إرهابيون تحت الطلب
إرهابيون تحت الطلب (1)
د. جمال يوسف الهميلي
مَن هم؟ ومَن الذي صنعهم؟ ومَن الذي يُساندهم؟
لماذا حدث هذا؟ ولماذا يستمر؟
كيف حصل ذلك؟ كيف أصبح أولئك بتلك الوحشية والهمجيَّة؟
أين العقول؟ أين التفكير؟ أين...؟!
أسئلة تتردَّد كثيرًا على ألسنة العالم، والكثير يدفع الثمن غاليًا، والقليل هم من يعرف حقيقة ما حدث.
الإرهاب ليس وليد الساعة، بل قديم قِدم البشر؛ فاليونانيون والرومان والمصريون الفراعنة وغيرهم من القدماء كانوا يُمارسون نوعًا من التطرف والعُنصرية والاستعباد والقتل الجماعي، ويَمضي التاريخ الراعب ليصل إلى محاكم التفتيش بعد سقوط الأندلس، ثم القرن العشرين بالمجازر الجماعية والتطهير العرقي في إفريقيا وآسيا وأوربا، والعنصرية المقيتة في أمريكا وأوربا وغيرها، وحتى القرن الحادي والعشرين الميلادي عصر النهضة والحرية وحقوق الإنسان، لا يَزال هناك إرهابيون، ولا يَزال هناك منظَّمات وعمليات، وستظل تلك العملية مُستمرةً إلى ما شاء الله، وسيظلُّ العالم أجمع يدفع الثمن إلا أن يشاء الله.
ومِن هنا تبرز أهمية أهمِّ سؤال: كيف تتمُّ صناعة إرهابي؟ كيف يتحوَّل الإنسان الوديع إلى قاتل فظيع؟
وبالنظر إلى الإرهاب فإنه لا يرتبط بمكان دون آخر، ولا يرتبط بجنسية دون أخرى، ولا يرتبط بدين دون سواه، ولا بطبقة دون غيرها، فهو يتلوَّن بمختلف الأجناس، وبتعدُّد الألوان، وبشتى الديانات، وعلى مدى الأصقاع، وبمعنى آخر: هناك صناعة إرهاب بشرية تَرتبط بالإنسان نفسه، وبما يمتلكه من قدرات.
الحقيقة أنه سؤال كبير يصعب جدًّا الجزم بالإجابة الواحدة على أنها صحيحة دون غيرها، وسأضع بين يديك - أخي القارئ - خلاصة ما وصلتُ إليه من خطوات لصناعة إرهابي؛ وهي أربع خطوات يمكن تحديد ملامحها لمختلف الإرهابيِّين مهما كان نوعهم وجنسُهم ودينهم، وقبل أن أذكر هذه الخطوات الأربع، لا بدَّ من التذكير بثلاثة أمور:
1. عملية صناعة الإنسان عملية معقَّدة ومُتشعِّبة؛ ذلك أنها تتعامَل مع مخلوق عجيب، لديه من الإمكانات ما يفوق الخيال، ويَمتلك خصائص لا تَخطر على البال، فمَن يظن أن هناك عملًا واحدًا هو الذي صنع إرهابيًّا، فهو مُخطئ، فليس التعليم هو السبب الوحيد، وليس الإعلام هو السبب الوحيد، وليست المَدارس الدينية هي السبب الوحيد، بدليل أن هناك الملايين يتعرَّضون للتعليم ذاته، وللإعلام ذاته، وللمدارس الدينية ذاتها، والإرهابي لا يشكِّل من أولئك إلا أقل مِن 1 %، فما بال 99 % الآخرين؟ فالإرهابي نتيجة لخطة وعملية يَصعب حصر أطرافها.
2. تذكَّر نظرية جبل الجليد، فما نراه من جبل الجليد لا يتجاوَز 20 % منه، أما بقية الـ 80 % الأخرى فهي التي لا نراها، كذلك السلوك الإنساني ومنه الإرهابي ليس وليد الساعة، بل لديه جذور عميقة في النفس، وفترة زمنية ترسَّخت فيها معاني وعشَّشت أفكار لتظهر بعد ذلك على شكل سلوك.
3. علاج المشكلة يتطلب معرفة جذورها والسعي في اقتلاعها، وعلى مقدار الاقتلاع يقلُّ الإرهاب في المجتمَع، فأيُّ مُجتمع يَشترك فيه الجميع (حكومة وشعبًا) في اقتلاع تلك الجذور تقلُّ فيه نسبة الإرهاب وربما تَنعدم؛ كما في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، والعكس صحيح.
وبالنظر إلى التاريخ البشري ودوافع (جذور) الإرهاب لدى البشر، نجد أنَّ الإرهاب ليس عملية فردية، بل هو عملية جماعيَّة، وأقصد بذلك أن الفرد يتعرَّض فيه إلى عمليات ضمن مجموعات أو منظمات قبل أن تتمَّ صناعته ليكون إرهابيًّا.
وبالنظر إلى دوافع العمليات الإرهابية، نرى أن أغلب الدوافع تنحصِر في:
♦ الباعث الديني؛ فكما لا يَخفى عليكم أن الدِّين يُشعل في العبد طاقة هدَّارة، وتكون لديه دوافع جبارة، فتجعله يُمارس القتل والحرق والتعذيب والتقطيع والعمليات الفظيعة، وهو يَبتسم ويضحك وينظر إليه على أنه عمل يتقرَّب به إلى خالقه أو سيده، وهذا كله من الأديان المحرَّفة والمناهج المُنحرفة، ولعلَّ ما فعله الهندوس والمسيحيون وغيرهم شاهد على ذلك.
♦ الباعث العرقي وتفضيل نوع من البشر على غيرهم بانتمائهم لمكان أو جنس أو منطقة، وبأنهم يَملكون حقًّا لا ينبغي لغيرهم مشاركتهم فيه؛ فالنازية والفاشية ومذابح زنجبار وبورما حاليًّا كلها تنتمي لذلك.
الآن وبعد تلك المقدِّمة المهمة جدًّا، أظنك ترغب في معرفة الخطوات الأربع لصناعة إرهابي؟
الخطوات هي:
1. قراءة البيئة.
2. المطبخ الإرهابي.
3. التوجيه المنشود.
4. النشر والتوزيع.
ولكل خطوة مُعطيات ومَراحل، يجب على كل واحد منا معرفتها؛ ليَحمي نفسه وأهله ومجتمعه من تنامي الإرهاب وانتشار وبائه، وكل هذا يدخل في قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأنعام: 55]، فالموفَّقون مَن عرفوا سبيل المؤمنين بالتفاصيل فسلَكوه، وسبيل المجرمين بالتفاصيل فترَكوه، فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم للناس وأنصحهم لهم، وهم الأدلَّاء الهُداة، وبذلك برَزَ الصحابة على جميع مَن أتى بعدهم إلى يوم القيامة.
وفي حديث حذيفة رضي الله عنه: "كانوا يَسألون عن الخير، وكنتُ أسأل عن الشرِّ؛ مخافة أن يُدركَني.."، وقد قال فاروق هذه الأمة رضي الله عنه: "إنما تُنقَض عُرى الإسلام عُروة عُروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية".
وفي شعر أبي فراس الحمداني قال:
عرفتُ الشرَّ لا للشر
ر لكن لتوقِّيهِ
ومَن لا يَعرِفِ الشرَّ
مِن الخَيرِ يَقعْ فيهِ
ولما كان توضيح واستبانة خطوات صناعة الإرهابي بالتفصيل بهذه الأهمية، فسأذكر تلك الخطوات الأربع بالتفصيل في المرة القادمة بإذن الله.
وللحديث بقية
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المصدر...
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|