[frame="1 90"]
وبالمقابل فإن منطقة المصب تعد أيضاً منطقة محجورة عن معظم الكائنات الحية التي تعيش في البحر والنهر، لأن هذه الكائنات تموت إذا دخلتها وذلك بسبب اختلاف الضغط الأسموزي أيضاً، والعجيب أن القرآن الكريم وصف منطقة المصب بهذين الوصفين فقال {حجراً محجوراً}، ونستطيع أن نفهم الحجر هنا في ضوء الاكتشافات الحديثة بأن الكائنات الحية في منطقة المصب تعيش في حجر ضيق ممنوعة من أن تخرج من هذا الحجر. كما وصفت منطقة المصب أيضاً بأنها محجورة أي ممنوعة عن كائنات حية أخرى من أن تدخل إليها فمنطقة المصب حسب الوصف القرآني هي "حجر" على الكائنات التي فيها، و"محجورة" عن الكائنات الحية الموجودة خارجها.
والذي نستخلصه أن العلماء لاحظوا الفرق الجوهري الذي أشار إليه القرآن الكريم بين الحاجز الذي يفصل بين النهر والبحر وبين الذي يفصل بين البحار المالحة.
فالأول: منطقة المصب فيه تعد منطقة حجر على الكائنات الحية الخاصة بها ومنطقة محجورة عن الكائنات الخاصة بالبحر والنهر، وهو ما وصفه البيان الإلهي في سورة الفرقان حيث قال: {وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً}.
أما الحاجز الثاني: الذي يفصل بين البحار المالحة فإنه لا توجد فيه خاصية منع الكائنات الحية من الخروج أو الدخول إليه، وهذا هو الذي تحدثت عنه آيات سورة الرحمن فقال جل ذكره: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} فليس هناك وصف "حجراً محجوراً" لهذا البرزخ، فنجد معظم الكائنات الحية تنتقل بين البحرين بكل سهولة وذلك لأن الاختلاف في درجة الملوحة ليس شديداً حتى يمنع انتقالها من بيئة بحرية إلى أخرى.
وهنا يقف عقل الإنسان متعجباً أمام بيان الإعجاز القرآني وأمام هذا النظام البديع الذي جعله الله تعالى لحفظ الكتل المائية الملتقية من أن يفسد بعضها خصائص البعض الآخر... {وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها}.
مراجع علمية:
ذكرت الموسوعة البريطانية:
"إن مصبات الأنهار هي أماكن حيث تلتقي الأنهار بالبحر، وكذلك يمكن أن تعرّف بأنها مناطق تخفيف التركيز المحسوب للماء المالح مع الماء العذب بشكل معتدل، إن مصبات الأنهار من الناحية البيولوجية أكثر إنتاجية من النهر أو البحر لأن هذه المصبات لديها نوع خاص ومميز من دورة المياه التي تحبس المغذيات النباتية وتحث على الإنتاج الأولي، والمياه العذبة لكونها أخف من المياه المالحة، تؤدي إلى تشكيل طبقة فاصلة بحيث تطفو على سطح المصب. في الحدود بين المياه العذبة والمياه المالحة، يوجد هناك كمية من الاختلاط تسبَّبَ من تدفق المياه العذبة فوق المياه المالحة وبسبب الانحسارات والمد والجزر. وإن أي اختلاط زائد يمكن أن يتسبب من وقت لآخر من جراء الرياح القوية والأمواج الداخلية التي تتوالد على طول السطح البيني (سطح يشكل حاجزاً بين جسمين) بين المياه العذبة والمالحة".
كما ذكرت في مكان آخر:
"إن الملوحة في المحيطات ثابتة ولكنها تتغير على طول الشاطيء عند تموه المياه المالحة مع المياه العذبة في نهاية الجداول والأنهار، هذه المياه الآسنة تشكل حاجزاً فاصلاً بين الكائنات الحية البحرية والنهرية".
وجه الإعجاز:
وجه الإعجاز في الآيات القرآنية الكريمة هو دلالتها على وجود حواجز بين البحار المالحة يسمح باختلاط بطيء، بحيث تفقد كمية المياه المنطلقة من بحر لآخر خصائصها وتكتسب خصائص البحر الذي دخلت فيه. كما دلّت على أن البحار والأنهار تلتقي وتتمازج مع وجود حاجز يمنع الاختلاط الكامل بينهما، وهذا ما كشف عنه علماء البحار في القرن العشرين عن منطقة المصبّ بين النهر والبحر والحواجز البحرية بين بحرين مختلفين.
[/frame]