إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله .
أما بعد : فقد قال النبي صلى الله عليه و اله و سلم : " التأني من الله و العجلة من الشيطان " صححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم 1795
قال المناوي – رحمه الله - في شرحه للحديث : " (التأني) أَي التثبت فِي الْأُمُور (من الله والعجلة من الشَّيْطَان) لِأَنَّهَا خفَّة وطيش تجلب الشرور وتمنع الخيور وَذَلِكَ مِمَّا يُحِبهُ الشَّيْطَان " التيسير بشرح الجامع الصغير 1/459
و قال في موضع أخر : " (والعجلة من الشَّيْطَان) أَي هُوَ الْحَامِل عَلَيْهَا بوسوسته لِأَن العجلة تمنع من التثبت وَالنَّظَر فِي العواقب وَذَلِكَ وَقع فِي المعاطب وَذَلِكَ من كيد الشَّيْطَان ووسوسته " التيسير بشرح الجامع الصغير 1/426
ثم أما بعد : فقد تلقيت بحثا كتبه أحد المتطفلين على علم النسب فقال وهو يرد نسب أحد العوائل المشرقية المشتهرة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " و يكفي في إبطال نسبهم إلى ( فلان ) بن علي بن أبي طالب تعدد أعمدة نسبهم و هي قاعدة نص عليها الإمام ابن حزم في جمهرة الأنساب و أبطل بها بعضها "
و بعد ان ترددت الجوابات بيني و بينه و رأيته قد ركب رأسه و زعم أنه أبوها و شيخها و زعيمها فأخبرني أنه قد نشر مقاله السقيم على الفايسبوك و أنه لقي إعجابات و لا يكات – كما يقول – و كأنها المعيار بين الحق و الباطل – و الله المستعان - قررت ان أنشر هذا الرد عليه حتى إذا وقف القارئ على ما كتبه المذكور وجد هذا الرد المتواضع على ما ذهب إليه و بالله التوفيق .
أقول مستعينا بالله تعالى : لقد أخطأ هذا المتطفل و ضل الطريق و ذلك في رده لنسب مشهور رَفْعُهُ إلى علي بن أبي طالب بمجرد تعدد أعمدة النسب ، و لو أنه أعطى لنفسه بعض الوقت و اطلع على كتب الأنساب و قارن بينها في نسب بعض من اشتهر بالهاشمية لوجدها طافحة بكثير من الأمثلة ، لكنه استعجل – هداه الله – و أوقع نفسه في الإثم و الزلل الذي لا يمكنه محوه إلا بالتوبة الصادقة و الاستحلال من الاف الأنفس أحياء و أمواتا فأنى له ذلك ؟
ثم إني لم أجد ما ذكره صاحبنا عن النسابة ابن حزم رحمه الله إذ لم يذكر رقم الصفحة أو الفرع الذي أبطله في كتابه الجمهرة فكان عليه – غفر الله لنا و له – أن يرشدنا على الأقل إلى الأنساب التي أبطلها ابن حزم في جمهرته حتى نستفيد من تلك القاعدة المزعومة .
و لعل صاحبنا المتطفل – سامحه الله – يقصد ما ذهب إليه النسابة ابن حزم في إبطال نسب العبيديين ملوك مصر حين ادعوا في أول أمرهم عمودا ثم انتقلوا منه إلى اخر ، و هذا موضوع طويل اختلف فيه العلماء قديما و بقي إرث هذا الاختلاف إلى يومنا هذا وهو موضوع شائك عويص ، البعض يصيره إلى الاختلاف السياسي بين العلويين و العباسيين و البعض الآخر يجعله مذهبيا بين السنة و الشيعة بينما اخرون يرونه عقائديا صرفا و نزاعا بين الإسلام و الكفر و الله أعلم و ليس هذا محل لنقاشه.
فإن كان صاحبنا يقصد بقاعدته التي زعم ان ابن حزم نص عليها و أبطل بها بعض الأنساب هي نفسها التي طبقها على نسب العبيديين فهذا كلام مردود لأسباب ثلاثة هي :
أولها أن هذا النسب اختلف فيه النسابة قديما و حديثا فلا يصلح ان يكون مثالا يؤصل عليه
ثانيا ان ابن حزم لم يقل بأنها قاعدة و إنما هي استنتاج من صاحبنا بانها قاعدة
ثالثا أنها طبقت في نسب واحد و هو قد ذكر ان ابن حزم أبطل بها بعض الأنساب فهلا يأتينا بأنساب أخرى أبطلت بها ؟
ثم إن سلمنا له جدلا أنها قاعدة اعتمد عليها النسابة ابن حزم في إبطال الأنساب – و حاشاه أن يفعل – فقد خولفت قاعدته و ردت في كثير من كتب الأنساب المشهورة ؛ و ذلك أن كثيرا من النسابة الباسقين في هذا الفن ربما ذكروا نسبا و ذكروا الاختلاف في رفعه فلماذا لا يطبقون قاعدته وهم أهل لذلك و أصحابه ؟
و حتى لا أطيل في الموضوع سوف أدخل في المقصود و آتيه بأمثلة في ذلك ربما ترفع عنه حجاب الجهل أو لعلها تنفعه في مستقبله و تدفعه إلى الإسراع إلى التوبة من الطعن في الأنساب و أما الاستحلال فلا أظنه يستطيع ذلك ؛ لأن غالب من طعن في أنسابهم سكنوا القبور و رحلوا عن الدنيا و لا يمكنه الاستحلال منهم إلا بالدعاء لهم و الانتصار لنسبهم في كل مقال و مقام و بالله التوفيق
و قبل الولوج إلى الموضوع لابد من التذكير بشيء مهم وهو أن العمود عند علماء النسب و التاريخ هو شرط كمال لا شرط صحة بمعنى أن صحة النسب لا يشترط لها عمود صحيح و ذلك إذا توفرت الشهرة الأجيالية التي لم يقدحها قادح ، أما إذا لم تكن هناك شهرة قديمة أو أن الشهرة استحدثت بعد الادعاء فهذا لا ينفعه شيء حتى و إن جاء بعمود صحيح اتفقت عليه كل كتب الأنساب و حتى و إن شهدت له كل نقابات الأشراف في العالم أو وافقت نتائجه الحمضية ما يشاع أنها سلالة هاشمية ؛ لأنه فاقد للشهرة و هي أساس النسب و لبه و ركنه فافهم هذا و احفظه !
فهاكم بعض الأمثلة التي ذكرت في كتب الأنساب لبعض الفروع التي اشتهرت بالشرف لكن علماء النسب أو التاريخ اختلفوا في رفعها إلى جدها الأكبر .
1- أبو الحسن علي العراقي الزيدي الحسيني ( 1) : فيه ستة أقوال
القول الأول : علي بن الحسين بن زيد الشهيد ، وهو قول ابن فندق البيهقي ت 565 ه
القول الثاني : علي بن الحسين بن عيسى بن زيد الشهيد ، وهو قول أبي طالب إسماعيل بن الحسين المروزي ت بعد 614 ه و نقله عن صاحب الدوحة .
القول الثالث : علي بن محمد بن عيسى بن زيد الشهيد ، وهو قول أبي القاسم الحسين بن خداع المصري ت 375 هـ و عميد الدين النجفي ت بعد 929 ه
القول الرابع : علي بن محمد بن الحسين بن عيسى بن زيد الشهيد ، وهو قول أبي عمرو عثمان بن حاتم ابن المنتاب ( بعد 391 ه )
القول الخامس : علي بن الحسين بن محمد بن الحسين بن عيسى بن زيد الشهيد ، وهو قول شيخ الشرف العبيدلي ت 437 ه و أبي عبد الله الحسين بن طباطبا الحسني 449 ه و صفي الدين محمد بن الطقطقي الحسني ت سنة 709 هـ
القول السادس : علي بن الحسين بن علي بن محمد بن عيسى بن زيد الشهيد ، وهو قول أبي الغنائم الدمشقي الزيدي ت 438 ه و ابي الحسن العمري ت 459 ه و أبي إسماعيل بن ناصر بن طباطبا ت بعد سنة 479 ه و ابن عِنَبَة الحسني ت 828 ه .
2- نسب الأمير يحيى المحيا الجوني الحسني أمير السرين من عقب موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب ( 2) و فيه خمسة مذاهب .
الأول : يحيى المحيا بن عبد الله بن حسين بن الحسن بن الحسين بن محمد الاكبر بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون وهو مذهب أبي إسماعيل إبراهيم بن ناصر بن طباطبا الحسني ت بعد 479 ه
الثاني : يحيى المحيا بن علي بن الحسين بن محمد الاكبر بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون وهو مذهب شيخ الشرف العبيدلي ت 437 ه و أبي الحسن العمري ت 459 ه
الثالث : يحيى بن محيا بن علي بن الحسين محمد الاكبر بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون وهو مذهب أحمد بن الهنا العبيدلي ت 681 ه
الرابع : يحيى بن الحسن بن علي بن الحسين بن محمد الاكبر بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون وهو مذهب ابن عِنَبَة الحسني ت 828 ه
الخامس : يحيى بن الحسين بن علي بن الحسين بن محمد الاكبر بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون وهو مذهب عميد الدين النجفي ت بعد 929 ه
تنبيه : عبد الله الأمير الذي جعل في منتقلة الطالبية اخا ليحيى المحيا جعله ابن عِنَبَة في عمدته عما ليحيى المحيا فلاحظ .
3- نسب الشيخ الفقيه أبو القاسم منصور بن محمد الهروي العلوي الفاطمي المتوفى سنة 527 ه نقيب هرات ( 3) اختلف فيه إلى خمسة أقوال :
القول الأول : منصور بن محمد بن محمد بن الحسن ( ابو علي) بن الطيب (أبو طاهر) بن عبد الله بن جعفر ملك الملتان بن محمد بن عبد الله بن عمر الأطرف بن علي بن أبي طالب وهو مذهب ابن فندق البيهقي ت 565 ه و أبي طالب إسماعيل بن الحسين المروزي ت بعد 614 ه
القول الثاني : منصور بن محمد بن محمد بن الحسن بن الطيب بن محمد المعمر بن عبد الله بن جعفر ملك الملتان بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر الأطرف وهو مذهب نقله أبو طالب المروزي عن غيره .
القول الثالث : منصور بن محمد بن محمد بن الطيب ( أبو طاهر ) بن عبد الله بن جعفر ملك الملتان بن محمد بن عبد الله بن محمد ن عمر الأطرف وهو مذهب أبي سعد السمعاني ت 562 ه و محمد بن عبد الرحمن شمس الدين السخاوي ت 902 ه نقله عنه محمد مرتضى الزبيدي في تذييله على المشجر الكشاف.
القول الرابع : منصور بن محمد بن محمد بن محمد بن الطيب بن عبد الله بن جعفر بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب وهو مذهب تقي الدين ابن الصلاح ت 643 ه و أبي الفداء ابن كثير ت 774 ه
القول الخامس : منصور بن محمد بن محمد بن علي بن الطيب بن عبد الله بن جعفر ملك الملتان بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر الأطرف وهو مذهب عميد الدين النجفي ت بعد 929 ه
4- نسب بني إسماعيل بهراة من بني محمد بن زيد الشهيد بن علي زين العابدين بن الحسين السبط ( 4) اختلف في رفع نسبهم إلى أقوال و مذاهب :
القول الأول : أنهم من بني أبي محمد إسماعيل بن أحمد بن جعفر بن القاسم بن جعفر بن محمد بن زيد الشهيد وهو مذهب أبي عبد الله الحسين بن طباطبا الحسني ت 449 ه أبي الحسن علي بن محمد العمري ت 459 ه و أبي طالب إسماعيل بن الحسين المروزي ت بعد 614 ه و أحمد بن المهنا العبيدلي ت 681 ه و عميد الدين النجفي ت بعد 929 ه
القول الثاني : أنهم من بني إسماعيل بن محمد بن جعفر بن القاسم بن جعفر بن محمد بن زيد الشهيد وهو مذهب إبراهيم بن ناصر بن طباطبا الحسني ت بعد 479 ه
القول الثالث : أنهم من بني أبي محمد اسماعيل بن جعفر بن أحمد بن جعفر بن القاسم بن محمد بن زيد الشهيد وهو مذهب ابن فندق البيهقي ت 565 ه ابي محمد اسماعيل بن أحمد بن علي بن جعفر بن القاسم بن محمد بن زيد الشهيد وهو مذهب صفي الدين ابن الطقطقي ا 709 ه
القول الرابع : أنهم من بني أبي محمد إسماعيل بن أحمد بن جعفر بن القاسم بن جعفر بن محمد بن محمد بن زيد الشهيد وهو مذهب ابن عنبة الحسني ت 828 ه .
5- أبو الحسن ( و قيل أبو الحسين ) علي الزيدي الحسيني نقيب جرجان ( 5)
القول الأول : علي بن زيد بن علي بن الحسين بن عيسى بن زيد بن الحسين غضارة بن عيسى بن زيد الشهيد وهو مذهب النسابة زين الشرف المرشد بالله الكيا الحسني ت 479 ه وعنه إبراهيم بن ناصر بن طباطبا الحسني ت بعد 479 ه
القول الثاني : علي بن زيد بهراة بن علي بن الحسين بن عيسى بن الحسين غضارة وهو مذهب أبي عمرو عثمان بن حاتم ابن المنتاب ت بعد 391 ه
القول الثالث : علي بن زيد بن علي بن عيسى بن زيد بن الحسين غضارة بن عيسى بن زيد بن الحسين بن عيسى بن زيد الشهيد وهو مذهب شيخ الشرف العبيدلي ت 437 ه و أبي عبد الله الحسين بن طباطبا الحسني ت 449 ه
القول الرابع : علي بن الحسين بن عيسى بن زيد بن الحسين غضارة وهو مذهب نقله شيخ الشرف العبيدلي ت 437 ه و لم يعتمده .
هذه بعض الأمثلة التي وردت في كتب الأنساب و هناك غيرها لا يتسع المقال لسردها جميعا و اكتفي بما ذكرت و سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك .
كتبه إسماعيل بن علي العلوي
الحاشية :
(1) منتقلة الطالبية ص 80-81 و تهذيب الانساب و نهاية الاعقاب ص 209 و 210 و المجدي في انساب الطالبيين ص 393 و لباب الانساب و الالقاب و الاعقاب 1/281 و الفخري في أنساب الطالبيين ص 54 -55 و الأصيلي في انساب الطالبيين ص 246 و عمدة الطالب ص 271 و المشجر الكشاف ص 108
(2) منتقلة الطالبية ص 173-174 و ص 252 ط (رايانه اي قائميه اصفهان) و تهذيب الانساب و نهاية الاعقاب ص 49 و المجدي في أنساب الطالبيين ص 242 و التذكرة في الانساب المطهرة ص 45 و عمدة الطالب ص 120 و المشجر الكشاف ص 198 .
(3) لباب الانساب و الالقاب و الاعقاب 2/598 و التحبير في المعجم الكبير 2/318 و المنتخب في معجم شيوخ السمعاني ص 1751 و الفخري في انساب الطالبيين ص 178-179 و طبقات الفقهاء الشافعية 2/672 و طبقات الشافعيين 1/581 و المشجر الكشاف ص 247 .
( 4) تهذيب الانساب و نهاية الاعقاب ص 221 و المجدي في انساب الطالبيين ص 385 و منتقلة الطالبية ص 351 و لباب الانساب و الالقاب و الاعقاب 2/682 و الفخري في أنساب الطالبيين ص 53 و التذكرة في الانساب المطهرة ص 211 و الاصيلي في انساب الطالبيين ص 239 و عمدة الطالب ص 280 و المشجر الكشاف ص 104
(5) منقلة الطالبية ص 115 و تهذيب الانساب و نهاية الاعقاب ص 213
المصدر...