[align=center]* مؤامرة أمريكية أسبانية:
شعر الأسبان بعجزهم الكبير عن مواجهة المقاومة الإسلامية في الفليبين، وبحثوا عن مخرج لأزمتهم فقرروا الاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية وكانت وقتها قوة جديدة وناشئة على بيع جزر الفليبين وكوبا وبورتوريكو وهي المستعمرات الأسبانية بمبلغ خمسة ملايين دولار، وذلك بعد عدة معارك استعراضية بين الأسبان والأمريكان سنة 1316هـ ليظهر الأمريكان بصورة المنقذ والمحرر لجزر الفليبين من الاحتلال الأسباني، وبالفعل انطلت الخدعة على سكان البلاد ورحبوا بالأمريكان وساعدوهم بقوة ضد الأسبان، وأعلنت أسبانيا على لسان الحاكم العام للفليبين الجنرال (جوينالدو) استقلال الفليبين عن أسبانيا وذلك سنة 1316هـ.
ولكن سرعان ما اكتشف أهل البلاد الخديعة إذ أعلن الأسبان انسحابهم من الجزر والأمريكان ما زالوا على أراضيها، فطلب مسلموا الفليبين من الأمريكان المغادرة فرفضوا بشدة وأعلنوا ضم الفليبين للولايات المتحدة الأمريكية، فثار المسلمون لذلك وحملوا سلاحهم مرة أخرى ضد الأمريكان الذين ساروا على نفس الخط الأسباني في محاربة الممالك الإسلامية وعزل مناطق المسلمين وفرض سياج من الجهل والتخلف والفقر على أبناء الإسلام هناك، في حين تم تقريب نصارى البلاد واحتضانهم ورفع مستوى المعيشة لأبنائهم وذلك للهدف البعيد وهو تسليم البلاد لتلك الطبقة النصرانية الموالية للاحتلال الأجنبي.
استمر الاحتلال الأمريكي الصليبي للفليبين قرابة النصف قرن استطاع خلالها أن يحقق ما عجز عنه الأسبان في ثلاثة قرون باستخدام الخديعة والمكر والخداع.
* كفاح المسلمين ضد أذناب الاحتلال:
حصلت الفليبين على استقلالها الظاهري من الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1946م ـ 1365هـ، بعد أن سلمت أمريكا الحكم لحلفائهم النصارى وتأكدت من ولائهم التام للسياسة الأمريكية، وأيضًا تركت لهم مهمة محاربة الوجود الإسلامي في البلاد، وبالفعل بدأت الحكومة الصليبية في الفليبين تمارس سياسة البطش والإرهاب ضد مسلمي البلاد بصورة منهجية كما يلي:
1ـ تشجيع النصارى على الاستيطان في مناطق المسلمين وتمليكهم لأراضيهم، مع حرمان المسلمين من المشاركة في المشاريع الهامة والحيوية في البلاد.
2ـ إغراق المناطق الإسلامية بأعداد ضخمة من قوات الأمن لمراقبة تحركات المسلمين وقمع أي ثورة يقوموا بها ضد مظالم الحكومة الصليبية.
3ـ دفع المسلمين لترك أراضيهم الزراعية ومصايد الأسماك، وإرغامهم على اللجوء إلى الغابات والأحراش وشعب الجبال ليمتهنوا أشق الأعمال وأحقرها.
4ـ تشكيل العصابات الإجرامية والمنظمات الإرهابية التي تعمل على إنهاء الوجود الإسلامي في الفليبين وإجبار المسلمين على التنصر أو القتل، ولقد تشكلت عدة عصابات إرهابية كبيرة مثل منظمة «إيلاجا» وقد أشرف عليها الرئيس الفليبيني الهالك ماركوس، وهي مزودة بأحدث الأسلحة ويبلغ عدد أفرادها مائة ألف مجرم وقاتل مأجور، وعصابة الفئران وكانت تهدف لإحراق المزارع وتدمير الأملاك، وعصابة الأخطبوط وتهدف لتصفية قادة المسلمين واغتيال الشباب والعلماء والشيوخ، ولقد قامت تلك التشكيلات الإرهابية والإجرامية بمجازر مروعة بحق المسلمين يندى لها جبين كل حر في العالم المعاصر.
5ـ معارضة كل اتجاه نحو فتح مدارس إسلامية أو إقامة شعائر الإسلام مع تبني عمليات التنصير المنظمة داخل مناطق المسلمين وخاصة الفقيرة منها تحت شعار الفلبيني الصالح هو الفلبيني النصراني.
6ـ استدراج المسلمين لصدامات مفتعلة لخلق الذرائع اللازمة للقضاء عليهم وجر المسلمين لمعركة هم غير مستعدين لها، وكانت الخطة الصليبية تقضي بأن يتم الاستيلاء على أراضي المسلمين في البداية لجرهم إلى القتال وهم غير مستعدين على حين تهيأ النصارى للقتال واستعدوا، وبالفعل تم زحف النصارى من الشمال إلى الجنوب حيث مناطق المسلمين وذلك سنة 1391هـ ـ 1970م، وبدأت عمليات الشغب وحرق المزارع وإلقاء السموم في الآباء وقتل الحيوانات، كما قامت حوادث الخطف والاغتيال وأدى ذلك القتال لتشريد أكثر من ستين ألف أسرة مسلمة في الجبال والغابات.
على الرغم من ضخامة وكثافة الهجوم الصليبي على مسلمي الفليبين إلا أن مسلمي الفليبين الذين جاهدوا الاحتلال الأسباني ثم الأمريكي لقرون زادوا استمساكًا بدينهم وإصرارًا على حقوقهم، وتكونت في بداية الأمر منظمة إسلامية لقيادة الكفاح الإسلامي ضد العدوان الصليبي وهي جبهة اتحاد الهيئات الإسلامية وتعرف اختصارًا (بانسا) بزعامة الدكتور أحمد ألونتو ثم تكون الذراع العسكري لتلك الجبهة باسم «الجبهة الوطنية لتحرير مورو» بزعامة نورميسوري وسلامات هاشم رحمه الله.
تحصن المسلمون بأعداد كبيرة في بلدة «بابا لومان» وطالبوا بفصل المناطق الإسلامية في جزر مينداناو وصولو وبالاوان، وتدخلت منظمة المؤتمر الإسلامي، ولكن أصر نصارى الفليبين وزعيمهم ماركوس على مواصلة قمع المسلمين، وظل القتال بين الطرفين عدة سنوات أبدى فيه المسلمون ضراوة في القتال والمقاومة أجبرت الحكومة الصليبية في الفليبين على الجلوس على مائدة المفاوضات وذلك سنة 1396هـ بعاصمة الجماهيرية الليبية طرابلس وبرعاية الرئيس الليبي معمر القذافي، وتم الاتفاق على بنود معاهدة السلام بين الطرفين كانت في مجملها لصالح المسلمين في الفليبين.
لم يكن في نية الحكومة الصليبية في مانيلا الوفاء بأي بند من بنود معاهدة السلام، وإنما كانت مناورة لالتقاط الأنفاس والتعرف على قادة المسلمين الحقيقيين ومواطن قوة المقاومة، وبالفعل لم تمض سوى عدة شهور حتى نقضت الحكومة الصليبية في منانيلا تعاهداتها كلها وهجمت بقوات ضخمة على جزيرة مينداناو سنة 1397هـ، وأوقعت عدة مجازر مروعة في بولوان وكوتاباتو، وقرية سوباه بوكول، وكان الهجوم من كل الاتجاهات برًا وبحرًا وجوًا، وسقط الضحايا بالآلاف، وكان القصف بأسلحة محرمة دوليًا، وكانت القوات الصليبية تتعمد استهداف المساجد والجوامع والكتاتيب لطمس معالم الوجود الإسلامي غير أن قوات حركة تحرير مورو استطاعت أن تصد الهجوم الحكومي وتكبده خسائر كبيرة من بينها قائد الحملة الصليبية نفسه الجنرال المجرم (باتيستا)، وبرز في المقاومة الإسلامية القائد البطل (عثمان صالح) الذي أرهق الصليبيين بتكتيكاته القتالية الذكية حتى أن الطاغية ماركوس قد وضع مكافأة تقدر بمائة ألف دولار لمن يأتي بعثمان صالح حيًا أو ميتًا، وقد حاولت منظمة المؤتمر الإسلامي وبعض الدول الإسلامية الاحتجاج على المجازر التي ترتكبها الحكومة الصليبية بحق مسلمي الفليبين، ولكن ذهبت كلها أدراج الرياح.
وعلى الرغم من رحيل ماركوس الصليبي في سنة 1406هـ ـ 1986م، وتظاهر الحكومة الجديدة بإنصاف المسلمين وإعطائهم حقوقهم السليبة إلا إن شيئًا لم يتغير على أرض الواقع، وما زالت فصول الملحمة قائمة.
[/align]