*ذكر مقاصد الشريعة من النهي عن البدع*
جملة النقول في جزء الآثار تنبيك إن شاء الله عن مقاصد التشريع من النهي عن البدع، والله تعالى أعلم بمراده ورسولُهُ صلى الله عليه وسلم:
أ - قصد الشرع إلى صون الشريعة من التغيير.
فما من بدعة تحيى إلا وسنة تموت. وهل غُيِّر الدين الأول والتوراة والإنجيل .. إلا بالمحدثات والآراء والتأويلات المستحسنة؟ وهل غير دين إبراهيم إلا بما رآه عمرو بن لحي والملأ "بدعة حسنة"؟
ومن تأمل طريقة الصحابة في ترك السنن للبيان والنهي عن توقيت عمل مطلق .. ونحو ذلك علم أن مرادهم بقاء الدين كما وصى الله به نبيه. وإذا كان الإثم لازما لمن بدل وصية رجل في ماله فكيف بالذي يبدل وصية الله ورسوله (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين. فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم) [البقرة181]. وهذا معنى لا أحسب طلب الدلالة عليه إلا تكلفا، والله أعلم.
ب- قصد الشرع إلى حصول القرب للعبد من الله تعالى.
فنهى عن البدع لأنها لا تقرب إلى الله، وأمر بالسنة لأنها السبيل إليه سبحانه. وبين الابتداع والابتعاد تقارب في المعنى واللفظ، فلا يكون الابتعاد من الله قربة إليه. وما أقرب الشبه - في الاشتقاق الأصغر - بين "بَدَعَ" و"عَبَدَ" و"بَعُدَ"، كذلك البدع بُعْدٌ وَلَغوٌ واتباع سراب .. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت اهـ[خ934/م851] فألغى عملا مشروعا لما وضع في غير مظنته، كذلك كل عبادة لم تقع الموقع المأذون فيه كانت لغوا، وإن ظن الناس أن فيها مصلحة، كما ظن من قال لصاحبه أنصت مصلحة النهي عن المنكر وأنه عمل لصالح الخطبة، فلم يحَصل شيئا.
لذلك لم يكن المتعبد ببدعة عابدا حقيقة، لأن العبادة هي الخضوع لله وامتثال أمره، والبدعة غير مأمور بها، فالمتعبد بها غير مطيع فهو غير عابد. ولا نقول هو عاص لأن العاصي على علم خالف، ولكن أصدق وصف أنه ضال، أراد أن يطيع فعمل بشيء غير مطلوب .. فلا يمكن أن تكون البدعة في الحقيقة عبادة ..
والنكتة هنا أن البدع ليست في القدر - أي في الواقع - سببا للتقوى وتزكية النفوس كما قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام [صحيح رواه ابن حبان1391وغيره]. ومن أسماء الله "المؤمن" وهو الذي يصدق الشرع بالواقع والقدر، فإذا حرم شيئا شرعا فقد جعل فيه الضرر قدرا، كما إذا أذِن في الشيء شرعا رفع ضرره قدرا بل يجعل فيه المصلحة. والشرع والقدر أمر واحد من الله، قال تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) [الروم29] فالدين الذي هو شرع الله هو الفطرة التي هي خلق الله.
ولما اختلج في صدور الذين لا يعلمون نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور لِما رأوا فيها من مصلحة أظهر الله لهم آياته كما أخبر سبحانه (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) [فصلت53] كما عاينوا أن الكحول الذي كانوا يستشفون به ويقولون: هذا الواقع يكذب الرواية أن الخمر لا شفاء فيها! خلاف ما كانوا يظنون، أدركوا أخيرا أنه لا يشفي من سقم بل يخدر الداء زمنا ثم يقوم أنشط ما كان، فلا يزيد المبتلى إلا علة. فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا: إنكم أنتم الظالمون!
وكما أتاهم تأويل ما كانوا فيه يترددون من شأن شراب بول الجمل وغمس الذباب في الشراب ونحو ذلك مما كان مصدقا لما بين يديه من الكتاب .. وهو مشهور.
وكما عاينوا أن لحم الميتة سم مهلك قدرا، كما حرمه الله شرعا. وعاينوا أنه لا يضر المضطر الذي أوشك الهلاك جوعا، كما أباحه الله شرعا، قالوا: وجدنا المعدة تفرز في حال شدة الجوع عصارة هضمية تقضي على الداء وتجعله غداء. فلما كان حراما شرعا كان ضررا قدرا، ولما أبيح شرعا رفع الله منه الضرر قدرا، إذ الفطرة والشرعة من الله الواحد الأحد سبحانه.
وكما عاينوا أن نتف الإبط هو مقتضى الفطرة لا الحلق، فقالوا: إن في أصل كل شعرة منه جراثيم تموت ما أصيبت بالهواء لا تزول إلا بالنتف، ومتى حلق الشعر بقيت وأورثت خُنُوزًا ودمامل وحكة .. وأن الحلق يقوي الشعر فيشق بعد ذلك على الحالق النتف، ويظن أنه عَسِرٌ وإنما هو عسَّر على نفسه .. فلما خالف السنة ما ازداد إلا بعدا عنها وشق عليه الرجوع إليها ..
كذلك البدع لما نهى الله عنها ورسولُه لم يجعل الله فيها المصلحة الحق قدرا، وما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا، إذ لا بركة فيها، كما لا بركة في الأرض العقيم التي لا تنتج وإن زُرِعت الدهرَ، ولا يخرج زرعها إن خرج إلا نكدا. وإنما يلاحِظ هذا في وجوه العاملين مَن رُزِقَ السلامة من حب البدع واقترافها (1). ومن كذب بالحق لما جاءه فسوف يأتيه تأويل ما كان يُنهى عنه من البدع! ولات حين مناص.
كتاب الصحيح المنتخل من كلام الاولين في بدع العمل ( ص 330 _333)*
يتبع
المصدر...