ذكر الله جل و علا قصة نبى الله صالح عليه السلام فى أكثر من موقف بغير تكرار, إذ أنه جل و علا حاشاه التكرار بغير حاجة أو فائدة مرجوة, و القصص القرآنى ما أُنزل إلا بقدر لتثبيت فؤاد المصطفى صلى الله عليه و سلم و المؤمنين إلى يوم الدين, فنرى تارة قصة صالح عليه السلام مع أكابر قومه:
"كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ(30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31)" القمر
إذ أن ديدن أكابر القوم دوماً هو التعالى و الإستكبار, فقد رفضوا أن يتبعوا بشراً واحداً لأنهم يرون فى أنفسهم أنهم أسمى من البشر, لذا فقد قالوا فى مقام آخر:" قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ (76)" الأعراف, و يتضح منطقهم فى الكفر جلياً واضحاً, إذ أنهم لم يكفروا بصالح عليه السلام, بل كفروا بما آمن به الضعفاء, ثم تعجبوا متسائلين أَأُلقى عليه الوحى من دوننا - و يتكرر دوما منطق المتكبرين حين نرى اللهُ عزَّ و جل يصف قول الوليد بن المغيرة (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (الزخرف 31)) - ثم اتهموه بالكذب الشديد "بل هو كذابٌ أشر" و هذا قطعاً كفر به, "وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ(34)" سبأ, ثم بعد ذلك تحدوه و أمروا أحدهم بعقر الناقة "فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77)" الأعراف, فحاق بهم عقاب الله تعالى لهم فى الدنيا:" فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)" الأعراف, و أجابهم الله تعالى :" فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ(30)" القمر, لذا فقد كانت الآيات من سورة القمر و الأعراف تكمل بعضها بعضاً, و لا ريب تصف حال أكابر القوم و مترفيهم مع صالح عليه السلام, إذ أن حجتهم كلها استكباراً و عتواً.
ثم يقص القرآن مشهداً آخراً فى سورة هود مع زعماء ثمود و أولى الأمر منهم:
" وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا ۖ أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) وَيَا قَوْمِ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيز ُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67)كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ(68)" هود
إذ أن صالحاً عيه السلام بدأ بأساس دعوته و ذكرهم أنهم لم يخلقوا إلا من أديم الأرض, ثم أن الله وضع على عاتقهم مسؤولية إعمارها, و حيث أنهم لم يدَّعوا الألوهية قط فلم يردوا عليه رداً قبيحاً و لكنهم ساوموه على أن يترك دعوته – {وحيث أن الكفر كله ملةٌ واحدةٌ فقد تكرر هذا مع المصطفى صلى الله عليه و سلم حين ساوموه على ترك دعوته, فقال قولته الشهيرة لعمه أبى طالب: "يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله ، أو أهلك فيه ، ما تركته" رواية يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس} - فقالوا له إنك كنت منا قريباً و قد كنت سترفع مكاناً علياً لولا ما جئت به, فأجابهم إجابة الواثق بالله: إنكم لن تنصروننى من الله, ثم أن ما ظننتم أنكم خالعوه على ليكون ربحاً دنيوياً فى معصية الله تعالى لن يزيدنى إلا خساراً, ثم أن هذه الناقة هى معجزة من الله تصديقاً لى فلا تؤذوها؛ فلم يعقروها و لكنهم وافقوا أو فوضوا الفئة الأولى فى عقرها, فقال لهم استمتعوا فى بيوتكم ثلاثة أيام و هذا ما لم يقله صالح عليه السلام لغيرهم, لذا فإن أغلب الظن أن هذه الآيات كانت مع أولى الأمر منهم.
ثم يقص القرآن مشهداً ثالثاً لعموم قوم ثمود فى سورة الشعراء:
"كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144)وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ(146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152) قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (158)" الشعراء.
بدأ صالح عليه السلام بأساس دعوته ثم ذكرهم بآلاء الله عليهم و حذرهم من اتباع المسرفين و المتكبرين المفسدين, فاتهموه بأنه مسحور, و خلافا للفرقة الأولى اعترفوا بأنهم بشرٌ مثله, فإذا أتاهم بآيةٍ فإنه من الصادقين, فلما أتى بالآية كذبوها, و ذلك لأنهم أطاعوا سادتهم و كبراءهم و لم يمانعوا عقر الناقة, بل ربما يكونوا قد سوغوا هذا لبعضهم بعضاً, فلما عُقرت ندموا لما عرفوا أن العذاب واقع بهم لا محالة, و هذا دوما هو حال عامة القوم الذين يتبعون مسرفيهم حتى الهلاك نفسه بغير تفكير أو مراجعة بل أحياناً يبررون لهم أفعالهم الدنيئة, و ذلك لا يكون إلا لضعف نفوسهم و احتقارهم لذاتهم ثم تنقلب عليهم مقادير الدهر و يسبق عليهم القول فيندموا حين لا ينفع الندم, لذا نرى الله عز و جل يصف مثل هذه الحال فى سورة سبأ: "وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا ۚ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33)", و فى سورة ص :" كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوا وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3)"؛ فأغلب الظن أن هذه الآيات الكريمة كانت لعموم القوم من ثمود.
ثم أن الله عز وجل ذكر فى حق الفئة الأولى أنهم نادوا صاحبهم فتعاطى فعقر؛ اجتمعوا لينظروا أيهم أكثر جرأة و إقداماً ليفعل فعلة شنعاء كهذه, إذ أنهم أيقنوا أن صالحاً مرسل من ربه "وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)" فصلت, و لم يستطع واحدٌ منهم فعلها بنفسه, فنظروا فلم يجدوا أشقى و لا أجرأ و لا أكثر إقداماً من قدار بن سالف, فتعاطى فعقر, تعاطى الخمر, السيف أو تعاطى مالاً , لقد غره إقدامه و تهوره و جرأته و ظن أنه منيع يستطيع فعل أى شئ بغير حساب, ثم أرادوا قتل صالح عليه السلام و أهله و ظنوا أن الله تاركهم حتى يقولوا لأهله ما شهدنا مهلكه فأخذهم الله جميعاً أخذاً و بيلاً و ماتوا ميتة السوء و نجى الله صالحَ و من معه برحمته.
و يتضح أن من مكرَ و خطط, و من ساعد و أَذِن, و من مول و جهَّز, و من سكت و تغافل عن قتل الناقة حاق به العذاب نفسه و الوعيد نفسه, و اشترك فى الذنب نفسه, يقول الحق سبحانه :" كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا" الشمس.
و مجرد التكذيب بصالح عليه السلام كان محركاً قوياً, و محرضاً على قتل الناقة, فلما عقروها ذكر الحق سبحانه أنه ذنب واحد فعلوه جميعاً فاستحقوا عليه عذاب الدنيا و الآخرة؛ و هذا مذهب الإمام مالك بن أنس, أن القاتل و المحرض و من عاونهما شركاء فى كبيرة القتل, و يُقتص منهم جميعاً.
يقول رب العزة فى سورة مريم:" ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا (70)"
و في الحديث قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: يا علي، مَن أشقى الاوّلين؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: عاقر الناقة، فمن أشقى الاخرين؟
قال: الله ورسوله أعلم .
قال: فأهوى بيده إلى لحية عليّ، فقال: يا علي الذي يخضب هذه من هذا . ووضع يده على قرنه. (أى قاتلك يا على) . (صححه الألبانى)
كم من أمة عقرت أسباب رحمة الله عليها استكبارا و جرأة و إقداما بغير وعى فمنعت رحمة الله و حاق بها العذاب الشديد فما نفعها شئ من كبرها, أما قدار بن سالف فإنه يعيش و يتجول بيننا, ليس واحداً فقط, بل كثير, فمنعنا الخير بسببهم...........
ذلك مما علمنى ربى و ما أوتيته على علم منى إن هذا إلا فضل من الله و منة, و الحمد لله رب العالمين.
المصدر...