فرد في جماعة (1)
سهاد عكّيلة
بخلاف الرأسمالية القائمة على تكريس الفردية، والاشتراكية التي تعتبر "الجماعة هدفًا في ذاتها وهي السيد، بل الإله الذي له كل السلطات والنفوذ"[1]، فإن النظام الإسلامي هو الوسط بينهما، فكل فرد في ظل الإسلام مكرَّمٌ بذاته، يتمتع بكامل حقوقه الإنسانية؛ إلا من أبى.
وفي المقابل، قد أعلى الإسلام من قيمة الجماعة عندما جعلها جزءًا أساسيًّا من معيار فوز أو خسارة الإنسان؛ ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 3].
إذًا، فللفرد خصوصيته، وللجماعة اعتبارها، للفرد مصالحه، وللجماعة كذلك.
وعند هذين البُعدين - الخصوصية والمصلحة - أقف.
لا شك أن الأساس الذي يضبط العلاقة بين الفرد والجماعة في أي حركة إسلامية - قائمٌ على ما قرره الإسلام بهذا الشأن، ولكن: ما نسبة نجاحنا في ترجمة ما نؤمن به في تعاملاتنا؟
ففيما يتعلق بالخصوصية، أحيانًا تتداخل الأمور بين ما هو حق "للجماعة" أن تتدخَّل فيه، وبين ما هو حق حصري للفرد.
ومن هذين المبدأين القرآنيين أنطلق:
• ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ﴾ [الإسراء: 36].
• ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ [المائدة: 101].
1- فلان لم يربط زوجته معنا، فلانة لم تُلزم ابنتها بارتداء الجلباب، فلان ينفق المبالغ على احتياجاته الخاصة، ويقصِّر في التزاماته المالية مع الجماعة، فلانة تجد الوقت للتسوُّق، بينما تعتذر عن الكثير من الأعمال.
2- أحيانًا يؤْثِر الفرد إخفاء بعض شأنه عمَّن حوله؛ لأسباب هو أدرى بها، فتبدأ عمليات البحث والتنقيب من قِبل البعض عما توارى عمدًا عن دائرة معرفتهم، بعضُهم يفعل إما بداعي الحرص والاطمئنان، أو بداعي الفضول والتتبُّع.
أما النتيجة، فتكون: إمَّا الرجم بالغيب وادعاء اكتشاف المخبوء والتبرع بإشاعته! أو الكشف الحقيقي عن الأسباب المُغيَّبة دون النظر إلى حجم الإساءة التي يتسبب بها هذا البعض لصاحب السر أو المشكلة.
وكل هذا يدور همسًا؛ باعتباره من الأسرار!
♦ ♦ ♦
لعل تفعيل ما نؤمن به من مبادئ، والتذكير به، وإعادة إدراجه ضمن مناهجنا التربوية: يفيد في مراجعة بعض سلوكياتنا:
• التماس الأعذار لإخواننا؛ "لعله كذا، ولعلها كذا..."؛ ﴿ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا ﴾ [النور: 12].
• ضبط أنفسنا عن التدخُّل في خصوصيات الآخرين: كيف يديرون شؤون حياتهم؟ كيف يتخذون قراراتهم، ويحددون أولوياتهم؟ كيف يؤمِّنون أموالهم؟ وكيف يتصرفون بها؟
• التزامنا أدب العلاقات الأخوية، ومعرفتنا للحدود التي ينبغي لنا الوقوف عندها.
• تبقى على الفرد نفسه مسؤوليةُ وضع المحددات التي على أساسها يتم التعامل معه، وأن يكون حازمًا فيما يتعلق بحياته الخاصة.
أنْ ينتمي الفرد إلى جماعةٍ ما ويلتزم قوانينها: لا يعني أن يفقد حريته والكثير من خصوصياته!
وللحديث صِلة...
[1] مجلة العلوم الإنسانية - العدد: 10، نوفمبر 2006: "الحرية الفردية في المذهب الاشتراكي والاجتماعي"، د. رشيدة العام، كلية الحقوق والعلوم السياسية جامعة محمد خيضر - بسكرة.
المصدر...