والعلماء يمثلون القيادة الفكرية للأمة، والقوة
الموجهة التي تحول بين الجماهير والانحراف والفساد، فإذا فقدوا فضيلة الصراحة
في
الحق والجرأة في القاء الكلمة المؤمنة الصادقة كان إيذاء ذلك
شديداً.
وكانت عاقبة ذلك دماراً للأمة ولكل معاني الخير
فيها.
فمن أجل ذلك رأيت أن أضرب بعض الأمثلة على أصالة هذا
الخلق العظيم في سيرة هذا الإمام العظيم:
ومن الأمثلة الرائعة على جرأته في الحق ومواجهته
الحكام بما يعتقد سواء وافق رغبتهم أم لم يوافق ما رواه خادمه أبو بكر بن جابر
الذي
قال:
كنت معه ببغداد، فصلينا المغرب إذ قرع الباب، ففتحتُه
فإذا خادم يقول: هذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن.
فدخلت إلى أبي داود فأخبرته بمكانه، فإذن له،
فدخل، وقعد، ثم أقبل عليه
أبو داود وقال:
- ما جاء بالأمير في مثل هذا
الوقت؟
- فقال: خلال ثلاث.
- فقال: وما هي؟
- قال:تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطناً ليرحل إليك طلبة العلم
من أقطار الأرض
فتعمر بك، فإنها قد خربت وانقطع
عنها الناس لما جرى عليها من محنة الزنج.
- فقال: هذه واحدة. هات الثانية.
- قال: وتروي لأولادي كتاب ((السنن))؟
- قال: نعم. هات الثالثة.
قال: وتفرد لهم مجلساً للرواية،فإنَّ أولاد الخلفاء لا يقعدون مع
العامة.
فقال: أما هذه فلا سبيل إليها، لأنَّ الناس شريفهم ووضيعهم في العلم
سواء.
قال ابن جابر: فكانوا يحضرون بعد ذلك ويقعدون وبينهم وبين الناس
ستر فيسمعون مع
العامة .
ويبدو أنّ الرجل كان يخترع في كيفية خياطة الملابس ما
يتلاءم وحياته، فهو قد وقف نفسه على
العلم، فكل ما يساعده من اللباس على حمل الكتب واصطحابها فهو اللباس الجيد، لأن
العلم أضحى عنده كل شيء؛
ذكروا أنه كان له كم واسع وضيق،
ولما سئل قال:الواسع للكتب والآخر لا نحتاج إليه .
وما سأله السائل عنه إلا لأنه شيء غريب لم
يؤلف.أقواله
كان الرجل حكيماً، وليس ذلك بمستغرب على من اجتمعت فيه
هذه الأوصاف التي أشرنا إليها آنفاً،
وصاحب حديث رسول الله , جدير بأن تفيض الحكمة على
لسانه.
وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له بعض هذه الجمل
المأثورة الجميلة. فمن ذلك قوله:
الشهوة الخفية حب الرئاسة"
وقوله:
"خير الكلام ما دخل الأذن بدون أذن" .
وقوله:
"من اقتصر على لباس دونٍ ومطعم دونٍ اراح جسده"
.
وهذه الأقوال وغيرها مما يدل على حكمة رصينة انتهى
إليها
بعد علم ونظر وتمرس بالحياة
الفاضلة.
ومما يدل على سيرته وعلى بصره بالعلم العملي وفقهه
الحق في الدين قوله متحدثاً عن كتابه السنن
(جمعت فيه
أربعة آلاف وثمانمائه حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه.
ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أحاديث أحدها قوله:
"الاعمال بالنيات".
وقوله : "من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
والثالث قوله : "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه
لنفسه".
والرابع قوله :"الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات"
.
[/frame]