بسم الله الرحمن الرحيم
هذه أيها الأحبة مقالة جديدة لشيخنا أبي عبد الله حمزة النايلي (وفقه الله)، نفعنا الله وإياكم بها.
الحثُّ على الإكثار من الصيَّام في شهر اللَّه الحرام
الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على أشرف المرسلين،نبينا محمد و على آله،وصحبه أجمعين.
أما بعد:
إنَّ شهر المحرَّم أيها الإخوة والأخوات من الأشهر التي لها مكانة عند رب الأرض والسموات، فهو موسم لفعل الطاعات وفرصة للمسلم ليتزود من الخيرات، وهو أول شهور السنة الهجرية وهو كذلك من أشهر الله الحُرم التي عظمها رب البرية، يقول الله جل وعلا : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [ التوبة : 36].
يقول الإمام القرطبي – رحمه الله- :" ( فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) بارتكاب الذنوب، لأن الله سبحانه إذا عظم شيئا من جهة واحدة صارت له حرمة واحدة،وإذا عظمه من جهتين أو جهات صارت حرمته متعددة،فيضاعف فيه العقاب بالعمل السيء كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح، فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام، ومن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال ". تفسير القرطبي ( 8/ 134)
وقد بَيَّنَت ووضَحت لنا سُنة خير المرسلين عليه أفضل الصلاة والتسليم الأشهر الحـُرم التي ذكرها رب العالمين، فعن أبي بكرة الثقفي – رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إِنَّ الزَّمَانَ قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يوم خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا منها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الذي بين جُمَادَى وَشَعْبَانَ". رواه البخاري (3025) ومسلم (1679) واللفظ له.
يقول الإمام النووي- رحمه الله- :"وأما قوله صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الزَّمَانَ قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يوم خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) فقال العلماء :معناه أنهم في الجاهلية يتمسكون بملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم في تحريم الأشهر الحرم وكان يَشق عليهم تأخير القتال ثلاثة أشهر متواليات، فكانوا إذا احتاجوا إلى قتال أَخروا تحريم المحرَّم إلى الشهر الذي بعده وهو صفر، ثم يؤخرونه في السنة الأخرى إلى شهر آخر، وهكذا يفعلون في سنة بعد سنة حتى اختلط عليهم الأمر، وصادفت حجة النبي صلى الله عليه وسلم تحريمهم وقد تطابق الشرع وكانوا في تلك السنة قد حرَّموا ذا الحجة لموافقة الحساب الذي ذكرناه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الاستدارة صادفت ما حكم الله تعالى به يوم خلق السماوات والأرض ". الشرح على صحيح مسلم ( 11 /168)
ويقول الحافظ ابن حجر- رحمه الله- :"قيل:الحكمة في جعل المحرَّم أول السنة،أن يحصل الابتداء بشهر حرام، ويُختم بشهر حرام، وتتوسط السنة بشهر حرام، وهو رجب ،وإنما توالى شهران في الآخر لإرادة تفضيل الختام، والأعمال بالخواتيم ". فتح الباري ( 8/ 108)
وإنَّ من الأعمال الجليلة التي يُحبها العزيز العلام وينبغي على المسلم أن يحرص عليها في شهر الله الحرام أيها الأحبة الكرام الإكثار من الصيام،فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ ". رواه مسلم ( 1163)
يقول الإمام النووي – رحمه الله- :"تصريح بأنه – أي شهر المحرَّم- أفضل الشهور للصوم وقد سبق الجواب عن إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من صوم شعبان دون المحرَّم وذكرنا فيه جوابين ، أحدهما: لعله إنما علم فضله في آخر حياته. والثاني : لعله كان يعرض فيه أعذار من سفر أو مرض أو غيرهما ".الشرح على صحيح مسلم ( 8 / 55)
ويقول الإمام ابن رجب – رحمه الله- :"وهذا الحديث صريح في أن أفضل ما تُطوع به من الصيام بعد رمضان صوم شهر الله المحرَّم، وقد يحتمل أن يراد : أنه أفضل شهر تطوع بصيامه كاملا بعد رمضان،فأما بعض التطوع ببعض شهر فقد يكون أفضل من بعض أيامه كصيام يوم عرفه، أو عشر ذي الحجة، أو ستة أيام من شوال، و نحو ذلك". لطائف المعارف فيما لمواسم العام من وظائف( ص 77)
ويقول الإمام ابن الجوزي- رحمه الله- :"قال أبو عبيد: إنما نسبه إلى الله عز وجل- والشهور كلها له - لتشريفه وتعظيمه، وكل معظم ينسب إليه . وإنما خصه بقوله : (الْمُحَرَّمُ) دون باقي المحرمات لأنه كان معروفا بذلك الاسم".كشف المشكل (3 / 597)
ومن أهمِّ أيام هذا الشهر الكريم الذي ينبغي على المسلم أن يحرص على صيامه أيها الأفاضل يوم عاشوراء – العاشر من المحرَّم- لما في صومه من فضل كثير وأجر كبير عند الكريم القدير، فعن أبي قتادة الأنصاري – رضي الله عنه- وَسُئِلَ – أي النبي صلى الله وعليه وسلم - عن صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ ؟ فقال:" يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ".رواه مسلم (1162)
يقول الإمام النووي – رحمه الله- :"اتفق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء اليوم سنة ليس بواجب ".الشرح على صحيح مسلم ( 8/4)
ويُستحب له أن يصوم معه يوم قبله أو بعده والأفضل أن يصوم معه اليوم التاسع لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رغِب في ذلك ونوى فعله لكنه صلى الله عليه وسلم توفي قبل فعل ذلك، فعن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- قال: (حين صَامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قالوا:يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّه يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فإذا كان الْعَامُ الْمُقْبِلُ إن شَاءَ الله صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ". قال – ابن عباس (رضي الله عنهما)-: فلم يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حتى تُوُفِّيَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ). رواه مسلم (1134)
يقول الإمام النووي – رحمه الله- :"قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعا لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صام العاشر ونوى صيام التاسع ،...قال بعض العلماء ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر، وفي الحديث إشارة إلى هذا، وقيل للاحتياط في تحصيل عاشوراء والأول أولى والله أعلم ".الشرح على صحيح مسلم ( 8/12)
واستَّحب بعض العلماء أيها الأفاضل صيام اليوم الحادي عشر مع التاسع والعاشر خاصة في حالة الشك في دخول الشهر حتى لا يفوت الصائم اليوم العاشر بعون العزيز القادر، يقول الإمام أحمد- رحمه الله- :"فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام، وإنما يفعل ذلك ليتيقن صوم التاسع و العاشر".المغني لابن قدامة (4/441)
ويقول الإمام أحمد - رحمه الله- أيضا :"من أراد أن يصوم عاشوراء صام التاسع والعاشر إلا أن تشكل الشهور فيصوم ثلاثة أيام، ابن سيرين يقول ذلك".اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (1/176)
أيها المسلم إنَّ مما ينبغي أن تَعلمه أن للصيام الشرعي مكانة عالية ومنزلة رفيعة عند العزيز العلام،فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" كُلُّ عَمَلِ ابن آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قال الله عز وجل: إلا الصَّوْمَ فإنه لي وأنا أَجْزِي بِهِ،يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ من أَجْلِي لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ من رِيحِ الْمِسْكِ ".رواه البخاري (5583) ومسلم (1151) واللفظ له.
يقول الإمام القرطبي – رحمه الله- :"وإنما خَصَّ الصوم بأنه له وإن كانت العبادات كلها له لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات، أحدهما:أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات. الثاني: أن الصوم سر بين العبد وبين ربه لا يظهر إلا له فلذلك صار مختصا به وما سواه من العبادات ظاهر ربما فعله تصنعا ورياء، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره، وقيل غير هذا ".تفسير القرطبي (2/274)
وله كذلك تأثير عجيب على العبد حيث يُعينه على تهذيب نفسه ويمنعه من المحرمات ويحبسه عن كثير من الشهوات، يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله- :"أما الصوم فناهيك به من عبادة تَكف النفس عن شهواتها وتخرجها عن شبه البهائم إلى شبه الملائكة المقربين، فإنَّ النَّفس إذا خُلّيت ودواعي شهواتها التحقت بعالم البهائم، فإذا كُفّت شهواتها لله ضيقت مجاري الشيطان وصارت قريبة من الله بترك عادتها وشهواتها محبةً له وإيثارا لمرضاته وتقربا إليه، فيدع الصائم أحب الأشياء إليه وأعظمها لصوقا بنفسه من الطعام والشراب والجماع من أجل ربه، فهو عبادة ولا تتصور حقيقتها إلا بترك الشهوة لله، فالصائم يدع طعامه وشرابه وشهواته من أجل ربه وهذا معنى كون الصوم له تبارك وتعالى".مفتاح دار السعادة ( 2/3)
ويتذكر الصائم بإذن أرحم الراحمين حال الفقراء والمساكين الذين لا يجدون طعاما ولا شرابا فيرق قلبه عليهم ويبذل وسعه في مدِّ يد العون إليهم،يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله- :"وأي حُسنٍ يزيد على حُسن هذه العبادة التي تكسر الشهوة وتقمع النفس وتحي القلب وتفرحه، وتزهد في الدنيا وشهواتها وترغب فيما عند الله، وتذكر الأغنياء بشأن المساكين وأحوالهم، وأنهم قد أخذوا بنصيب من عيشهم فتعطف قلوبهم عليهم، ويعلمون ما هم فيه من نعم الله فيزدادوا له شكرا، وبالجملة فعون الصوم على تقوى الله أمر مشهور فما استعان أحد على تقوى الله وحفظ حدوده واجتناب محارمه بمثل الصوم، فهو شاهد لمن شرعه وأمر به بأنه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وأنه إنما شرعه إحسانًا إلى عباده ورحمة بهم ولطفا بهم، لا بُخلا عليهم برزقه ولا مجرد تكليف وتعذيب خال من الحكمة والمصلحة، بل هو غاية الحكمة والرحمة والمصلحة، وإن شرع هذه العبادات لهم من تمام نعمته عليهم ورحمته بهم ".مفتاح دار السعادة ( 2 /3)
إنَّ مما يُميز شهر الله الحرام هذا العام أيها الأحبة الكرام أنه قد وقع في فصل يُعرف عن أهل الخير و الصلاح الحرص على اغتنامه واستغلالهم لأوقاته ألا وهو فصل الشتاء، يقول عمر - رضي الله عنه- :"الشتاء غنيمة العابدين ". مصنف ابن أبي شيبة ( 7 / 97)
لأنَّ نهاره يَقصر فيسهل على العبد الصيام وليله يطول فيُعينه على القيام، يقول الإمام ابن رجب – رحمه الله- :"فإن المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة و لا كلفة تحصل له ، من جوعٍ و لا عطشٍ، فإن نهاره قصير بارد، فلا يُحسُّ فيه بمشقة الصيام". لطائف المعارف ( ص 558)
فهو فرصة ثمينة للعبد للإكثار فيه من الصيام ، فعن عَامِر بن مسعودٍ الجمحي – رضي الله عنه- قال : قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :" الصَّوْمُ في الشِّتَاءِ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ ". رواه الإمام أحمد (4 / 335) ، وحسنه الشيخ الألباني – رحمه الله- بمجموع طرقه في السلسلة الصحيحة ( 1922)
يقول الإمام ابن رجب – رحمه الله- :"و معنى كونها غنيمة باردة أنها غنيمة حصلت بغير قتال و لا تعب و لا مشقة، فصاحبها يحوز هذه الغنيمة عفوا صفوا بغير كلفة ". لطائف المعارف ( ص 558)
فالله الله أيها الأحبة والأخيار في اغتنام ما بقي من الأوقات و الأعمار فيما يُحب الكريم الغفار ، والحرص أشد الحرص على اجتناب ما يُغضب العزيز الجبار ، يقول الإمام ابن الجوزي – رحمه الله- :" ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه ، وقدر وقته، فلا يضيع لحظة في غير قربة ، ويُقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل ". صيد الخاطر ( ص2)
والبدار البدار في اغتنام هذا الشهر الكريم والحرص على التزود فيه بكل ما يحبه العليم العظيم، فالسعيد هو من اغتنمه و الشقي من فرط فيه وضيعه ، يقول الإمام ابن رجب – رحمه الله- :" فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور و الأيام والساعات، وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات ، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات ، فيسعد بها سعادةً يَأمن بعدها من النار وما فيها من اللَّفَحَاتِ ". لطائف المعارف (ص 40)
فالله أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يُوفقنا وإياكم لكل ما يحبه ويرضاه ومن ذلك الحرص على كل أنواع الخير و البِرِّ ،وأن يُجنبنا جميعا كل ما يُبغضه ويأباه من المعاصي والذنوب وكل أنواع الشر، فهو سبحانه ولي ذلك والعزيز المقتدر.
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أبو عبد الله حمزة النايلي
المصدر...