أن يعرف المـرء قدرَه ؟ بقلم: الشَّيخ توفيق عمرونــي حفظه الله
أن يعرف المــــرء قدرَه ؟
بقلم:
الشَّيخ توفيق عمرونــي حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ من سعادة المـــرء أن يجعل الصِّدقَ شعارَه ، فيُعامل ربَّه عزَّوجلَّ بصدقٍ ، ويتعامل مع النَّاس بصدق ، ويصدُقُ مع نفسِه ، وصدقُه مع نفسه أن يعرِّفَها قدرَها ، فكما أنَّه لا يليقُ بالعَبد أن يهينَ نفسَه ويضَعها دون قدْرِها ، كذلك لا يحسُنُ به ألبتَّــةَ أن يرفَعها فوق منزلتِها ، ولا يجد في ذلكَ غَضاضَةً ولا حرجًا ، فإنَّ من متعلِّقات الإيمان بالقضاء والقَدر أن ترضَى بما قَسَمَ الله لك ، ولا تدَّعي ما ليس فيك ولا لك ، لأنَّ المتشبِّع بمَا لم يُعط كلابس ثَوْبِـــي زُور ، كما قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لذا كان منَ الحكم البليغة والكلمات المأثورة – وليست حديثًا - ، قولهم : " ما هلك امْــرُؤٌ عرفَ قدرَه " ، أو " رحمَ الله امراءًا عرفَ قدرَه فوقفَ عندَه " فوقوفُ العبد عند قدره وعدم تعدِّيه لطوره ، دليلٌ على وفرة دينِه وسلامة عقلِه ، فهلاكُ العَبد إذا أراد أن يحمِلَ النَّاسَ على أنْ يرفَعوه إلى منزلة هُو دونَها ، أو أن يجعَلوه في مرتبة هُو لا يبلغُها ، وإنَّ مَن سَلك بنفسِه هذَا المسلَكَ فقَد نادى عليها بقلَّة الإخلاص ونُدرة الصِّدق ، وعدم التَّوفيق للعَمل بالعِلم ، وابتَعد عن سبيل النَّجاة . فجديرٌ بطالب العلم المبتَدئ ألاَّ يخوض فيما لا يحسنُه إلاَّ العالم المنتَهي ، وبالحَدَث النَّاشــئ إلاَّ يتطاول على كبير السِّنِّ المتمرِّس ، وعلى اللاَّحق ألاَّ يُنكر فضلَ السَّابق ، ولا يركب المــرءُ بحر الأماني ، ولا يترسل لباس التَّعجُّل وقلَّة التَّأنِّــــي ، ويمشي بتمهُّل ورويَّة ، فإنَّ التَّدرُّج سنَّة كونيَّة وشرعيَّة ، لا يمكنُ الانفلات منها . إنَّ مَن عرفَ قدرَه وعرفَ لذي فضلَه ، فقد قرعَ بابَ التَّوفيق ، ووضعَ نفسَه على جادَّة الطَّريق ، واتَّسقَت آراؤه ، وتوافَقَت أقوالُه ، وتلاءمت أحوالهُ ، ولم تخنْه شَواهدُ الامتحان ، وفَرح بصحبَتِه كلُّ إنسان ، وصَدق مَن قال : " مَن عرَفَ قَدرَه استبانَ أمرَه " ، وأمَّا مَن لم يعرف قدرَه نفسِه فلن يعرفَ قَدْر غيرِه ، لأنَّه كما قيل : " مَن جَهِل قَدْر نفسِه ، فهُو بقَدْر النَّاس أجْهَل " ، وهو بذلك يكون قد وضَع نفسَه في الوَرطات ، ولم يجد طمأنينةً ولا راحَةَ بال ، وكثُر منه التَّناقُض والاضطراب ، ولم يستَقرَّ له رأيٌ ولا حال ، وغلبَ عليه الاستعجَال وكثرةُ الانتقال ، لا تصفُو له صحبَة ، ولا تدومُ معَه عشرة ، تنكَّب جادَّةَ الطَّريق ، فلمْ يُحالفُه التَّوفيق ، فإنْ لم يتَداركه الله برحمتِه انتهَى به الأمرُ إلى وحشة وهوان ، وباء بالخسر والحِرمان ، والله المستعان .
المصدر: افتــتاحية العدد الثَّلاثون من مجلَّة الإصلاح – الجزائر
المصدر...
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|