عرض مشاركة واحدة
قديم 8th May 2013   #3
 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
قوة السمعة: 264

منايا الجنة is just really niceمنايا الجنة is just really niceمنايا الجنة is just really niceمنايا الجنة is just really niceمنايا الجنة is just really nice

افتراضي

      


(21)
وهكـذا الحب، الحب الذي لا يُساعي بالبغضاء،
ولا يُشاب بمزيج الكبر الصاغر وأنينه، ولا يُراد بانتقاص لذته التي جبل عليها بشيء يصرفها عنه فإنه، يصوغ النفوس صياغة تتقرَّاها الحواسُّ بجُمعها، وتطرب الآذان لها بصوتها، وتمتد لها العيون بشعاع إبصارها، وتجتمع كلها لتصنع -على تقدير دقيق من تفكير الحب وقصده وإرادته- صورة لا تقدر على مثلها الإرادات مجتمعة، إن مالت عنها إرادة الحب، إذ هي وحدها التي لا تنازع في أخذ وإعطاء.


(22)

وإذا ما رؤُي للحب مثل هذا، فإنما يكون بمنازعته إياه شيئاً من أضداده، التي لا ترجو له إلا ما يسرع إليه بالتشوه والعجز، والقعود عن القيام بالأمر الذي وكل إليه بالفطرة التي فطره الله عليها، ولولا أن منَّ الله سبحانه على الحب بما منَّ به عليه من معرفة مبصرة بالأشياء البعيدة المنال عن غيره، أن تصيبه أدواءُ السوء الباهظة، لما بقي للحب مكان على صعيد النفس، حتى لو كان لها مع الحب أمدٌ بعيد، ذلكم ان الحب لا يكون -بما فُطر عليه من رغبة في إصابة الخير حيثما كان، وأنى كان، ومتى كان- إلا مرجوا ممن له به تعلق، لا تفتأ أن تتداعى إليه الباقيات الصالحات، والراغبون فيها إذ أنهم قد عرفوا فما كانوا يبغون عنه حولاً، لذا فإن حقاً عليهم أن يُقدّموا لمن لم يعرفوا الكأس التي شربوا منها أو سُقوا منها الحب، ليعلموهم أن الحب -إذا ما ذاقوه أو شربوا من كأسه ولو قليلاً- لا يكون منهم إلا التعلق الشديد، فيكون لهم فضل كبير أنالوهموه، فلا يكون من صلاح الإيمان لهم وتمامه وحسنه، إلا بما أحبوا لإخوانهم أولئك، «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».




(23)

والحب هو العنصر القلبي الكبير، الذي لا تصلح القلوب إلا عليه، ولا تَنْفُس الأنفسُ إلا به، ولا تسمو العقول إلا منه، وعناصر القلب كلها، وأعمالها جميعها، وشذراته صغيرها وكبيرها لا تأتلف إلا عليه، ولا تزكو إلا به، ولا تشتد ولا تقوى إلا فيه لذا: فإن حقاً على من عرف فضل هذا العنصر القلبي، أن لا يدع سبباً من الأسباب التي تنتهي إليه، وهي عنده معلومة مدركة لا يمتد إليها البصر على بعد، ولا يطيل الفكر عندها على استقصاءٍ وبحث، فقد عُرف هذا العنصر وعُرف فضله، وذاق من حلاوته، فمعرفة تلك الأسباب التي تُبقي عليه، وتشد من أزره، أيسر وأسهل عليه، وانتقاص هذا العنصر حقه، أيَّ شيء من حقه، يُحدث ولا ريب خللاً ظاهراً فيه، ثم هو مُحدثٌ من بعد خللاً من كل العناصر القلبية والنفسية التي تفزع إليه في الشدة، ويكون لها حظ كبير من قوته في الرخاء، فرحاً، وراحةً، وامتلاء، وليس أضرَّ على الحب من أن يدعى أو أن يعتدى عليه بالتبعيض أو أن يتخذ ذريعة للاستحواذ على المنافع الدنيوية، وهذا صار في الناس كثيراً، حتى غدا الحب مسخاً ممقوتاً، لا يُرى إلا مهزولاً شاحباً، ولا يُسمع له إلا نشيج مرير وتأوه غائر، أو لكأنما حيل بينه وبين الناس بظلام ملبَّد كالح، يمشون إليه زرافات ووحدانا، وكلما دنوا منه أوغل في البعد عنهم، فما أصابوا إلا جهداً ضائعاً، وكلالاً ضنكاً يروحون فيه ويغدون، فأين يكون البغض من مثل هذا الحب، إن مثل هذا الحب لهو أشد بغضاً من البغض، ومن كان يرجو من مثل هذا الحب شيئاً يمرأ، فإن قراءته أمرأ في البغض وأطيب مذاقاً، فليدع الإنسان حينئذ الحبل على غاربه لنفسه، تختار بغضاً يحب مثله، أو حباً يبغض مثله، فهما متشابهان، بل متماثلان فَقَدْ فَقَدَ الحب لذته، وذهبت من البغض صَرْمَتَهُ، فخير لهذا الإنسان حينئذ أن لا يحرص على ضنك الكلال، بضائع الجهد، ولكن هيهات هيهات أن يعقل الحب بصفاء لونه وطيب ريحه، واستواء سوقه وقد ضرمت نار البغضاء في صدور الصفوة من أهل العلم والدعاة، فكانت فيهم، كأنها النار التي ألقي فيها نبي الله وخليله إبراهيم عليه السلام؟ يتقلبون فيها والأهواء أرديتهم، ويصطرخون في شوبها ومن فوقهم ومن تحتهم أوزارهم، أثداؤهم وألسنتهم ممطوطة مختلجة بالجهل، ليس يفرحهم إلا خلافهم، فأين هو عاقلهم من جاهلهم من سفيههم، لقد صاروا رماداً سافياً من نار بغضائهم. أما الحب فقد تُودع منهم وتودعوا منه وصار حلماً صفيقاً مزعجاً لهم في نومهم ويقظتهم. ألا ساء ما يحكمون!! فمتى يكون منهم أوبة إلى العلم الذي أحسن إليهم يوماً، فكرُّوا عليه بالنسيان تارة، وبالأعراض عنه تارة، وبالهجر تارة، وبالتنكر لأهله والمحسنين به تارة، إلى غير ذلك مما كان ينبغي أن يتحسس خفيُّه وعلنيُّه، من قبل أن يصير المُعلن منه خفياً، ومن قبل أن يصبح الخفيُّ غوراً سحيقاً يستحيل تحسسه.


(24)

والحب يا صاحبي ليس سُنَّةً محدثة، ولا حكماً منقطعاً، ولا عملاً مردوداً، ولا أصلاً زائلاً، إنه شريعة قائمة في الأمة إلى قيام الساعة من أخذ بها رشد، ومن وقف عند بابها سعد، ومن جعلها لنفسه ملاذاً ودعا الناس إليها استقام على الأمر.
إن الحب من أرشد العمل.
وأفضل ما تجمع الإرادة عليه.
وأحسن ما تقف عند الرواحل.
من أصاب منه آب إلى ربه بالطاعة والرضا.
ومن أفضل به على نفسه رجع به إلى هناءة القلب وطمأنينة النفس.
ومن جمعه إلى نعمة الرضا أوسع به على المحرومين.
إن الحب زينة الحلماء العقلاء، وصنعة الحكماء الأتقياء، وسند الضعفاء الأخفياء.
القنوط لا يعرف الطريق إلى قلوب المحبين.
والحزن لا يجد له مكاناً في ركائب المحبين.
ولا مكان لشوكة واحدة في باقة نسفتها أيدي المحبين.


(25)

إن الحب كُناسة قلوب الأتقياء.
ورماد حرقة نفوس الأصفياء.
وطيب عيون الخُشّع السُّجّد الرُّكَّع في ثلث الليل الآخر.
فلا تدع يا صاحبي لهذه الكُناسة فَرَقاً، فأوكِ عليها حفظك.
ولا لهذا الرماد مكاناً إلا صدرك.
وإياك إياك أن لا يكون هذا الطيب شميمَك.
فوالدَّي رفع السموات بغير عمد، وبسط الأرض وسوَّاها بلا مدد، وبرأ النسمات بلا عيٍّ، ولا كدٍّ، ليس أحسن من الحب أن يكون في قلب الإنسان، ولا أروح للنفس منه، ولا أعود على الجماعة لائتلافها عليه منه، أفلا يجدر بالعاقل أن يملأ قلبه بالحب؟ أفليس حرياً بالمؤمن أن يسارع لقطف ثمار الحب قبل أن يسرع اليأس إليه؟ هل من الحكمة أن يدع طالب العلم ضرام الحقد يحرق ثوَّار الحب في صدره من أجل فورة الشهرة المتبوتة، أو دراهم معدودة، أو تنافس لباسُهُ الحسد، وسُداه الغيظ، ولحمته غثاءُ الصدر والكبر والتهاجر المقنَّع بالأسى والتَّغايُر الكدود اللدود.


(26)

نعم: الحب لا بدَّ فيه وله من المصابرة، واحتمال المكروه على رضى بقضاء الله، وليس عجيباً أن يكون الحب أحوج للصبر عليه من كل المكاره التي تجتاح القلب، لأن ما من أمر سهلٍ أو صعبٍ، من أمر النفس أو الجسد، ومن أمور الدنيا والآخرة، إلا وله تعلق وثيق بالحب، فإن كان الأمر مما يحب فإن الإنسان يحرص عليه ويزداد به تعلقاً، وإن كان الأمر مما يكره فإن الإنسان -لحبه أن لا يكون فيه، أو أن يدركه بعض منه، أو أن يحدث له شيئاً يكرهه- يسرع إلى حبِّه يستحثه على إزالته والتخلص منه، خشية من أن يستقر فيه، ثم يصعب عليه أن يخرجه أو يزيله، بل ربما استعصى ذلك عليه فلا يكون حبه هذا مخرجة منه، فيهبط قلبه به، ويزداد ثقله عليه يوماً بعد يوم، ثم لا يجد من نفسه إلا اللواذ بالبقية الباقية من حبه ناظراً في ذلك إلى قوله سبحانه: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} ثم يسلم الله بما قضى فيه فيكون الحب والصبر دائبي التذكير له، بأن ليس له منهما إلا ما يكون من إيذان له منهما، بأن لا راد لقضاء الله فيه ويكون بذلك قد فاز بموعود الله سبحانه «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر وإن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيراً له». وبمثل هذا يكون للعبد المؤمن حظ أوفر من الحب، الذي يزيده من تعلقه بربه، والرضا بقضائه فيه، والتسليم لأمره في كل ما صار إليه، وهذا يُصيِّره إلى باب الرضوان، وعتق النفس من كل أوضارها، وعروجها في سلم العبودية، لتفنى في ذوب النور السرمدي، فتكون شيئاً -ولو يسيراً- منه، فيكون على أقرب منزلة من منازل الحقيقة، التي لا يعرفها إلا من أذن الله له أن يكون حالاً فيها بماديته، بحسناها وزيادة منها، فأيُّ عبد هو بمثل هذه العبودية المكنونة بالنور وفي النور، ليبعث يوم القيامة متجلياً بصورته المادية البشرية في أبهى النور وأسناه، وهو بها شيء منه أو كأن!


(27)

أليس من حق الحب على الناس أن يعظموه في نفوسهم، وأن يوقروه في صدورهم، وأن يتوارثوه جيلاً عن جيل، وأن يتواصلوا به فيما بينهم، وأن يكون الرجاء الذي تصَّاعدُ فيه الرقى، وأن يقيموا عليه فقههم في الدين، ينفون به عن أنفسهم الهوى والجهل، ويسعدون به حياتهم بالعلم الصحيح، من غير مراء ولا ارتياب، ويصدُّون به عنهم ما يحاك لهم في أكناف الظلام العاتي، فواالله إن للحب مذاقاً لا يدركه إلا العارفون، ولوناً لا يراه إلا المبصرون العاملون، وجرساً لذيذاً، لا يقع إلى في أسماع المحبِّين المرهفين، فهلا كان لمن نحب ونخشى عليهم الفتنة -بإعراضهم، وتسورهم بواطن الغيب، وإخلادهم إلى الوقيعة في براءات المخبتين- أن يتخذوا من الحب سلماً يرقون به في رضا الله، وميزاناً يعدلون به في الأرض التي يحثون من فوقها خطاهم، ورجاءً يسمو بهم إلى ربهم في سر وإعلان، فكم -واالله- من خير فاتهم إذ كان منهم فوت للحب، وكم -واالله- من حسن هبت رياحه عليهم فضنوا به على أنفسهم إذ ضنوا بالحب عليها، وكم -واالله- من بِرٍّ كان له جلال يمسون فيه ويصبحون، فغدوا منه على حرد، إذ كانوا على الحب لائمين، فأيما حب هذا الذي يدَّعون وفي لبه يلحدون؟!


(28)

إن الحب شيء لا يصلح شيء في دنيا الناس إلا به، ولا يستقيم أمر الحياة إلا عليه، ولا يُدْني من حق وصواب، ولا يباعد من باطل وخطأ إلا هو، ولا تصافح السماء الأرض، ولا تشتاق الأرض إلى السماء، ولا تأخذ هذه من تلك، ولا تعطي تلك هذه، إلا وحبل الحب ممدود بينهما، فمن أراد أن ينقض فتله أو يوهن قوته، فقد أراد سوءاً بنفسه، وأوقعها في حوب مكر لا يضاهي فيها، واستاقها إلى عاقبة لا يحسن معها شيء ولا ينفع، حتى ولا جلاد الصبر، ولا مرَّة الأجساد، ولا نفاذ الأمر وشدته.
الحب ليس سُنَّة محدثة ذاهبة ولا حكماً منقطعاً، ولا أصلاً منتهياً، إنه شريعةً قائمة في الناس إلى قيام الساعة. من أخذ بها رشد، ومن وقف عندها سعد، ومن أصاب منها رضي، وإياك أن تملها، أو تمن بها، أو تستكثرها، فإنها نعمة لا سعادة للإنسان إلا في ظِلالها وأطيافها الحسان. واالله يحب من عباده المحسنين فأحسن بها إلى نفسك، ولا تضن بها على غيرك، وابذلها طيبة من فضلك، وإياك إياك أن تندم على غيرك بذلك، واسلم لمحبك المحب.

تم بحمد الله

منايا الجنة غير متواجد حالياً  

التعديل الأخير تم بواسطة منايا الجنة ; 8th May 2013 الساعة 09:29 PM.

رد مع اقتباس