مِنَ الْمُهْمَاتِ الَّتِي يَجِبُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِيمَنْ لَمْ يُعْرِفْ فِيهِ جَرْحٌ مُفَسَّرٌ، مُعْتَبَرٌ: [1] أَنَّ مَنْ خَرَّجَ لَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأُسْتَاذُهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحَيْهِمَا، فَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَهُمَا، مَا لَمْ يَقُلِ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لا أَعْرِفْهُ بِجَرْحٍ، وَلا عَدَالَةَ، وَمَا لَمْ يَقُلِ عَنْهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِهِ: لا أَدْرِي مَنْ هُوَ!.
[2] وَتَوْثِيقُهُمَا لِمَنْ لَمْ يُعْرِفْ فِيهِ جَرْحٌ مُفَسَّرٌ، مُعْتَبَرٌ، مُتَلَقَّى عَنْهُمَا بِالْقَبُولِ، خِلافًا لَمَنْ وَصَفَهُمَا بِالتَّسَاهُلِ.
وَلا يَذْهَبَنَّ عَنْكَ قَوْلُ الْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ:
«لَمْ يَجْتَمِعِ اثْنَانِ مِنْ عُلَمَاءِ هَذَا الشَّأْنِ قَطُّ عَلَى تَوْثِيقِ ضَعِيفٍ، وَلا عَلَى تَضْعِيفِ ثِقَةٍ»
فَإِذَا شَارَكَهُمَا النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، فَخَرَّجَا لِمَنْ وَثَّقَاهُ، فَهَذَا أَرْفَعُ، وَأَوْثَقُ مِمَّنْ تَفَرَّدَا بِهِ.
وَمِنْ أَبْيَنِ تَطْبِيقَاتِهِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ الأَشْجَعِيُّ الْغَطَفَانِيُّ، أَخُو سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ.
فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي «كِتَابِ الثِّقَاتِ» (5/20/3635)، وَخَرَّجَ حَدِيثَهُ وَصَحَّحَهُ هُوَ، وَأُسْتَاذُهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَاكِمُ فِي صَحِاحِهِمْ، وَالنَّسَائِيُّ فِي مْجْتَبَاه.
فَكَانَ هَذَا مِنْ أَرْبَعَتِهِمْ تَوْثِيقًا لَهُ، وَهُوَ تَصْرِيْحِيٌّ مِنَ ابْنِ حِبَّانَ، وَضِمْنِيٌّ مِنَ الآخَرِينَ.
[3] مِنْ لَطَائِفِ تَنْبِيهَاتِ الْجَهَابِذَةِ النُّقَّادِ: مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ «الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ» (2/ 36):
بَابُ فِي رِوَايَةِ الثِّقَةِ عَنْ غَيْرِ الْمَطْعُونِ عَلَيْهِ أَنَّهَا تُقَوِّيهِ، وَعَنِ الْمَطْعُونِ عَلَيْهِ أَنَّهَا لا تُقَوِّيهِ.
قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ عَنْ رَجُلٍ غَيْرِ ثِقَةٍ؛ مِمَّا يُقَوِّيهِ؟، قَالَ: إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالضَّعْفِ لَمْ تُقَوِّهِ رِوَايَتُهُ عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ مَجْهُولاً نَفَعَهُ رِوَايَةُ الثِّقَةِ عَنْهُ.
وَلا مَعْنًى لِقَوْلِهِ عَنِ الْمَجْهُولِ: نَفَعَهُ رِوَايَةُ الثَّقَةِ عَنْهُ، إِلاَّ حُسْنُ الظَّنِّ بِهِ، وَتَعْدِيلُهُ، وَتَلَقِّي رِوَايَتِهِ بِالرِّضَا وَالْقَبُولِ، مَا لَمْ تُخَالِفِ الأُصُولِ. وَمِنْ أَبْيَنِ تَطْبِيقَاتِهِ عِنْدَ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ:
مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ «الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ» (7/ 255/ 1399): مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي رَزِينٍ. رَوَى عَنْ أُمِّهِ. رَوَى عَنْهُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ. سُئِلَ أَبِي عَنْهُ، فَقَالَ: شَيْخٌ بَصْرِيٌّ، لا أَعْرِفُهُ، لا أَعْلَمُ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ قَلَّ مَنْ يَرْضَى مِنَ الْمَشَايِخِ، فَإِذَا رَأَيْتَهُ قَدْ رَوَى عَنْ شَيْخٍ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ ثِقَةٌ اهـ.
فَهَذَا أَحَدُ الْمَجَاهِيلِ، مِمَّنْ لا يَعْرِفُهُمْ أَبُو حَاتِمٍ، فَوَثَّقَهُ لِرِوَايَةِ الثِّقَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ عَنْهُ؛ لِمَا عَلِمَ مِنْ تَثَبُّتِهِ، وَتَحَرُّزِهِ، وَانْتِقَائِهِ لِشُيُوخِهِ، وَأَنَّهُ لا يَرْوِي إِلاَّ عَنْ ثِقَةٍ.
[4] وَلَيْسَ الأَمْرُ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّوْثِيقِ عَلَى إِطْلاقِهِ، وَلَكِنَّهُ نَافِعٌ فِيمَنْ لا يُعْلَمُ فِيهِ جَرْحٌ، وَلَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهِ بِتَلْيِينٍ.
فَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ؟، فَقَالَ: يُزَيِّنُ أَمْرَهُ عِنْدِي أَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنْهُ، يَعْنِي أَنَّ: مَالَكًا لا يَرْوِي إِلاَّ عَنْ ثِقَةٍ. وَمَعَ ذَلِكَ، قَالَ النَّسَائِيُّ: عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَإِنْ كَانَ رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ.
وَإِنَّمَا قَالَهَا النَّسَائِيُّ لِوُجُودِ الْمَانِعِ، وَهُوَ التَّلْيِينُ.
وَشًعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ مِمَّنْ قَالُوا عَنْهُ فِي جَمْعٍ مِنَ الأَئِمَّةِ، كَيَحْيَى الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي زُرْعَةَ: لا يَرْوِي إِلاَّ عَنْ ثِقَةٍ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَدْ رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الضُّعَفَاءِ: جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ الْهَجَرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ الْعَرْزَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَإِنَّمَا رَدُّوا رِوَايَةَ شُعْبَةَ عَنْ هَؤُلاءِ؛ لِوُجُودِ الْجَرْحِ فِيهِمْ.
فَهَذَا فُرْقَانٌ وَاضِحٌ بَيْنَ مَا يُقْبَلُ مِنَ التَّوْثِيقِ الضِّمْنِيِّ، وَمَا لا يُقْبَلُ مِنْهُ، فَلْيٌتَنَبَّهْ لِمِثْلِهِ!.
الصور المصغرة للصور المرفقة
المصدر...