذّاب ، وما أحببتُ كذّابًا قط ، وإنّي لأُسامح في إخاء كل ذي عيب ، وإن كان عظيمًا ، وأَكِلُ أمره إلى الله عزّ وجل ، وآخذ ما ظهر من أخلاقه حاشا مَن أعلمه يكذب ، فهو عندي ماحٍ لكل محاسنه ، ومُعفٍّ على جميع خصاله ، ومُذهِبٌ كل ما فيه ، فما أرجو عنده خيرًا أصيلًا ، وذلك لأن كل ذنب يتول عنه صاحبه ، وكل ذامٍ يمكن الاستتار به ، والتوبة منه ، حاشا الكذب ، فلا سبيل إلى الرجعة عنه ولا إلى كتمانه حيث كان ، ولا رأيت قطّ ولا أخبرني مَن رأى كذّابًا ترك الكذب ولم يعد إليه . صـ 67 ولولا أن الدنيا مَمَرٌّ ومحنة وكدَر ، والجنة دار جزاء وأمانٍ من المكاره ، لقُلنا إنّ وصْلَ المحبوب هو الصفاء الذي لا كَدَر فيه ، والفرح الذي لا شائبة ولا حُزن معه ... ولقد جرّبتُ اللذات على تصرّفها ، وأدركتُ الحظوظ على اختلافها ، فما للدنو من السلطان ، ولا للمال المستفاد ، ولا الوجود بعد العدم ، ولا الأوبة بعد طول الغَيْبة ، ولا الأمن من بعد الخوف ، ولا التروّح على المال ، من الموقع في النفس ما للوصل ، ولا سيّما بعد طول الامتناع ، وطول الهجر حتى يتأجّج عليه الجَوى ، ويتوقّد لهيب الشوق ، وتتضرّم نار الرّجاء . صـ 72 وقد ضمّني مجلس مع بعض من كنتُ أُحبّ فلم أُجل خاطري في فنّ من فنون الوصل إلا وجدتُه مقصّرًا عن مرادي ، وغير شافٍ وجدي ولا قاضٍ أقلّ لُبانة من لبناتي ، ووجدتُني كلّما ازددتُ دُنوًّا ازددتُ وُلوعًا ، وقدحت زناد الشوق نار الوجد بين ضلوعي ، فقلتُ في ذلك المجلس : وددتُ لو أنّ القلب شُقّ بمُديةٍ .. وأُدخلْتِ فيهِ ثم أُطبقَ في صدري فأصبحتِ فيه لا تُحلّينَ غيرهُ .. إلى مُقتضى يوم القيامة والحشرِ تعيشين فيه ما حَييتُ فإنْ أَمُتْ .. سكنتِ شِغاف القلبِ في ظُلَم القبرِ صـ 75_76 رُوي عن زياد بن أبي سفيان رجمه الله أنه قال لِجُلسائه : من أنعمُ الناس عيشةً ؟ قالوا : أميرُ المؤمنين . فقال : وأين ما يَلقى من قُريش ؟ قيل : فأنتَ . قال : أين ما ألقى من الخوارج والثُّغور ؟ قيل : فمن أيُّها الأمير ؟ قال : رجلٌ مسلمٌ له زوجة مسلمة لهما كَفاف من العيش ، قد رضيتْ به ورَضيَ بها ، لا يعرفُنا ولا نعرِفُه . صـ 76 وقد حدثتني امرأة أثِقُ بها أنها شاهدت فتىً وجاريةً كان يَجِدُ كل واحد منهما بصاحبه فضْلَ وَجْدٍ ، قد اجتمعا في مكان على طَرَب ، وفي يد الفتى سكينٌ يقطع بها بعض الفواكه ، فجرّها جرًّا زائدًا فقطع إبهامه قطعًا لطيفًا ، ظهر فيه دمٌ ، وكان على الجارية غلالة قصبٍ خزائية لها قيمة (الغِلالة : الثوب الرقيق يُلبس تحت الدثار) فخَرَقتْها بيدها وأخرجت منها فضلةً شدّ بها إبهامه ، وأمّا هذا الفعل للمحبّ فقليل في ما يجبُ عليه ، وفرضٌ لازم وشريعة مؤدّاةٌ ، وكيف لا وقد بَذَل نفسه ، ووهبَ روحه ، فما يمنعُ بعدهما ؟ صـ 78 ولقد حدثني ثقة من إخواني جليل من أهل البيوتات أنه كان عَلِقَ في صباه جارية كانت في بعض دور آله ، وكان ممنوعًا منها ، فهام عقله بها ؛ قال لي : فتنزهنا يومًا إلى بعض ضياعنا بالسّهلة غربي قرطبة مع بعض أعمامي ، فتمشّينا في البساتين وأبعدنا عن المنازل وانبسطنا على الأنهار ، إلى أن غيّمت السماء وأقبل الغيث ، فلم يكن بالحضرة من الغطاء ما يكفي الجميع ، قال : فأمر عمي ببعض الأغطية فأُلقيَ علي وأمرها بالاكتنان معي ، فظُن بما شئت من التمكن على أعين الملأ وهم لا يشعرون ، ويا لك من جمعٍ كخلاءٍ ، واحتفالٍ كانفراد ، قال لي : فوالله لا نسيتُ ذلك اليوم أبدًا . ولعهدي به وهو يحدثني بهذا الحديث ، وأعضاؤه كلها تضحك ، وهو يهتزّ فرحًا ، على بُعد العهد ، وامتداد الزمان ، ففي ذلك أقول شعرًا منه : يضحكُ الروضُ والسحائبُ تبكي .. كحبيبٍ رآهُ صَبٌّ مُعنّى صـ 78_79 ومن بديع الوصل ما حدثني به بعض إخواني أنه كان في بعض المنازل المصاقبة له هوىً ، وكان في المنزلين موضع مطلع من أحدهما على الآخر ، فكانت تقف له في ذلك الموضع ، فتُسلم عليه ويدها ملفوفة في قميصها . فخاطبها مُستخبرًا لها عن ذلك فأجابته : إنه ربما أُحسَّ من أمرنا شيء فوقف لك غيري فسلّم عليك ، فرددّتَ عليه ... فهذه علامة بيني وبينك ، فإذا رأيتَ يدًا مكشوفة تشير نحوك بالسلام فليست يدي ، فلا تجاوب . صـ 79 فإني رأيتُ الحرب يعلو اشتعالُها .. ومبدؤها في أول الأمر ملعبُ وللحيّة الرقشاء وَشْيٌ ولونُها .. عجيبٌ وتحت الوشي سمٌّ مُركّبُ وإن فِرَندَ السيف أعجبُ منظرًا .. وفيهِ إذا هُزّ الحِمامُ المُذرّبُ صـ 81 وما ذاقَ عزّ النفس من لا يُذلُّها .. ولا التذّ طَعمَ الرّوح من لا يَنصَبُ وُرودك نغبَ الماء من بعد ظمأةٍ .. ألذُّ من العلِّ المكينِ وأعذبُ صـ 82 قال في باب البَيْن : وقد علمنا أنه لا بُدّ لكُل مُجتَمع من افتراق ، ولكل دانٍ من تَناء ، وتلك عادةُ الله في العباد والبلاد ، حتى يَرِث الله الأرضَ ومَن عليها وهو خير الوارثين . وما شيء من دواهي الدنيا يعدل الافتراق ، ولو سالت الأرواح به فضلًا عن الدموع كان قليلًا . وسمع بعضُ الحكماء قائلًا يقول : الفراقُ أخو الموت ، فقال : بل الموتُ أخو الفراق . صـ 99 ثم بَيْن مَنعٍ من اللقاء وتحظير على المحبوب من أن يراه مُحبه ، فهذا _ ولو كان مَن تحبه معك في دار واحدة _ فهو بَيْنٌ ، لأنه بائن عنك ، وإنّ هذا لَيولّد من الحزن والأسف غيرَ قليل ، ولقد جرّبناه فكان مُرّا . صـ 100 ويقع في هذين الصنفين من البَيْن والوداع ، أعني رحيل المُحب أو المحبوب . وإنه لَمن المناظر الهائلة والمواقف الصعبة التي تُفتَضَح فيها كل عزيمة ماضي العزائم ، وتُذهِبُ قوة كل ذي بصيرة ، وتسكب كلَّ عين جَمود ، ويظهر مكنون الجَوى ... ولَعمري لو أنَ ظريفًا يموتُ في ساعة الوداع لكان معذورًا إذا تفكّر فيما يحلُّ به بعد ساعة انقطاع الآمال ، وحلول الآجال ، وتبدّل السرور بالحزن . وإنها ساعة ترقّ القلوبَ القاسية ، وتُلين الأفئدة الغِلاظ . وإنّ حركة الرأس وإدمان النظر والزفرة بعد الوداع لهاتكةٌ حجاب القلب . صـ 103 وهل هجس في الأفكار أو قام في الظنون أشنع وأوجع من هجرِ عِتاب وقع بين مُحبَّين ، ثم فَجَأتْهُما النوى قبل حلول الصُّلح وانحلال عُقدة الهجران ، فقاما إلى الوداع وقد نُسيَ العِتاب ، وجاء ما طَمَّ عن القُوى وأطارَ الكرى . صـ 104 وأعرف مَن أتى ليودّع محبوبه يوم الفراق فوجَده قد فات ، فوقف على آثاره ساعة وتردَّد في الموضع الذي كان فيه ثم انصرف كئيبًا مُتغيّر اللون كاسفَ البال ، فما كان بعد أيام قلائل حتى اعتلّ ومات ، رحمه الله . وإنّ للبَيْن في إظهار السرائر عملًا عَجَبًا : ولقد رأيتُ مَن كان حُبه مكتومًا وبما يجدُ فيه مُستترًا حتى وقع حادثُ الفراق فباح المكنون وظهر الخفي . صـ 105 وعنّي أُخبرك أنّي أَحدُ مَن دُهي بهذه الفادحة وتعجّلتْ له هذه المصيبة ، وذلك أنّي كنتُ أشدُّ الناس كَلَفًا وأعظمهم حُبًا بجارية لي ، كانت فيما خلا اسمها نُعم . وكانت أُمنيةَ المتمنّي وغاية الحسن خَلْقًا وخُلُقًا وموافقةً لي ، وكنتُ أبا عُذْرِها ، وكنّا قد تكافأنا المودّة ، ففجعتني بها الأقدارُ ، واخترمتها الليالي ومرُّ النهار ، وصارت ثالثة التُراب والأحجار ، وسنّي حين وفاتها دون العشرين سنة ، وكانت هي دوني في السنّ ، فلقد أقمتُ بعدها سبعةَ أشهرٍ لا أتجرّد عن ثيابي ولا تفترُ لي دمعة على جُمود عيني وقِلّة إسعادها ؛ وعلى ذلك فوالله فما سَلَوتُ حتى الآن ، ولو قُبِل فداءٌ لفديتُها بكُلِّ ما أملك من تالدٍ وطارِفٍ ، وببعض أجزاء جسمي العزيزة عليَّ مسارعًا طائعًا ، وما طاب لي عيشٌ بعدها ، ولا نسيتُ ذِكرَها ، ولا أنِستُ بسواها ، ولقد عَفّى حُبّي لها على كلِّ ما قبله ، وحَرّمَ ما كان بعده ، ومما قلتُ فيها : مُهذّبةٌ بيضاء كالشمس إن بَدَتْ ... وسائرُ رَبّاتِ الحجالِ نُجومُ أطار هواها القلبَ عن مستقرِّهِ ... فبعدَ وقوعٍ ظلَّ وهو يَحومُ . صـ 106 واختلف الناس في أي الأمرين أشدّ : البَين أم الهَجر ؟ وكلاهما مُرتقًى صعبٌ وموتٌ أحمرٌ وبَليّة سوداء وسَنَةٌ شهباء ، وكلٌّ يستبشع من هذين ما ضادَّ طبعَهُ . فأما ذو النفس الأبيّة ، الحنّانة الألوف الثابتةِ على العهد ، فلا شيء يعدل عنده مصيبةَ البَيْن ، لأنه أتى قصدًا ، وتعمّدته النّوائب عَمدًا ، فلا يجدُ شيئًا يسلي نفسه ؛ ولا يُصرّف فكرتَه في معنى من المعاني إلا وجد باعثًا على صبابته ومُحرّكًا لأشجانه ، وعلّةً لألمه ، وحجّة لوجده وحاضًّا على البُكاء على إلفه . وأمّا الهجر فهو داعيةٌ السلوّ ورائدُ الإقلاع . وأما ذو النفس التوّاقة الكثيرة النزوع والتطلّع القلوقِ العزوفِ فالهجرُ داؤهُ وجالبُ حَتْفِه ، والبَيْن له مَسلاةٌ ومَنساةٌ . وأما أنا فالموتُ عندي أسهلُ من الفراقِ ، وما الهجرُ إلا جالبٌ للكَمَد فقط ، ويوشِكُ إن دام أن يُحدثُ إيغارًا . صـ 107 والبين أبكى الشعراء على المعاهد فأدرّوا على الرسوم الدموع ، وسقوا الديار ماء الشوق ، وتذكروا ما قد سلف لهم فيها فأعولوا وانتحوا ، وأحيتِ الآثار دفينَ شوقهم فناحوا وبَكوا . صـ 109 شيء رأيتُه ورآه غيري معي : أن رجلًا من إخواني جَرَحه مَن كان يُحبّه بمُدية ، فلقد رأيتُه وهو يُقبّل مكان الجرح ويُفدّيه مرّة بعد مرّة ، فقلتُ في ذلك : يقولون شجّكَ مَن همْتَ فيه .. فقلتُ لعمري ما شجّني ولكنْ أحسّ دمي قربَه .. فطار إليه ولم ينثَنِ فيا قاتلي ظالمًا مُحسنًا ... فَدَيتُك من ظالمٍ مُحسنِ صـ 111 وأخبرني بعض إخواني عن سليمان بن أحمد الشاعر أنه رأى ابن سهل الحاجب بجزيرة صِقلية ، وذكر أنه كان غاية في الجمال ، فشاهده يومًا في بعض المتنزهات ماشيًا ، وامرأة خلفه تنظر إليه ، فلما بَعُد أتت إلى المكان الذي قد أثَّر فيه مشيه فجعلت تُقبّله وتلثُم الأرض التي فيها أثر رجله . صـ 112 وإنما النساء رياحين متى لم تُتعاهد نقصت ، وبُنيّة متى لم يُهتبل بها استهدمت ، ولذلك قال مَن قال : إنّ حُسن الرجال أصدق صدقًا وأثبتُ أصلًا وأعتق جودة لصبره على ما لو لقي بعضه وجوه النساء لتغيرت أشدّ التغيير مثل الهجير والسموم والرياح واختلاف الهواء وعدم الكِنّ . صـ 126 وعنّي أُخبرك أنّي جُبلتُ على طبيعتين لا يهنأني معهما عيشٌ أبدًا ، وإني لأَبرمُ بحياتي باجتماعهما وأودُّ التثبّت من نفسي أحيانًا لأفقد ما أنا بسببه من النّكَد من أجلهما وهما : وفاء لا يشوبه تلوّن ، قد استوت فيه الحضرة والمغيب ، والباطن والظاهر ، تولّده الأُلفة التي لم تَعزف بها نفسي عما دَرِبَتْهُ ، ولا تتطلع إلى عَدَم مَن صَحِبتهُ ، وعزّة نفس لا تقرُّ على الضيم ، مهتمّة لأقل ما يَردُ عليها من تغيّر المعارف ، مؤثرة للموت عليه ؛ فكل واحدة من هاتين السجيتين تدعو إلى نفسها ، وإني لأُجْفى فأحتملُ ، وأستعمل الأناةَ الطويلة ، والتلوّم الذي لا يكادُ يُطيقُه أحد ، فإذا أفرط الأمر وحَميت نفسي تصبّرتُ وفي القلب ما فيه . صـ 128_129 قديمًا ورد : " مَن وُقِي شرّ لَقْلَقِه وقَبْقَبه وذَبْذَبِهِ فقد وُقِي شرّ الدنيا بحذافيرها " واللقلق : اللسان ، والقبقب : البطن ، والذبذب : الفرج . صـ 136 وإنّي رأيتُ الناس يغلطون في معنى هذه الكلمة ، أعني "الصلاح" غلطًا بعيدًا . والصحيح في حقيقة تفسيرها أنّ الصالحة من النساء هي التي إذا ضُبِطت انضبطت ، وإذا قُطعت عنها الذرائع أمسكت ، والفاسدة هي التي إذا ضُبطت لم تنضبط ، وإذا حيل بينها وبين الأسباب التي تسهّل الفواحش تحيَّلت في أن تتوصل إليها بضروب من الحِيَل ، والصالح من الرجال مَن لا يُداخل أهلَ الفسوق ولا يتعرض للمناظر الجالبة للأهواء ، ولا يرفع طرفه إلى الصور البديعة التركيب ، والفاسقُ مَن يُعاشر أهل النقص ، وينشر بصره إلى الوجوه البديعة الصنعة ، ويتصدّى للمشاهد المؤذية ، ويُحب الخلوات المُِهلكة . صـ 137 وشيء أصفه لك تراه عِيانًا : وهو أنّي ما رأيتُ قط امرأة في مكان تحُِسُّ أن رجلًا يراها أو يسمع حسّها إلا وأحدثت حركة فاضلة كانت بمعزل ، وأتتْ بكلام زائد كانت عنه في غُنية ، مُخالِفَيْن لكلامها وحركتها قبل ذلك ..، والرجال كذلك [إنْ] أحسّوا بالنساء . وأما إظهار الزينة وترتيب المشي واصطناع المَرَح عند خطور المرأة بالرجل واجتياز الرجل بالمرأة فهذا أشهر من الشمس في كل مكان . والله عز وجل يقول { قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم } صـ 138 قال تقدّست أسماؤه { ولا يضربن بأرجلهن ليُعلم ما يُخفين من زينتهن } فلولا علم الله عزّ وجل بدقّة إغماضهن في السعي لإيصال حبهن إلى القُلوب ، ولُطف كيدهن في التحيُّل لاستجلاب الهوى ، لما كشف الله عن هذا المعنى البعيد الغامض الذي ليس وراءه مرمى ، وهذا حدُّ التعرّض ، فكيف بما دونه ؟ ولقد اطّلعتُ من سرّ معتقد الرجال والنساء في هذا على أمر عظيم ، وأصلُ ذلك أنّي لم أحسن قط بأحد ظنّـًا في هذا الشأن ، مع غَيْرة شديدة رُكّبت فيَّ ..، وقد قال رسول الله ﷺ (الغيرة من الإيمان) . فلم أزل باحثًا عن أخبارهن كاشفًا عن أسرارهن ، وكُنّ قد أنِسن منّي بكتمان ، فكُنّ يُطلعنني على غوامض أمورهن . ولولا أن أكون منبّهًا على عورات يُستعاذ بالله منها لأوردتُ من تنبّههن في الشرّ ومكرهن فيه عجائب تُذهل الألباب . صـ 138 وقال رحمه الله يبرّئ ساحته من الحرام والزنا : وإنّي لأعلمُ هذا وأتيقّنه (أي خفايا النساء وأسرارهن) ومع هذا يعلمُ الله _وكفى به عليمًا_ أنّي بريء الساحة ، سليم الأديم ، صحيحُ البَشَرة ، نقّي الحُجْزة ، وإنّي أقسم بالله أجلّ الأقسام أنّي ما حَلَلْتُ مِئزري على فرجٍ حرام قطّ ، ولا يُحاسبني ربّي بكبيرة الزنا مذ عقلتُ إلى يومي هذا ، والله المحمود على ذلك ، والمشكور فيما مضى ، والمُستعصَمُ فيما بقي . صـ 139 وقد ذكر أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي في كتاب "اللفظ والإصلاح" أنّ إبراهيم النظّام راس المُعتزلة ، مع علوّ طبقته في الكلام ، وتمكُّنه وتحكُّمه في المعرِفة ، تسبب إلى ما حرّم الله عليه من فتى نصراني عشِقَه بأنْ وضع له كتابًا في تفضيل التثليث على التوحيد ، فيا غوثاه ؟! عياذك يا رب من تولُّج الشيطان ووقوع الخِذلان . صـ 144 وقد يعظم البلاء وتكلَبُ الشهوة ، ويهون القبيح ، ويرقّ الدين حتى يرضى الإنسان في جنب وصوله إلى مراده بالقبائح والفضائح ، كمثل ما دهم عبيد الله بن يحيى الأزدي المعروف بابن الجزيري ، فإنه رضي بإهمال داره وإباحة حريمه ، والتعرّض بأهله طمعًا في الحصول على بُغيته من فتًى كان عَلِقَه ، نعوذ بالله من الضلال ونسأله الحياطة وتحسين آثارنا وإطابة أخبارنا ، حتى لقد صار المسكين حديثًا تُعمرُ به المحافل ، وتُصاغ فيه الأشعار ، وهو الذي تسميه العرب الديّوث ..، ولعمري إنّ الغَيْرة لتوجد في الحيوان بالخِلقة ، فكيف وقد أكّدتها عندنا الشريعة ، وما بعد هذا المُصاب مُصاب . صـ 145 ومما يدل على شُنعة الزنا ..، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصاب في زمانه ناسًا من هُذيل ، فخرجت جارية منهم ، فخرج رجل يُريدها عن نفسه فرمته بحجر فقَضَّتْ كَبِدَه . فقال عمر : هذا قتيلُ الله والله لا يَودى أبدًا . صـ 155 وصلى الله تعالى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ] |
| الساعة الآن 09:08 AM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
استضافة وبرمجة