إهداء من مكتب الفرقان لتحفيظ القرآن
يسر مكتب الفرقان لتحفيظ القرآن أن يقدم هذا العمل المتواضع لنتعلم خلقا من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شهر مولده
يقول تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء : 135]
ويقول تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة : 8]
ويقول تعالى : {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام : 152]
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد
فإن الدرس الذى نتعلمه اليوم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هو الإنصاف
ومع أن الإنصاف كان صفة بارزة وخلقا واضحا للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أننا نشعر بندرته وغربته فى المجتمع الإسلامى اليوم ، سواء على مستوى الدول أو الأحزاب والجماعات ، أو المتخاصمين أو الأهل أو الزوجين ، خاصة عند الخصومة والنزاع ، فلا يرى أحد المتنازعين فضلا للآخر ، بل لا يرى إلا عيوبه ، وهذه خصلة من النفاق
يقول عمار بن ياسر : " ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَار"
فهيا بنا نرى إنصاف النبي صلى الله عليه وسلم لكل من حوله من المسلمين والمشركين والنصارى واليهود حتى الشياطين
والنماذج والأمثلة على إنصافه صلى الله عليه وسلم كثيرة ، ولكننا سنوجز فى عرض الأمثلة
أولا : إنصاف النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين
سواد بن غزية : كان النبي –صلى الله عليه وسلم- ينظم الصفوف يوم بدر قبيل المعركة ، وكان سيدنا سواد يخرج عن الصف قليلا ، فضربه النبي –صلى الله عليه وسلم- ضربة خفيفة بقدح كان فى يده وقال له : استو يا سواد ، فقال سواد : لقد أوجعتنى يا رسول الله ، فالنبي –صلى الله عليه وسلم- وهو حاكم الأمة ورئيسها ورأسها ينصفه من نفسه ويكشف له –صلى الله عليه وسلم- عن بطنه ويقول له (استقد) يعنى افعل بى ما فعلته بك ( مع أن النبي لم يخطئ ) فأقبل سواد مسرعا وقبل بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما حملك على هذا يا سواد ( يعنى الأمر لا يستدعى كل ما فعلت ) فقال سواد : يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير
ثانيا : إنصاف النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين
قد يكون إنصاف النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين أمرا طبيعيا فهم أتباعه وأحبابه وأنصاره ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب المثل الأعلى فى الإنصاف مع المشركين حتى فى الجاهلية ، فلم يمنعه قبح الجاهلية ووثنيتها أن ينصفهم ويثنى عليهم فيما أحسنوا فيه ، حين تعاهدت بعد القبائل القرشية قبل الإسلام على نصرة المظلوم ان هذا عملا طيبا فأنصفهم النبي فيه وقال : " لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ "
ثالثا إنصاف النبي صلى الله عليه وسلم لليهود
إن أحد المتظاهرين بالإسلام والمحسوبين على المسلمين سرق درعا من رجل وخبأه عند يهودى ، وشهدت قبيلته معه ضد اليهود ، ووجدوه عند اليهودى ، يعنى كل الأدلة والقرائن والبينات تجزم أن اليهودى هو السارق ، ورغم ما بين اليهود والنبي صلى الله عليه وسلم من عداء ، إلا أن القرآن أنصف اليهودى وبرأه من فوق سبع سماوات ( النساء 105 – 113 )
وبعد فتح خيبر وأصبح المسلمون هم سادة المكان ، واليهود صاغرين مهزومين ، كان بعض المسلمين يسيرون فى خيبر ثم تفرقوا ، فقتل أحدهم ( عبد الله بن سهل ) فجاءوا إلى رسول الله واتهموا اليهود بقتله ، فطلب النبي البينة ولم يكن لهم دليل واضح ( مع ان القرائن تدل على أن اليهود هم الجناة ) ، وكان المقابل عند عدم البينة يقسم خمسين من اليهود على أنهم لم يقتلوه ، فلم يرض المسلمون بذلك لأنهم يعلمون أن اليهود سيحلفون كذبا ، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن دفع لهم الدية ( مائة من الإبل ) من بيت مال المسلمين حسما للنزاع
وأنصف النبي صلى الله عليه وسلم اليهود ولم يظلمهم أو يعذبهم مع أن كل أصابع الاتهام تشير إليهم
رابعا : إنصاف النبي صلى الله عليه وسلم للنصارى
إن إنصاف النبي صلى الله عليه وسلم للنصارى أوضح من أن يُوضَح ، يكفى أن من يظلم واحدا كمخك أو يكلفه فوق طاقته فإن النبي هو الذى يكون خصم المسلم الظالم يوم القيامة ، يقول صلى الله عليه وسلم : " أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوِ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
إن إنصاف النبي للنصارى لم يتوقف عند العدل معهم وعدم ظلمهم ، بل إنه تعداه إلى مرحلة الثناء على من يستحق الثناء منهم ، فقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشى وهو نصرانى ويحكم دولة نصرانية ، ووصفه بالعدل وأنه لا يُظلم عنده أحد ( وقد أسلم النجاشى بعد ذلك )
خامسا : إنصاف النبي صلى الله عليه وسلم لإبليس
إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتوقف إنصافه عند البشر مسلمين ومسيحين ويهودا ومشركين ، بل تعداه إلى رأس الشياطين إبليس –لعنه الله- ، ونحن نقول إبليس لعنه الله ونأخذ أجرا على لعنه ، ومع ذلك لم يبخسه النبي حقا ، قال أَبِو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ»، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لاَ أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ»، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَهَذَا آخِرُ ثَلاَثِ مَرَّاتٍ، أَنَّكَ تَزْعُمُ لاَ تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ} [البقرة: 255]، حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «مَا هِيَ»، قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ} [البقرة: 255]، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ - وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخَيْرِ - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَة ) ، قَالَ: لاَ، قَالَ: (ذَاكَ شَيْطَانٌ) .
فإبليس الكذاب صدق مرة ، هذه المرة لم يجحدها النبي له ، بل أنصفه فيها وأقر بصدقه رغم أنه كذوب
فهذا هو النبي لمن يحبه ويقتدى به ويحتفل به ، وهذا هو النبي لمن أراد أن يحتفل به
اليوم مجرد خلاف بسيط بيننا وبين من نحب فإننا ننسى سنوات المودة ، وسيئة واحده نهدم بها جبالا من الحسنات ، مع أن جبال السيئات لإبليس لم تهدم له حسنة واحدة فعلها
تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرى الناس فيكم تجاههم ما تحبون أن ترونه فيهم تجاهكم ، وهو عين الإنصاف من النفس ، يقول صلى الله عليه وسلم : " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ"
كتبه / طه عبد الحافظ أحمد الوزيرى
المصدر...