فضل قيام الليل
فضل قيام الليل
الشيخ عبدالرحمن بن عبدالعزيز الدهامي
اعلم أن قيام الليل هو دأب الصالحين قبلَنا، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة للإثم))[1]؛ رواه الترمذي، وصححه الألباني.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الصلاة بعد الفريضة: صلاة الليل))[2].
وجوف الليل أفضل؛ ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة: الصلاة في جوف الليل))[3].
وعن عمرو بن عبسة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أقرب ما يكون الرب مِن العبد في جوف الليل الآخر، فلإن استطعت أن تكون ممَّن يذكر الله في تلك الساعة فكن))[4].
ففي الليل خيرٌ كثير ومغنمٌ وفير؛ فعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ من الليل ساعة لا يُوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرًا إلا أعطاه إياه))[5]؛ رواه مسلم.
• وأعظم ما في الليل ما ثبَت مِن نزول الربِّ - جل جلاله - إلى السماء الدنيا، وهو معتقد أهل السنة والجماعة؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: مَن يدعوني فأستجيب له؟ مَن يسألُني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟))[6].
قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 9]، وقال سبحانه: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ﴾ [الإنسان: 26].
بل أثنى الله تعالى على صالِحي أهل الكتاب بقوله: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ [آل عمران: 113].
• وجاء في وصف عباد الرحمن في "سورة الفرقان" أنهم يُحْيون ليلهم بالصلاة وقراءة القرآن؛ قال تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ [الفرقان: 63، 64].
"وكان الحسن إذا قرأ ما تقدَّم، يقول: هذا وصْف نهارهم، وإذا قرأ هذه، قال: هذا وصف ليلهم"[7].
وقال عبدالله بن رواحة رضي الله عنه يصفُ رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وفينا رسول الله يتلو كتابه
إذا انشقَّ معروف مِن الفجر ساطِعُ
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبُنا
به مُوقنات أنَّ ما قال واقعُ
يَبيت يُجافي جنبه عن فراشه
إذا استُثقلت بالمشركين المضاجِعُ
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ((ألا أدلُّك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يُطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، قال ثم تلا: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾ [السجدة: 16] حتى بلغ ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]))[8].
• وبيَّن الله تعالى محاسن خواصِّ عباده المؤمنين، فقال سبحانه: ﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 15 - 17].
قال العلامة ابن عاشور رحمه الله: "وجيء فيها بالمضارع ﴿ تَتَجَافَى ﴾؛ لإفادة تكرر ذلك وتجدُّده منهم في أجزاء كثيرة من الأوقات المعدَّة للاضطجاع؛ وهي الأوقات التي الشأن فيها النوم، والتجافي: التباعُد والمُتاركة.
والمعنى: أنَّ تَجافي جنوبهم عن المَضاجع يتكرَّر في الليلة الواحدة؛ أي: يُكثرون السهر بقيام الليل والدعاء لله، وقد فسَّره النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الرجل في جوف الليل، ثم عظَّم الله جزاءهم إذ قال: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾"[9].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم، واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد؛ لما أخفوا أعمالهم أخفى الله لهم من الثواب جزاءً وفاقًا، فإن الجزاء من جنس العمل؛ قال الحسن البصري: أخفى قوم عملهم؛ فأخفى الله لهم ما لم ترَ عين، ولم يَخطر على قلب بشر، رواه ابن أبي حاتم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله تبارك وتعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر))، قال أبو هريرة: اقرَؤوا إن شئتم: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾[10].
وعن المغيرة بن شعبة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: سأل موسى عليه السلام ربه عز وجل: ((ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب، كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيتُ ربِّ، فيقول: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، فقال في الخامسة: رضيتُ ربِّ، فيقول: هذا لك، وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذَّت عينك، فيقول: رضيتُ رب، قال: رب، فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردتُ، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عينٌ، ولم تسع أذنٌ، ولم يخطر على قلب بشر؛ قال: ومصداقه في كتابه الله عز وجل: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ الآية))[11]؛ ا.هـ[12].
[1] رواه الترمذي في الدعوات، باب في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، رقم: (3549).
[2] رواه مسلم في الصيام، باب فضل صوم المحرم، رقم: (1163).
[3] "التخريج السابق".
[4] رواه الترمذي في الدعوات، باب، رقم: (3579)، وصححه الألباني.
[5] رواه مسلم في صلاة المسافرين، باب في الليل ساعة مستجاب فيها الدعاء، رقم: (757).
[6] رواه البخاري في التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، رقم: (1145)، ورواه مسلم في صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، رقم: (758).
[7] "تفسير روح المعاني" (10 / 407).
[8] رواه الترمذي في الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، رقم: (2616)، ورواه ابن ماجه في الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، رقم: (3973)، وصحَّحه الألباني.
[9] "التحرير والتنوير" (مجلد 8، جزء 21 / 228 - 229).
[10] رواه البخاري في التفسير، باب قوله: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ [السجدة: 17]، رقم: (4779) - ورواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، رقم: (2824).
[11] رواه مسلم في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم: (189).
[12] "تفسير ابن كثير" (6 / 365 - 367) مختصرًا.
المصدر...
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|