منتدى روضة القرآن

منتدى روضة القرآن (http://rawdatelquran.com/vb/index.php)
-   عامة________مواضيع عامة في كل المجالات __________ عامة (http://rawdatelquran.com/vb/forumdisplay.php?f=372)
-   -   وقفات مع سورة الكوثر (http://rawdatelquran.com/vb/showthread.php?t=84409)

ربيع الفردوس الاعلى و روضة القران 2nd September 2015 12:41 PM

وقفات مع سورة الكوثر
 
بسم الله الرحمن الرحيم

هذه أيها الأحبة مقالة جديدة لشيخنا أبي عبد الله حمزة النايلي ( وفقه الله)، نفعنا الله وإياكم بها.

وقفات مع سورة الكوثر

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على أشرف المرسلين،نبينا محمد و على آله،وصحبه أجمعين.
أما بعد:
إنَّ الاهتمام بكتاب رب البريات تلاوة وتدبرا و عملا أيها الإخوة والأخوات هو من أشرف وأفضل ما تعمر به الأوقات، وتُصرف فيه الساعات، يقول ابن الجوزي – رحمه الله- :"لما كان القرآن العزيز أشرف العلوم كان الفهم لمعانيه أوفى الفهوم لأن شرف العلم بشرف المعلوم ".زاد المسير ( 1/ 3)
لذا أحببت أيها الأفاضل أن أقف معكم في هذا المقال القصير مع سورة كريمة من كتاب العزيز القدير، هي سورة مع قلة آياتها إلا أنها عظيمة النفع وغزيرة الفوائد، ألا وهي:"سورة الكوثر" يقول شيخ الإسلام ابن تيمية– رحمه الله- :" ما أجلها من سورة وأغزر فوائدها على اختصارها ".مجموع الفتاوى ( 16 /526)
أنقل لكم فيه بإيجاز بعض ما جاء في تفسيرها عن أئمتنا الأعلام، لعل الكريم المنان يجعلنا و إياكم ممن يتدبر ويعمل بالقرآن لأن هذه هي الغاية الحميدة التي من أجلها أنزله العزيز الرحمن، يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله- :" أنزل الله القرآن ليُتدبر ويُتفكر فيه ويعمل به، لا لمجرد تلاوته مع الإعراض عنه ". مفتاح دار السعادة (1/187)
فأقول أيها الكرام بعد الاستعانة بالعزيز العلام :
سورة الكوثر : عدد آياتها ثلاث.
يقول الإمام ابن كثير - رحمه الله - :" وهي مدنية ، وقيل مكية ". تفسير ابن كثير (4/ 557)
قال جلَّ وعلا: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ )[ الكوثر: 1].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- :"تدل هذه الآية على عطية كثيرة صادرة عن معط كبير غني واسع ". مجموع الفتاوى ( 16 / 529)
لقد وقع الخلاف بين العلماء أيها الأحبة الكرام في معنى الكوثر في الآية، وقد ذُكر في ذلك عدة أقوال، يقول الإمام الطبري – رحمه الله- :" وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي، قول من قال: هو اسم النهر الذي أُعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، وصفه الله بالكثرة، لعِظَم قدره.
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك، لتتابع الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك كذلك". تفسير الطبري (30/323)
ويؤيد ما قاله الإمام الطبري – رحمه الله- أيها الأفاضل ما جاء عن أنس – رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"أَتَدْرُونَ ما الْكَوْثَرُ ؟ فَقُلْنَا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قال :" فإنه نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عز وجل عليه خَيْرٌ كَثِيرٌ هو حَوْضٌ تَرِدُ عليه أُمَّتِي يوم الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ ". رواه مسلم (400)
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- :"والمقصود أن الكوثر نهر في الجنة،وهو من الخير الكثير الذي أعطاه الله رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، وهذا غير ما يعطيه الله من الأجر الذي هو مثل أجور أمته إلى يوم القيامة،فكل من قرأ وعلم أو عمل صالحا أو علم غيره أو تصدق أو حج أو جاهد أو رابط أو تاب أو صبر أو توكل أو نال مقاما من المقامات القلبية من خشية وخوف ومعرفة وغير ذلك، فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر ذلك العامل والله أعلم ". مجموع الفتاوى ( 16 / 531)
ثم قال سبحانه : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [ الكوثر :2].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- :"أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين،وهما الصلاة والنسك الدالتان على القُرب والتواضع والافتقار وحسن الظن ،وقوة اليقين، وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عدته، وأمره وفضله وخلفه عكس حال أهل الكبر والنفرة، وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة في صلاتهم إلى ربهم يسألونه إياها، والذين لا ينحرون له خوفا من الفقر وتركا لإعانة الفقراء وإعطائهم، وسوء الظن منهم بربهم ". مجموع الفتاوى ( 16 / 531)
ويقول الإمام ابن كثير – رحمه الله- :" أي: كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهرُ - الذي تقدم صفته- فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونَحْرَك، فاعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له". تفسير ابن كثير (4/ 559)
ويقول الشيخ السعدي – رحمه الله- :" ولما ذكر منته عليه، أمره بشكرها فقال: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } خص هاتين العبادتين بالذكر، لأنهما من أفضل العبادات وأجل القربات.
ولأن الصلاة تتضمن الخضوع في القلب والجوارح لله، وتنقلها في أنواع العبودية، وفي النحر تقرب إلى الله بأفضل ما عند العبد من النحائر، وإخراج للمال الذي جبلت النفوس على محبته والشح به". تفسير السعدي ( ص936)
ثم قال تعالى : (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) [ الكوثر :3].
يقول الإمام الطبري – رحمه الله- :" يعني بقوله جل ثناؤه:( إِنَّ شَانِئَكَ ) إن مبغضك يا محمد وعدوك( هُوَ الأبْتَرُ ) يعني بالأبتر: الأقلّ والأذلّ المنقطع دابره، الذي لا عقب له". تفسير الطبري (30/328).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- :"فإنه سبحانه وتعالى بتر شانئ رسوله من كل خير، فيبتر ذكره وأهله وماله فيخسر ذلك في الآخرة، ويبتر حياته فلا ينتفع بها ولا يتزود فيها صالحا لمعاده، ويبتر قلبه فلا يعي الخير ولا يؤهله لمعرفته ومحبته والإيمان برسله ، ويبتر أعماله فلا يستعمله في طاعة، ويبتره من الأنصار فلا يجد له ناصرا ولا عونا، ويبتره من جميع القرب والأعمال الصالحة فلا يذوق لها طعما ولا يجد لها حلاوة وإن باشرها بظاهره فقلبه شارد عنها،وهذا جزاء من شنأ بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ورده لأجل هواه أو متبوعه أو شيخه أو أميره أو كبيره، كمن شنأ آيات الصفات وأحاديث الصفات وتأولها على غير مراد الله و رسوله منها، أو حملها على ما يوافق مذهبه ومذهب طائفته أو تمنى أن لا تكون آيات الصفات أُنزلت،ولا أحاديث الصفات قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم".مجموع الفتاوى ( 16 / 526)
لذا أيها الأحبة الكرام فإن نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام لا يضره أبدا من يستهزأ به أو بما جاء به من عند الكريم العلام لأن العزيز العظيم قد تكفل بنصرة نبيه الكريم و دينه القويم، حيث قال الجبار العليم: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) [ الحجر : 95]
يقول الشيخ السعدي – رحمه الله- : " أي المستهزئين بك وبما جئت به وهذا وعد من الله لرسوله، أن لا يضره المستهزئون، وأن يكفيه الله إياهم بما شاء من أنواع العقوبة وقد فعل تعالى فإنه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قتلة". تفسير السعدي (ص 435)
وفي الختام أيها الأفاضل هذا ما تيسر لي جمعه في تفسير هذه السورة العظيمة التي احتوت كما مر معنا على فوائد عظيمة ومعاني جليلة جدير بكل مسلم أن يقف عندها ، وينبغي عليه أيضا أن يعتني كذلك بالتلاوة والتدبر و العمل بكل ما جاء في كتاب العزيز الغفور الذي هو حياة للقلوب وسكينة للنفوس وشفاء لما في الصدور، يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله- : "فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية وهو محتاجا إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة ولو ليلة ، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن ،وهذه كانت عادة السلف: يردد أحدهم الآية إلى الصباح وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قام بآية يرددها حتى الصباح وهي قوله: ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) [ المائدة :118] فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب ". مفتاح دار السعادة ( 1 / 187)
وينبغي عليه كذلك أن يستحضر دائما عند تلاوته للقرآن أن ما يقرأه ليس من كلام البشر و إنما هو من كلام العزيز المقتدر ، يقول الإمام أحمد بن عبد الرحمن ابن قدامة المقدسي – رحمه الله- (689هـ):"وينبغي لتالي القرآن العظيم أن ينظر كيف لطف الله تعالى بخلقه في إيصال معاني كلامه إلى أفهامهم، وأن يعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر، وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه ويتدبر كلامه، فإن التدبر هو المقصود من القراءة، وإن لم يحصل التدبر إلا بترداد الآية، فليرددها". مختصر منهاج القاصدين (ص 46).
فالله أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه ومن ذلك الاعتناء والعمل بالقرآن ، وأن يُجنبنا كل ما فيه حرمان ويؤدي إلى الخسران ، فهو سبحانه ولي ذلك والعزيز الرحمن.

وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


أبو عبد الله حمزة النايلي


عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]


الساعة الآن 10:57 AM.

Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd استضافة وبرمجة