عرض مشاركة واحدة
قديم 8th May 2013   #2
 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
قوة السمعة: 261

منايا الجنة is just really niceمنايا الجنة is just really niceمنايا الجنة is just really niceمنايا الجنة is just really niceمنايا الجنة is just really nice

افتراضي

      


(11)
وكان العلم يأتي الناس غداة، فلا يأتي وقت الأصيل إلا وقد ذاع وانتشر، ومشى فيهم وظهر، يتنافسون في رغبة في العمل به كما يتنافس أهل الدنيا دنياهم، فما كان العلم فيهم إلا محباً، ومحبوباً، وساعياً إليهم، وهم يَسْعَوْن سراعاً إليه، يزيد بالعمل، ويزيد العمل به، فكان كل واحد منها يشاطر الآخر حُسْنَه، ويركِضَه إليه، ليبقي فيه على وصله من غير ملالةٍ ولا تضجُّر، فيحرز العلم بأهله المحبية، ما يحرز أهله المحبوه منه، يقبل الواحد منهم بالمسألة على العلم يتزود منه، فلا يرضى منه ليعطيه إلا أن يرى منه حرصاً على التي عمل بها أن تظل حاضرة فيه، لِيَكبُرَ وتعظمَ عنده بغيرها، تأتيه في بكور وعشي، وفي ليل ونهار، وفي عافية وسقم، وفي سخط ورضى، فلكأنما الحب -وهو كذلك- وليدُ العلم، ولكأنما العلم صنيعهُ الحب، فلا يجد الحب مأوى له يأمنُ فيه على نفسه إلا في ثوب العلم، ولا يجد العلم مكاناً يسرد فيه فضائله الجالِبَها للناس إلا بالحب المبذول فيهم، فأين يقف العلم اليوم من أهله الأدعياء؟ وأين يكون الحب فيهم، وقد صار العلم إلى بَوار ودُوار؟ فتنافرا، وتساورا، وتحاورا، وأدار كلٍّ منهما ظهره للآخر، مشحوناً للآخر، مشحوناً بالبغضاء المرتحلة إليه بصديدها القديم الآسن، أوتيها بشعار التربص المتسربل رداءَ الكبر المحرَّق، على غير رضى إلا من الشيطان عدو المؤمن الأول، بشعاره المرقوم على قلبه وجبينه: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} و {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}.





(12)

وإذ ذلك كذلك فقد صار الحب مضغة يلفظها الشيطان من فيه، كريهة، خبيثة، سوداء، يستبقها أولئك الذين يرسمون اللحى على وجوههم ويقطعون البسمات على شفاههم، ويقبلون ويدبرون بسوءاتهم الخفية والظاهرة، مختلطة ومتمايزة في آن معاً، يقولون في أنفسهم ما لا يبدون، ولو أن لنا من علمنا ما لا يكون منه إلا ما يحور إلى سرد غرائز جديدة، نصنعها على أعيننا، تخفى ملامح الحب التي تجاهر بالأسرار المكتمة في قطع من الليل المظلم، يريدنا أن نبقى على وصل بها -على ما يكون منها لنا من خير ضئيل فاتر، ما يكون لنا أن نرضى به إلا من شحّ موصول بشحٍّ مثله، وما عهدنا بأنفسنا إلا أن نجعل من الحب بُضعة نظهرها في الناس هزيلة جاسية، وما كان للحب أن يكون ألهية تافهة تارة، تكون درة تستعصي على الغوَّاص الماهر، وتارة تكون طافيةً على سطح الماء، يسهل أخذها بيد السابح البادئ، وتارة يقذفها الموج إلى الشاطئ فيتناولها الطفل بيده الصغيرة، ويَمضي فرحاً يباهي بها أترابه.



(13)



إن الحب جوهرة نفسية ثمينة، لا تستعصي الإفادةُ منها إلى على العاجزين منها، والعجز لا يأتي من بُعدِها، ولا من غيابها، أو اشتباهها بغيرها مما قد يشبهها، هذه كلها وغيرها، ليس لها من سبيل إلى تلكم الجوهرة النَّفسية الثمينة، فتُعْجِزُ الراغِبَ فيها عنها، فالطريق إليها ميسرة سهلة لكل راغب فيها، وهي قريبة ليست بالبعيدة، إنها جزء من الفطرة الكبيرة الكامنة في نفس الإنسان، وليس في دنيا الناس شيء ينابذ الفطرة، إلا إن كانت الفطرة مخدوشة بفعل فاعل، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء» والفطرة كلها تلتقي وتجتمع في صفاء مؤتلف، وفي نقاء لا يُختلف على أُمِّها وجماعها كلها وهي فطرة الدين، فتأخذ فطرة الحب من أمها -وكأنما هي مرضعتها- قدراً يحفظ عليها سلامتها- ليظل عطاؤها كاسلاً غير منقوص، موصولاً غير مقطوع، لا يَفسُدُ على الأيام، ولا يُسْأمُ مع الأعوام.



(14)



والحب قوة محكمة البناء، ليس في وسع أي إنسان أن يقاوِمِهَا مهما بلغ من قوة، أما من كان سويَّ الفطرة، فقوته بفطرته تقوده إلى الخضوع إلى الحب، بما فيه من شوق راغب، ورغبٍ شائق.



(15)



والحب لا يستعصي على المحب إن أراده بصدق، ولا يتأبَّى عليه إن سعى إليه برغب، ولا يقتات من صديد الأعراض، حين يكون المحب باذلاً من نفسه له، أما من أراد الحب بظاهر لحن القول، ورغب عنه في باطنه، ويخادع الناس في علانيته، فذا حبٌّ لا يكاد يخطو إلى الأمام إلا ريثما يعود حسيراً، ولا يُقبل على من يريده وهو يجهلهُ إلا ريثما تبدو سوأتُه، ولا يعطي من يريد الأخذ منه، وهو يفضي إلى ضُرٍّ يبلغه بحب له.


(16)



وإذا رأيت الناس يدبرون عن الحب، وأسبابه، ودواعيه، فاعلم أنهم قد صاروا إلى أرض مُسْبعةٍ يتيه فيها الأمنُ بعد فِراره منهم، ويطير من قلوبهم الرجاءُ فيما عند ربهم، بعد أن قد كان أولاهم منه نعمة وفضلا -وبسط رداءَه السابغ عليهم، فأصابوا منه برورا، ما كان ليكون إلا من حب أنالهم من ذاته، وأنالوهم من ذواتهم.



(17)

وهم لا يدبرون عن الحب إلا من فساد أرخى ذيوله عليهم، فأعجزَهُم أن يُبْصروا طرفاً منه، إذ غَشَّي أبصارهم، أو أن يسمعوا حسيساً له، وقد أوقروا آذانهم بطنين البغضاء، أو أن يدركوا بعض آخره، وقد أثقل أرجلهم بقيود الياس أن يكونوا من أهله، فهو عطوف شفيق بمن له به ولو أدنى تعلق، فلا يرضيه قطُّ أن يتسلل أناسٌ في خفاء، ليحولوا بينه وبين أولئك الذين نشأ بينه وبينهم إلفٌ يحفل بالرضا والصفاء، والنقاء، إلا ما يعروه من بعض فتور يدركه، مما يكون من أهله، فهو لا يرضيه أن يطوف به أناس في ليلٍ أو نهارٍ، همُّهم أن يَقيئُوا من أفواههم ما كان الأولى أن يُخرجوه من أستائهم، لكنها ضاقت حتى لم تعد قادرة على إخراج شيء منها، فباتت حزينةٌ كئيبةٌ أن كرهت الحب، أو كَرهَها الحبُّ، فأصابها ما أصابها، فكانت بهم وبها عبرةٌ صارمةٌ، أوجَعَتهم، وقامت فيهم على عِدّةٍ منهم، أن يغيِّروا ما في أنفسهم، فَتُغَيِّرَ هي ما عندها، وتلك هي السُـنَّة التي أجراها الله قانوناً، لا يخالف عن الفطرة السليمة، التي أودعها الله سبحانه خلائقه كلها {إِنَّ الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.



(18)

والحب هو قطب الرحى تلتقي عنده، وتجتمع إليه العقائد والأحكام والأخلاق في غير ما تنازع، ولا تنافر، ولا تحاسد، ولا تختلف هذه جميعها، على أن الذين يصطفيهم الحب لها بنفسه هم الجديرون بأن يكونوا عَيْباتِها الحافظة الواقية لها، فهو اصطفاه لا يخطئ، ولا يكون من الحب مثله إلا لسر يعرفه فيهم، فكما أن للحديث الصحيح نوراً يهدي أهلَ الحديث إليه، فيعرفوه بسيماه، من غير نظر ولا بحث في سنده، فإن فيمن يصطفيهم الحب ليكونوا عيبات حافظة واقية للعقيدة والحكم والخلق -سراً دقيقاً، خفياً، مستوراً في سويداء القلب، يراه، ويعرفه بسيماه، فيخرجه لمن يصطفيهم أن يكونوا تلكم العيبات لتلكم الأخلاق والأحكام والعقائد، وإلا فكيف كانت ستبلغنا نحن المسلمين يوماً، محكمة قائمة، بعد أن ارتحل من الدنيا المصطفى المجتبى المرتضى من ربه سبحانه، أن يكون هو العيبة الكبرى لتلكم كلها، التي حملها صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، راغباً فيها لا عنها، باذلاً نفسه ليس ضاناً بها؟




(19)

إنه الحب الكبير الذي ما وسعه إلا ذلك القلب الكبير، العيبة التي حفظت الإسلام بكل عقائده، وأحكامه، وأخلاقه وفي الحياة وبعد الموت، لتقوم شاهداً في الناس وفي جميع الأعصار والأمصار، إن الحب هو رسالة الأنبياء جميعاً، وإن هذا الحب لا يضمر من اصطفاه الله له، إلا رغبة في بذل المعروف للناس كافة، من غير تفريق بين من يواليه بإحسانه، وبين ما ينابذه ببغضائه، أما الموالي بالإحسان فلولائه بإحسان، وأما المنبابذ بالبغضاء، فلما يكون من عطف وشفقة يبذل بهما له ما يستبين به سبيل الرشاد، فينأى الموالي عن الشوك المدمي، وخرط القتاد، ولو كان لنا نحن البشر أن نختار اسماً للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، لاخترنا له... الحب اسماً، نشتقه، أو نجمع حروفه من قوله تعالى: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}، ومن قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ}.


(20)

والحب كالمطر يأتي على انتظار أو على غير انتظار، يسقي الأرض وينبت الربيع ويَروي الظمأ، ويملأُ النفوس فرحاً ورجاءً، ويذهب باليأس القابض على صدور الجياع المحرومين، ويهتك الضباب الذي يغمر الوديان والجبال، ويمحض الآفاق من بعد والحياة رَوْحاً وبهجةً وسكينةً، وتطوف بين ظهراني الناس، تضع عنهم الآصار الثقال، وتزحزح عن صدورهم الكروب الشداد، وتمسح عن وجوههم غبرة الضراء الثقيلة.
منايا الجنة غير متواجد حالياً  

التعديل الأخير تم بواسطة منايا الجنة ; 8th May 2013 الساعة 09:28 PM.

رد مع اقتباس