![]() |
الذين اغتروا حتى الهلاك .... (1) السامرى
الحمد لله الذى أنزل الكتاب و لم يجعل له عوجاً, و ضرب لنا من كل شئٍ مثلاً لنذَّكر فأبى أكثر الناس إلا كفورا؛ لا يزال كتاب الله العزيز يدهشنا بكمال اشتماله, و يسقينا من أنهار حكمته و يسوق لنا أمثلة و عبر بإعجاز يتجدد حينا و يتكرر حينا حتى قيام الساعة, فمن فطن و اعتبر فاز فى الدنيا و الآخرة, و من عمى و نفر خاب و خسر, و ما فرط رب العزة فى الكتاب من شئٍ حتى أنه جل و علا قد تحدث عن أنواعٍ من البشر اغتروا بنعمته عليهم فهلكوا, و لم تكن لهم فئةٌ تنصرهم من دونه و ما كانوا منتصرين, و لم يذكرهم رب العزة جل و علا لقص القصص, بل للإعتبار و التدبر "فاقصص القصص لعلهم يتفكرون" ( 176 ) الأعراف, فمنهم من غره ذكاؤه و فطنته, و منهم من غرته قوته و جسده, و منهم من غرته جرأته و إقدامه, و منهم من غره كنوزه و أمواله, و منهم من غره قومه و قبيلته, و منهم من غرته سطوته و سلطته, و منهم من غره ماله و وولده, و منهم من غره دينه و قربه, بيد أن العبرة المرجوة هى كيف تشكر الله تعالى على نعمته عليك, و تقر له بأنها من عنده و ليست من صنع يديك, ثم أين و كيف تضع نعمته عليك كى لا تكون عليك فتنةً و وبالاً, و المؤمن كيسُ فطن, و الكيس من دان نفسه قبل أن يدان متذكراً موقفاً عظيماً سيقف فيه بين يدى رب العزة, وصفه تعالى بنفسه فى آية واحدة:"و عنت الوجوه للحى القيوم و قد خاب من حمل ظلما" (111) طه
السامرى: "وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ "(50) البقرة و تبدأ هذه القصة عندما شق الله البحر فتجاوزه نبى الله موسى عليه السلام بمن معه من بنى إسرائيل ثم أغرق فرعون و جنوده و هم ينظرون. "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(139)" الأعراف فلما تابعوا المسير أتوا على قوم يعبدون الأصنام, و فى أول موقف – مثلما أوضحت الآية - بعدما رأوا بأعينهم معجزات الله, سألوا موسى أن يجعل لهم صنماً كما لهم أصناماً, و كأنهم نسوا كل ما حدث لهم من ظلم و اضطهاد, و كل ما رأوه من آيات الله تعالى و البينات, فأرادوا هدر معاناتهم و سنين أعمارهم سدى, فرد عليهم موسى إنكم قومٌ تجهلون, و أن هؤلاء القوم ضالون؛ ..... و لكن السامرى أسرها فى نفسه و لم يبدها لهم إلى حين ........ "وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)" الأعراف ثم ذهب نبى الله موسى إلى ميقات ربه تاركا خلفه بنى إسرائيل مستخلفا أخاه هارون عليهم. "قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ (88)" طه بدأ السامرى يضع نعمة الله عليه فى غير موضعها فقال لهم إن الذهب الذى كنتم قد اقترضتموه من أهل مصر, و خرجتم به ليس حقاً لكم, إذ كان ينبغى عليكم إرجاعه إلى أصحابه, فألقوه فى النار علكم تتطهرون؛ فلما فعلوا ألقى السامرى حفنة من تراب من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام, و كان قد رأى أن موضع الحافر ينبت خضراً- أى يحيى الأرض الميتة, فأخرج عجلاً جسداً من ذهب – و قد ذكر القرآن كلمة جسد بغرض الهيئة بلا روح كقوله تعالى: "وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)" ص , و كقوله تعالى: "وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8)" الأنبياء – فكان الجسد له خوار, و قيل أيضا أن السامرى صنعه بحيث أن الهواء إذا دخل من مؤخرتهِ خرج من فمه بصوتٍ كالخوار, فى كل الأحوال فإن حجته كانت واحدة...... و من فورهم أشربوا العجل فى قلوبهم, إذ أن كل مارأوا من أصنام قبل هذا كان حجارةً صامتةً, و ظنوا أن العجل سيرفع من شأنهم بين الوثنيين لخواره, و من هول المفاجأة هم الذين قالوا هذا إلهكم و إله موسى؛ و لا ريب أن السامرى نفسه فاجأته النتيجة, إذ أن الأمر جديد, و ليس له سابقة فعل تؤيد نجاحه, فلم يشأ السامرى أن يخبرهم بما وقع منه انتشاءً و كبراً, فأنسته النشوة و لذة النجاح إيمانه و تحذير موسى عليه السلام من الشرك و الكفر. قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) طه و هنا كانت المفاجأة الكبرى, إن جواب السامرى غير متوقع إطلاقاً كما أنه ليس له قطعاً أى مبرر, إنه لم يجادل أبداً فى ألوهية الله عز و جل, و لم يدَّعِ النبوة منافسة لموسى عليه السلام, و لم يأخذ الذهب لنفسه, بل إنه حتى لم يطلب الكِهانة, ثم لم تكن حجته إلا أنه فقط إغترَّ بذكائه حيث أنه فطن لما لم يفطنوا إليه, و غلبت عليه نفسه إلا أن تظهره, فأضل –قيل- ستمائة ألف من بنى إسرائيل, و قيل أن من ثبت مع هارون عليه السلام حوالى إثنتى عشر رجلا فقط. إن نعمة الذكاء من أفضل النعم بل إنها قد ترفع صاحبها إلى مكان لم يكن ليدركه بنسبه و لا بعمله, و لكنه وضعها مغتراً بها فى معصية الله فأهلكته, و حملت عليه من الوزر ما لا يطيقه؛ ثم أنه خرج إلى البرية يقول لا مساس حتى هلك فما استفاد منها بعد يومه هذا, ....... كم من سامرى مضى و كم من سامرى بيننا و كم من سامرى آت........ فلا تغتروا بهم. عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ] |
| الساعة الآن 08:22 AM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
استضافة وبرمجة