[frame="7 80"]
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله،
وبعد
أخواتى الحبيبات
في تاريخنا الإسلامي الزاهر نماذج رائعة من العلماء العاملين الذين أدوا رسالتهم على أكمل وجه،
فكانوا نبراساً يستضاء بهم في كل زمان، ونماذج يقتدى بها في وقت تُفتقد فيه القدوة الصالحة،
والكلمة الجريئة ، والمجابهة الصريحة في سبيل إعلاء كلمة الله.
...وشيخنا العز بن عبد السلام هو من ذلك الطراز الفريد الذي يجب أن نستلهم
سيرته في حياتنا المعاصرة، فقد كان هذا الرجل أنموذجاً رائعاً للسياسي البارع،
والعالم المستنير، والاجتماعي المخلص،
المتعبدعلى طريقة السلف الصالح،
فكان أمة في عصره أحيا الله به موات المسلمين.
ولادته ونشأته
ولدعبد العزيز بن عبد السلام السلمي (المعروف بالعز بن عبد السلام)
عام577 هـ (1181 م) في دمشق ونشأ بها،
وتفقه على أكابر علمائها، فبرع في الفقه والأصول والتفسير والعربية،
حتى انتهت إليه رياسة المذهب الشافعي،
وبلغ رتبة الاجتهاد، وقصد بالفتاوى من كل مكان..
فاستحق لقب "سلطان العلماء"
بجدارة كما أطلقه عليه تلميذه ابن دقيق العيد.
وبعد أن اكتملت ثقافته اتجه إلى التدريس والافتاء والتأليف، وتولى المناصب
العامة في القضاء والخطابة في مساجد دمشق -مسقط رأسه- أولاً،
ثم في القاهرة بعد أن هاجر إليها بعد أن تجاوز الستين من عمره [1].
الأحداث التاريخية التي عاصرها
تفتحت عينا العز بن عبد السلام على أحداث جسام كان يموج بها العالم الإسلامي
وعاش ثلاثاً وثمانين سنة (ت 660هـجري
عاصر فيها أحداثاً سياسية مؤلمة.
وقد أدرك انتصارات صلاح الدين الأيوبي المجيدة واسترداده بيت المقدس
من أيدي الصليبيين (583 هـ)، وشاهد دولة الأيوبيين في هرمها وآخر أيامها،
وشاهد دولة المماليك البحرية في نشأتها
وعزّها، وشاهد بعض الحملات الصليبية على فلسطين ومصر،
وشاهد الغزوة التترية المغولية الهمجية على الخلافةالعباسية في بغداد، وتدميرها للمدن
الإسلامية، وشاهد هزيمة التتار في عين جالوت بفلسطين بقيادة
سيف الدين قطز سلطان مصر.
شاهد شيخنا كل هذه الأحداث، فأثرت في نفسه،وراعَه تفتت الدولة
الأيوبية القوية -قاهرة الصليبيين- إلى دويلات عندما اقتسم أبناء صلاح الدين
الدولة بعد وفاته:
فدويلة في مصر، ودويلة في دمشق، ودويلة في حلب، ودويلة في حماة، وأخرى في حمص،
ودويلة فيما بين النهرين.
وبين حكام هذه الدويلات تعشش الأحقاد والدسائس، والصليبيون على الأبواب، والتتار يتحفزون للانقضاض
على بلاد الشام ومصر.
[/frame]