[frame="3 80"]
الأسد أسيرًا
وصل غرتسياني إلى بنغازي يوم 14 من سبتمبر، وأعلن انعقاد المحكمة الخاصة يوم 15 سبتمبر 1931م، وفي صبيحة ذلك اليوم وقبل المحاكمة رغب غرتسياني في الحديث مع عمر المختار، يذكر غرتسياني في كتابه (برقة المهدأة):
«وعندما حضر أمام مكتبي تهيَّأ لي أن أرى فيه شخصيَّة آلاف المرابطين، الذين التقيتُ بهم أثناء قيامي بالحروب الصحراوية؛
يداه مُكَبَّلتان بالسلاسل، رغم الكسور والجروح التي أُصيب بها أثناء المعركة، وكان وجهه مضغوطًا؛ لأنه كان مغطِّيًا رأسه
(بالجَرِد (الجرد: اللباس التقليدي الشعبي الليبي. ) ،
ويجرُّ نفسه بصعوبة نظرًا لتعبه أثناء السفر بالبحر، وبالإجمال يُخَيَّل لي أن الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال، له منظره وهيبته؛ رغم أنه يشعر بمرارة الأسر، ها هو واقف أمام مكتبي، نسأله ويجيب بصوت هادئ وواضح».
غرتسياني:
لماذا حاربت بشدَّة متواصلة الحكومة الفاشستية؟
أجاب الشيخ: من أجل ديني ووطني.
غرتسياني:
ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه؟
فأجاب الشيخ: لا شيء إلَّا طردكم.. لأنكم مغتصبون، أمَّا الحرب فهي فرض علينا، وما النصر إلَّا من عند الله.
غرتسياني:
لما لك من نفوذٍ وجاهٍ، في كم يوم يُمكنك أن تأمر الثوار بأن يخضعوا لحكمنا ويُسلموا أسلحتهم؟
فأجاب الشيخ:
لا يمكنني أن أعمل أيَّ شيء، وبدون جدوى نحن الثوَّار سبق أن أقسمنا أن نموت كلُّنا الواحد بعد الآخر، ولا نُسَلِّم أو نُلقي السلاح.
ويستطرد غرتسياني حديثه:
«وعندما وقف ليتهيَّأ للانصراف كان جبينه وضَّاءً؛ كأنَّ هالة من نور تُحيط به، فارتعش قلبي من جلالة الموقف،
أنا الذي خاض معارك الحروب العالمية والصحراوية، ولُقِّبْتُ بأسد الصحراء، ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان،
ولم أستطع أن أنطق بحرفٍ واحدٍ، فأنهيتُ المقابلة، وأمرتُ بإرجاعه إلى السجن لتقديمه إلى المحاكمة في المساء، وعند وُقوفه حاول أن يمدَّ يده لمصافحتي؛ ولكنه لم يتمكَّن؛ لأن يديه كانت مُكَبَّلة بالحديد».
محاكمة عمر المختار
عُقدت للشيخ الشهيد محكمة هزلية صورية في مركز إدارة الحزب الفاشستي ببنغازي،
مساء يوم الثلاثاء عند الساعة الخامسة والربع في 15 من سبتمبر 1931م، وبعد ساعة تحديدًا صدر منطوق الحكم بالإعدام شنقًا حتى الموت.
عندما تُرجم له الحُكْم،
قال الشيخ:
«إن الحكم إلَّا لله.. لا حكمكم المزيف.. إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون».
إعدام عمر المختار
في صباح اليوم التالى للمحاكمة الأربعاء (16 سبتمبر 1931م= غُرَّة جمادى الأولى 1350 هـ)، اتخذت جميع التدابير اللازمة بمركز سلوق لتنفيذ الحُكم بإحضار جميع أقسام الجيش والميليشيا والطيران، وأُحضر 20 ألفًا من الأهالي وجميع المعتقلين السياسيين خصيصًا من أماكن مختلفة؛ وذلك لمشاهدة تنفيذ الحكم في قائدهم،
وأُحضر الشيخ عمر المختار مُكَبَّل الأيدي، وعلى وجهه ابتسامة الرضا بالقضاء والقدر، وبدأت الطائرات تُحَلِّق في السماء فوق المعتقلين بأزيزٍ مجلجلٍ؛ حتى لا يتمكَّن عمر المختار من مخاطبتهم.
وفي تمام الساعة التاسعة صباحًا سُلِّمَ الشيخ إلى الجلاد، وكان وجهه يتهلَّل استبشارًا بالشهادة، وكله ثبات وهدوء، فوُضع حبل المشنقة في عنقه، وقيل عن بعض الناس الذين كانوا على مقربة منه: إنه كان يُؤَذِّن في صوت خافت أذان الصلاة. والبعض قال: إنه تمتم بالآية الكريمة:
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}
[الفجر: 27، 28].
ليجعلها مسك ختام حياته البطولية، وبعد دقائق صَعِدَتْ رُوحه الطاهرة النقيَّة إلى ربِّها تشكو إليه عنت الظالمين وجور المستعمرين.
سبق إعدام الشيخ أوامر شديدة الحزم بتعذيب وضرب كلِّ مَنْ يُبدي الحزن أو يُظهر البكاء عند إعدام عمر المختار، فقد ضُرب جربوع عبد الجليل ضربًا مبرحًا بسبب بكائه عند إعدام عمر المختار، ولكن عَلَتْ أصوات الاحتجاج، ولم تكبحها سياط الإيطاليين، فصرخت فاطمة داروها العبارية وندبت فجيعة الوطن عندما أُعدم الشيخ، ووصفها الطليان «بالمرأة التي كسرت جدار الصمت».
أمَّا المفارقة التاريخية التي أذهلت المراقبين فقد حدثت في سبتمبر 2008م، عندما انحنى رئيس الوزراء الإيطالي برلسكوني -وفي حضور الزعيم الليبي معمر القذافي- أمام ابن عمر المختار معتذرًا عن المرحلة الاستعمارية وما سبَّبته إيطاليا من مآسٍ للشعب الليبي، وهي الصورة التي قُورنت بصورة تاريخية أخرى يظهر فيها عمر المختار مكبَّلًا بالأغلال قُبيل إعدامه.
آخر كلمات الشهيد عمر المختار
كانت آخر كلمات عمر المختار قبل إعدامه: «نحن لا نستسلم.. ننتصر أو نموت.. وهذه ليست النهاية.. بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه.. أمَّا أنا.. فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي».
[/frame]