قصيدة : ( الأزهر )
لأبي عمر عبدالعليم محمود
***
ألا خَلِّ عنكَ اللَّومَ فالخَطْبُ أَكْبَرُ * وهذا أَوَانُ العُذْرِ ، والحُرُّ يَعْذرُ
وهذا أَوَانُ النَّصرِ إنْ كنتَ ناصِرًا * لِمَن بات يَحمِي الدِّينَ دَهرًا ، ويَنْصُرُ
هُو الأزهرُ المَعمُورُ والمَجدُ مَجدُهُـ * فحسبُكَ مِن مَجدٍ , بهِ الأرضُ تُزهِرُ
وحسبُكَ مِن مَجدٍ , تَجَمَّعت الدُّنى * عليهِ , فذَلُّوا , وهْو بالعِزِّ يَظْفَرُ
فلو كان مَولى القَومِ قَومًا أكابرًا * فمَولاهُـ ربُّ القَومِ , واللهُ أَكبرُ
بِأَيِّ مَعاني المَدح يُمدَحُ قَدْرُهُـ * وكيف يُوَفَّى قَدْرهُـ , أو يُقَدَّرُ
ومَن كان ذا عامَين في الفَضل لم يَزَلْ * تُعَدُّ لهُ الأفضالُ , والعَدُّ يَقْصُرُ
فكيف بِمَن قد عاشَ أَلفًا , وفَضْلُهُ * بِكُلِّ بِقاعِ الشَّرقِ والغَربِ , يُذكَرُ
هو الغَيْثُ , حتَى لا مَوَاتَ بأرضِهِ * وحيثُ يَكُون الغَيْثُ فالجَدْبُ مُثْمِرُ
كأنَّ رُبُوعَ الأرض - والنّاسُ أَقبَلَتْ * عليهِ وُفُودًا - مَسجِدٌ , وَهْو مِنبَرُ
وما حاضِرُ الأيّام إلا بأَمْسِها * وفي الأَمْس مَجدٌ كَم يَلُوحُ , ومَفْخَرُ
ومَن أَمْسُهُ مَجدٌ , يُؤَمَّلُ عَوْدُهُـ * إلى مَجدِهِـ , لو أَنَّهُ اليومَ مُدْبِرُ
وكَم مُنكِرٍ أَمرًا ، وليس بمُنكَرٍ * وإنكارُ أَمرٍ ليس يُنكَرُ ، مُنكَرُ
وكم غادِرٍ ، يَأتيكَ في ثَوب صادقٍ * وباطِنُهُ سُمٌّ ، وبادِيهِ عَنبَرُ
وذو الغَدرِ ذو غَدرٍ , ولو غابَ غدرُهُـ * ويَظهَرُ يومًا بعضُ ما كان يُضْمِرُ
وما عجَبٌ مِن غَدرِ ذي الغَدر ، إنّما * تَوهُّمُ بعضِ القوم أنْ ليس يَغدِرُ
وما كان مَكْرُ القوم إلا مُدَبَّرًا * بلَيلٍ , وما الشَّيطانُ إلا المُدَبِّرُ
وذو المَكرِ , حتّى لو يَطُولُ زمانُهُ * سيَهلكُ يومًا بالذي كان يَمْكُرُ
فكلٌّ يُجازَى بالذي هُو فاعِلٌ * وكلُّ امرئٍ يَجني الذي كان يَبذرُ
وما الدِّين إلا الوحيُ ، لا نفثةُ الهوى * ودِينُ الهوى بالقُبحِ يُروَى ويُسْطَرُ
وكلٌّ لِربِّ الخَلْق عَبْدٌ ، فمُسلِمٌ * وآخَرُ قد وَلَّى ، وكلٌّ سيُحشَرُ
فليس بِنَاجٍ غيرُ مَن كان مُسلِمًا * وكلُّ امرئٍ وَلَّى عن الحَقِّ يَخسَرُ
وذلك حُكْمُ اللهِ ، لا حُكْمُ عَبْدِهِـ * فقُبِّح مِن عَبْدٍ على الله يُنكِرُ
وما دِينُ مَن وَلَّى بِمانعِ بِرِّهِـ * إذا كان ذا بِرٍّ ، وذُو الشَّرِّ يَحذَرُ
وقد نَقَموا مِن أزهرِ اليومِ أنّهُ * يُعلِّمُ مَوروث الكِتاب ويَنشُرُ
وما نَقَموا إلا الذي نَقَموا على * نَبيٍّ كَريمٍ ، أنّه يَتَطهَّرُ
وما نَقَموا إلا مِن الشَّرع ، والهُدى * ولو زَعمُوا أنْ قدَّسوهُـ ، وأَظهَروا
وكم زاعمٍ قولًا ، وكَذَّب فِعلُهُ * مَزاعِمَهُ ، والقَولُ بالفِعل يُخْبَرُ
وبَعضُ الوَرى إنْ قيل عنهُ مُفَكِّرٌ * فَكَم حاملٍ ذَيلًا وقيل مُفَكِّرُ
ومَن غَرَّهُـ حِلمٌ , فلِلحِلم غَضبَةٌ * تَجِفُّ بها أَوهامُ قومٍ , وتُكْسَرُ !
المصدر...