حكم الصرف عبر وسائل الاتصال التي تنقل المكتوب
عاصم أحمد عطية بدوي
إن التعاقد بوسائل الاتصال التي تنقل المكتوب لا يختلف عن التعاقد بالكتابة، حيث ثار قديماً خلاف بين الفقهاء في مدى الاعتداد بالكتابة كتعبير عن الإرادة سواء كانت بين حاضرين أم غائبين.
وسواء كان التعاقد بالكتابة صحيحاً مطلقاً كما ذهب إليه جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية في الراجح عندهم والحنابلة، أو كان لا يصح إلا للعاجزين كما ذهب إليه آخرون[1]، إلا أن للصرف حكماً مستقلاً بذاته وذلك لوجود شروط تجعله يختلف عن غيره من البيوع.
وإذا تأملنا صورة الصرف عبر الفاكس فسنجد بأن شرط التقابض في الحال غير متوفر فيه، وذلك لعدم وجود المتعاقدين في مجلس واحد، ولهذا فإن الباحث يرى عدم جواز الصرف من خلال الفاكس[2].
أما حكم الصرف عبر الإنترنت فيحتاج إلى زيادة في التأمل وذلك لتنوع صور الصرف فيه حيث يمكن أن يجملها الباحث في الآتي:
1- إذا تم التعاقد على الصرف مباشرة عبر شبكة الويب العالمية أو البريد الإلكتروني المباشر سواء كان العقد بالرسالة أو بالاتصال الفيديوي، فالعقد غير صحيح؛ لعدم توفر شرط التقابض في الحال.
2- إذا تم الصرف من خلال شبكة الويب، ثم كان الدفع نقداً عند التسليم فإنه ينظر في الحكم، فإذا كان الصرف الذي تم عبر شبكة الويب علي سبيل المواعدة غير الملزمة للطرفين، ثم جدد العقد عند التسليم، فالعقد صحيح؛ لأنه لا اعتبار بالعقد الأول، أما إذا كان العقد ملزما للطرفين، وتسليم البدلين يتم في وقت لاحق عن العقد من خلال شركة الشحن، فالعقد لا يصح؛ لتأجيل التقابض في مجلس العقد.
3- إذا تم التعاقد على الصرف مباشرة عبر شبكة الويب العالمية أو البريد الإلكتروني المباشر أو المحادثة وتم تنفيذ العقد بتحويل المبلغ محل العقد من حساب كل من الطرفين إلى الآخر عن طريق الشيك المصرفي أو النقود الإلكترونية أو غير ذلك من الوسائل والطرق التي تجعل التقابض متحققاً في الحال بين الطرفين فإن العقد صحيح؛ وذلك لأن التقابض ليس مقصوراً على التقابض الحقيقي بين الطرفين مباشرة وإنما يكون أيضاً بالقبض الحكمي كالقيد المصرفي في حساب العميل بطريقة الحوالة المصرفية أو الإنترنت المصرفي[3].
ويؤيد هذا ما ذهب إليه قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن القبض وصوره المستجدة حيث نص على أن من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعاً وعرفاً ما يأتي[4]:
1- القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات الآتية:
إذا أودع في حساب العميل مبلغاً من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية.
إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المصرف في حال شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل.
إذا اقتطع المصرف بأمر العميل، مبلغاً من حساب له إلى حساب آخر بعملة أخرى في المصرف نفسه أو غيره لصالح العميل أو لمستفيد آخر ، ويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسليم الفعلي للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلا بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسليم الفعلي.
2- تسلم الشيك إذا كان له رصيد قابل للسحب بالعملة المكتوب بها عند استيفائه وحجزه من قبل المصرف.
حيث يعرف القبض الحكمي بأنه: "التقديري والاعتباري وإن لم يكن متحققاً حساً وفعلاً، حيث يقام عند الفقهاء مقام القبض الحقيقي ويترتب عليه آثار القبض الحقيقي للضرورة ورفعاً للحرج والتيسير على الناس"[5].
[1] اختلف الفقهاء في حكم إجراء العقود بالكتابة إلى ثلاثة مذاهب هي:
1- إن العقد يصح بالكتابة مطلقاً، سواء كان بين حاضرين أم غائبين، وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية في الراجح والحنابلة، واستثنوا من ذلك عقد النكاح لخصوصيته،
2- إن التعاقد بالكتابة صحيح للغائبين دون الحاضرين، وهو مذهب الحنفية
3- إنه لا يصح التعاقد بالكتابة إلا للعاجزين فقط، وهو مذهب بعض الشافعية، نظام: الفتاوى الهندية (3 /9)، الدسوقي: حاشية الدسوقي (3/3)، النووي: المجموع (9 /185)، البهوتي: كشاف القناع (3 /148).
[2] وما ذكرته عن حكم المواعدة بالصرف، وعن حكم الصرف في الذمة عبر وسائل الاتصال التي تنقل اللفظ ينطبق أيضاً علي الوسائل التي تقل المكتوب لأن كليهما يتفقان على عدم وجود العاقدين في مجلس واحد، راجع من هذا البحث )ص 46).
[3] الناصر: العقود الإلكترونية دراسة فقهية تطبيقية مقارنة، بحث مقدم إلي مؤتمر الأعمال المصرفية الإلكترونية بين الشريعة والقانون (5 /2136).
[4] مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد6 (1 /453).
[5] صوص: القبض وأثره في العقود (ص 68).
المصدر...