![]() |
![]() |
آخر مواضيع المنتدى |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
الإرادة و المشيئة في الكتاب والسنة
الحمد لله الذي خلق فسوى ،وقدر فهدى ، وصل اللهم وسلم وبارك على نبي الهدى و آله وأصحابه أولي الرشاد والتقى أما بعد : فقد رأيت بعض الفضلاء تكلم في مسألة الإرادة والمشيئة وقال: إن الإرادة تنقسم إلى إرادة شرعية ،وإلى إرادة كونية ،وأما المشيئة فهي لا تنقسم وإنما تكون كونية فقط . وأقدم من فهم منه هذا القول هو شيخ الإسلام ابن تيمية- أعلى الله مقامه - وتبعه جماعة من الفضلاء ؛فرأيت أن أجلي هذه المسألة لنفسي أولا ،ثم لإخواني المسلمين ؛ حتى نكون على بصيرة من أمور ديننا . وسوف يدور البحث على عدة أركان أرجو من الله تعالى أن يوفقني للسداد ،وأن تكون تلكم الأركان أخذ بعضها بزمام بعض ؛ليرتقي الناظر فيها إلى أن يصل للصواب بدليله. أولا : اعرف الحق بدلائله ،ولا تعرف الحق بقائله . ويرحم الله علي بن أبي طالب حيث قال لمن قال له: أتُرانا نرى أن الزبير وطلحة كانا مخطئين وأنت المصيب؟ فقال له عليٌّ: ويحك! يا فلان: إن الحق لا يعرف بالرجال. اعرف الحق تعرف أهله. وكما قال مالك : ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم. أخي في الله كم من مسألة غاب فيها عن الناظر في أدلتها الصواب ،وذلك لأمور عدة أحسن فيها الجواب شيخ الإسلام في كتابه الماتع " رفع الملام عن الأئمة الأعلام" ثانيا : لا يعني القول بأن فلانا من العلماء أخطأ في مسألة أن يغض من منزلته ،أو يقلل هذا من شأنه ؛ بل هو مجتهد مأجور يدور بين أجرين. قال الحافظ الذهبي في سير النبلاء - في ترجمة محمد بن نصر المروزي- : ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورا له؛قمنا عليه، وبدعناه، وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة. (11/27) الإرادة في كتاب الله تبارك وتعالى أولا : الإرادة الشرعية:هي التي توافق ما يحبه الله ويرضاه ( العبادة). قال الله تعالى ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) البقرة: ١٨٥ (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) النساء: ٢٦ (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) النساء: ٢٧ (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) النساء: ٢٨ (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) المائدة: ٦ (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ)الأنفال: ٦٧ (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ) الحج: ١٦ (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) الأحزاب: ٣٣ (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ) غافر: ٣١ وغيرها من الآيات ثانيا الإرادة الكونية : وهي التي تكون في ملكه فلا يقع في كونه إلا ما يريده. قال الله تعالى ذكره :(وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) المائدة: ٤١ (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) الأنعام: ١٢٥ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ (الدُّنْيَا) التوبة: ٥٥ (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) هود: ٣٤ (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) هود: ١٠٧ (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ) الرعد: ١١ وغيرها من الآيات المشيئة في كتاب الله أولا المشيئة الشرعية : هي التي توافق ما يحبه الله ويرضاه ( العبادة). قال الله تعالى ذكره:( وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) البقرة: ١٠٥ (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) البقرة: ١٤٢ (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) البقرة: ٢١٣ (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) البقرة: ٢٥١ (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) البقرة: ٢٦١ (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) البقرة: ٢٦٩ (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) البقرة: ٢٧٢ (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) آل عمران: ١٢٩ (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ) آل عمران: ١٧٩ (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) النساء: ٤٩ (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) المائدة:٥٤ (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) الأنعام: ٨٨ (وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)التوبة: ١٥ (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يونس: ٢٥ (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) يوسف: ٥٦ (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) إبراهيم: ١١ (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)النحل: ٢ (نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) النور: ٣٥ (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ )فاطر: ٢٢ (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) الإنسان: ٣١ ثانيا :المشيئة الكونية: وهي التي تكون في ملكه فلا يقع في كونه إلا ما يشاؤه. قال الله تعالى ذكره:(وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة: 284 (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) آل عمران: ٦ (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) آل عمران: ٤٠ (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )آل عمران: ٤٧ (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) المائدة: ٦٤ (وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا) الأنعام: ٨٠ (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ )الأنعام: ١٣٣ (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا) الأعراف: ٨٩ (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) الأعراف: ١٢٨ (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ) الرعد: ١٣ (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ )الرعد: ٢٦ (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ )الرعد: ٢٧ (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ) إبراهيم: ٤ وغيرها من الآيات ، وقد تقرر أن من طرق التفسير هو تفسير القرآن بالقرآن فقد استدلوا على الإرادة الشرعية بقوله تعالى : (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) النساء: ٢٧ على أن التوبة مما يحبه الله ويرضاه . قلت:ونظيره في المشيئة الشرعية قوله جل ذكره (وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)التوبة:15 فدلت الآيتان على أن من أراد الله توبته ، قد شاء الله توبته. وقد استدلوا على الإرادة الشرعية بقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ) الحج: ١٦ على أن الهدى مما يحبه الله ويرضاه . قلت : ونظيره في المشيئة الشرعية قوله جل ذكره : (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) البقرة: ٢١٣ فدلت الآيتان على أن من أراد الله هدايته ، فقد شاء الله هدايته. وهذان المثالان يدلان دلالة واضحة لا لبس فيها على أن الإرادة الشرعية توافقها المشيئة الشرعية. والآن ننتقل إلى الإرادة الكونية وإن كان لا اختلاف فيها وقد استدلوا على الإرادة الكونية بقوله تعالى ذكره : (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) الأنعام: ١٢٥ وقد استدلوا على أن من أراد الله إضلاله أضله. قلت : ونظيره في المشيئة الكونية قوله جل ذكره :( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يشأ اللَّهُ يُضْلِلْهُ)الأنعام: ٣٩ فقد دلت الآيتان على أن من أراد الله إضلاله ، فقد شاء الله إضلاله. وفي عموم الفعل في الإرادة والمشيئة. قال الله تعالى ذكره : (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) الحج: ١٤ (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) الحج: ١٨ وقد جمع الله الإرادة والمشيئة في قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) البقرة: ٢٥٣ (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) هود: ١٠٧ فدلت هاتان الآيتان على أن المشيئة بمعنى الإرادة. قال الإمام الشافعي في كتاب الأم (1/ 232 -233): وَالْمَشِيئَةُ إرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) التكوير: ٢٩ فَأَعْلَمَ خَلْقَهُ أَنَّ الْمَشِيئَةَ لَهُ دُونَ خَلْقِهِ وَأَنَّ مَشِيئَتَهُمْ لَا تَكُونُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.انتهى وقال أبوعثمان الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص 285-286: ومن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، لم يؤمن أحد إلا بمشيئته، ولم يكفر أحد إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولو شاء ألا يعصى ما خلق إبليس، فكفر الكافرين وإيمان المؤمنين بقضائه سبحانه وتعالى وقدره وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه.انتهى وبوب البخاري في صحيحه باب في المشيئة والإرادة . ثم ذكر الآيات والأحاديث المثبتة لمشيئة الله وإرادته بإطلاق. ولما كان في الأصل إثبات أن المشيئة شرعية وكونية ولم يختلف في الكونية أذكر حديثين في المشيئة الشرعية وحديث واحد في كليهما من السنة النبوية. وفي صحيحي البخاري ( 7440) ومسلم (322) والفظ له من حديث أنس بن مالك – حديث الشفاعة – وفيه ... ثم أعود فأقع ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع يا محمد، قل تسمع، سل تعطه، اشفع تشفع... الحديث روى البخاري في صحيحه(2268) عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مثلكم ومثل أهل الكتابين، كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم "، فغضبت اليهود، والنصارى، فقالوا: ما لنا أكثر عملا، وأقل عطاء؟ قال: «هل نقصتكم من حقكم؟» قالوا: لا، قال: «فذلك، فضلي أوتيه من أشاء» وفي مسند أحمد(18406)،والبزار(2796) عن النعمان بن بشير، قال: كنا قعودا في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بشير رجلا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني، فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة " ثم سكت، قال حبيب: " فلما قام عمر بن عبد العزيز، وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته، فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه، فقلت له: إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين، يعني عمر، بعد الملك العاض والجبرية، فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسر به وأعجبه " وقد صححه العراقي في " محجة القرب إلى محبة العرب" كما نقله الألباني في الصحيحة(1/34/5) وقد حسنه الألباني ،و قال الهيثمي في المجمع (5/188):رجاله ثقات. قلت : فالمشيئتان المقدمتان هما في المشيئة الشرعية،و المشيئتان المتأخرتان هما في المشيئة الكونية. والله تعالى أعلم وأحكم. وقد وقع - فيما يظهر لي – هذا الخطأ من فهم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة(3/15) حيث قال : وأما جمهور أهل السنة من جميع الطوائف، وكثير من أصحاب الأشعري وغيرهم ، فيفرقون بين الإرادة وبين المحبة والرضا، فيقولون: إنه وإن كان يريد المعاصي فهو لا يحبها ولا يرضاها، بل يبغضها ويسخطها وينهى عنها، وهؤلاء يفرقون بين مشيئة الله وبين محبته. وهذا قول السلف قاطبة. وقال (3/ 16 ): والمحققون من هؤلاء يقولون: الإرادة في كتاب الله تعالى نوعان: إرادة خَلْقية قَدَرية كونية، وإرادة دينية [أمرية] شرعية ؛ فالإرادة الشرعية الدينية هي المتضمنة للمحبة والرضا ،والكونية هي [المشيئة] الشاملة لجميع الحوادث، كقول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.انتهى قلت : إذا أثبت المشيئة الشاملة لجميع الحوادث لزم منه أن تشمل الإرادة الشرعية فهي داخلة فيها لا محالة. وقال ابن تيمية في أمراض القلوب صــ46: وَالله سُبْحَانَهُ قد بَين فِي كِتَابه فِي كل وَاحِدَة من الْكَلِمَات وَالْأَمر والإرادة وَالْإِذْن وَالْكتاب وَالْحكم وَالْقَضَاء وَالتَّحْرِيم وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ ديني مُوَافَقَته لمحبة الله وَرضَاهُ وَأمره الشَّرْعِيّ وَمَا هُوَ كوني مُوَافَقَته لمشيئته الكونية . وقد تابعه على قوله الإمام ابن القيم في شفاء العليل ص 48حيث قال : فصل: وههنا أمر يجب التنبيه عليه والتنبه له وبمعرفته تزول إشكالات كثيرة تعرض لمن لم يحط به علما وهو أن الله سبحانه له الخلق والأمر وأمره سبحانه نوعان: أمر كوني قدري، وأمر ديني شرعي فمشيئته سبحانه متعلقة بخلقه وأمره الكوني وكذلك تتعلق بما يحب وبما يكرهه كله داخل تحت مشيئته كما خلق إبليس وهو يبغضه وخلق الشياطين والكفار والأعيان والأفعال المسخوطة له وهو يبغضها فمشيئته سبحانه شاملة لذلك كله وأما محبته ورضاه فمتعلقة بأمره الديني وشرعه الذي شرعه على ألسنة رسله فما وجد منه تعلقت به المحبة والمشيئة جميعا فهو محبوب للرب واقع بمشيئته كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين وما لم يوجد منه تعلقت به محبته وأمره الديني ولم تتعلق به مشيئته وما وجد من الكفر والفسوق والمعاصي تعلقت به مشيئته ولم تتعلق به محبته ولا رضاه ولا أمره الديني وما لم يوجد منها لم تتعلق به مشيئته ولا محبته فلفظ المشيئة كوني ولفظ المحبة ديني شرعي ولفظ الإرادة ينقسم إلى إرادة كونية فتكون هي المشيئة وإرادة دينية فتكون هي المحبة. قلت : كلام ابن القيم – رحمه الله – فيه ما يدل على ما سبق الكلام عليه بأدلته ،وأما كلامه الأخير فهو ما قد أعد البحث له. وقد قال كثير من المعاصرين في شرح الواسطية ،وغيرها بعدم انقسام المشيئة وهي لا تكون إلا كونية فقط،وزاد أحدهم فقال : المشيئة لا تنقسم عند أهل السنة والجماعة ! وقد سبق ذكر الأدلة بخلاف ما قالوه ،والمثبت مقدم على النافي. وقال طائفة من المفسرين بنحو ما قلت : قال شيخ المفسرين الطبري (13/517): فقل: إن الله يضل منكم من يشاء أيها القوم فيخذله عن تصديقي والإيمان بما جئته به من عند ربي، ويهدي إليه من أناب، فرجع إلى التوبة من كفره والإيمان به، فيوفقه لإتباعي وتصديقي به على ما جئته به من عند ربه، وليس ضلال من يضل منكم بأن لم ينزل علي آية من ربي، ولا هداية من يهتدي منكم بأنها أنزلت علي، وإنما ذلك بيد الله، يوفق من يشاء منكم للإيمان، ويخذل من يشاء منكم فلا يؤمن. وقد بينت معنى الإنابة في غير موضع. قال ابن الجوزي في الزاد (2/493): قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ أي: يردُّه عن الهدى كما ردّكم بعد ما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ أي: رجع إِلى الحق، وإِنما يرجع إِلى الحق من شاء اللهُ رجوعه، فكأنه قال: ويهدي من يشاء. وقال الواحدي في الوسيط (3/15): {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد: 27] رجع إلى الحق، وإنما يرجع إلى الحق من يشاء الله، فكأنه قال: ويهدي إليه من يشاء. كما قال في آيات: {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [يونس: 25] .ومثله السمعاني في تفسيره(3/91) وقال أيضا (3/80): {وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [النحل: 93] وهذا صريح في تكذيب القدرية حيث أضاف الضلالة والهداية إلى نفسه وجعلهما لمن شاء من خلقه بالمشيئة الأزلية، ثم أخبر أنهم يسألون عن أعمالهم، فقال: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93] فبان أن الأمر على ما أخبر الله به من قوله: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] . وقال البغوي في معالم التنزيل (3/20): وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا، مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ أَيْ: يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ بِالْإِنَابَةِ. وَقِيلَ: يُرْشِدُ إِلَى دِينِهِ من رجع إِلَيْهِ بِقَلْبِهِ. وقال (3/94): وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْإِسْلَامُ، وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ، بِخِذْلَانِهِ إِيَّاهُمْ عَدْلًا مِنْهُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ، بِتَوْفِيقِهِ إِيَّاهُمْ فَضْلًا منه، وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وقال الرازي في مفاتيح الغيب (26/224): وقال: فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وذلك ؛لأن الناس أشخاصهم متساوية في الحقيقة والإساءة والإحسان، والسيئة والحسنة يمتاز بعضها عن بعض فإذا عرفها البعض دون البعض لا يكون ذلك باستقلال منهم، فلا بد من الاستناد إلى إرادة الله. وقال القرطبي (10/172): قوله تعالى: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) أي على ملة واحدة. (ولكن يضل من يشاء) بخذلانه إياهم، عدلا منه فيهم. (ويهدي من يشاء) بتوفيقه إياهم، فضلا منه عليهم، ولا يسأل عما يفعل بل تسألون أنتم. وقال أبوحيان في البحر المحيط (6/409): قوله تعالى: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) أي على ملة واحدة. (ولكن يضل من يشاء) بخذلانه إياهم، عدلا منه فيهم. (ويهدي من يشاء) بتوفيقه إياهم، فضلا منه عليهم، ولا يسأل عما يفعل بل تسألون أنتم. وقال ابن كثير في سورة الحج (5/402): وَقَوْلُهُ: {وَكَذَلِكَ أَنزلْنَاهُ} أَيِ: الْقُرْآنَ {آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أَيْ: وَاضِحَاتٍ فِي لَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا، حُجَّةً مِنَ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ {وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ} أَيْ: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ وَالْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ فِي ذَلِكَ، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 23] ، أَمَّا هُوَ فَلِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ، وَعِلْمِهِ وَقَهْرِهِ وَعَظَمَتِهِ، لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.انتهى وإليك أخي طالب العلم من جواهر ابن تيمية وابن القيم ما تقر به العين،و هو يوافق ما ذكرته في الجملة ، فلأن تأخذ بكلامه الموافق للدليل أسعد لك بلا مَيْن. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (7/381): وقال تعالى {إنا كل شيء خلقناه بقدر} وهو سبحانه يعلم قبل أن يخلق الأشياء كل ما سيكون وهو يخلق بمشيئته فهو يعلمه ويريده وعلمه وإرادته قائم بنفسه وقد يتكلم به ويخبر به. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (8/459-460) : ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأن العباد لهم مشيئة وقدرة يفعلون بمشيئتهم وقدرتهم ما أقدرهم الله عليه مع قولهم إن العباد لا يشاءون إلا أن يشاء الله. كما قال الله تعالى: {كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله} الآية. وقال تعالى: {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما} وقال: {إن هو إلا ذكر للعالمين} {لمن شاء منكم أن يستقيم} {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} . والقرآن قد أخبر بأن العباد يؤمنون ويكفرون ويفعلون ويعملون ويكسبون ويطيعون ويعصون ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجون ويعتمرون ويقتلون ويزنون ويسرقون ويصدقون ويكذبون ويأكلون ويشربون ويقاتلون ويحاربون فلم يكن من السلف والأئمة من يقول: إن العبد ليس بفاعل ولا مختار ولا مريد ولا قادر. ولا قال أحد منهم: إنه فاعل مجازا؛ بل من تكلم منهم بلفظ الحقيقة والمجاز متفقون على أن العبد فاعل حقيقة والله تعالى خالق ذاته وصفاته وأفعاله. وقال (16/235): الوجه الثالث: أنه قد كان ألهم الفجور والتقوى وهو خالق فعل العبد. فلا بد أن يعلم ما خلقه قبل أن يخلقه كما قال {ألا يعلم من خلق} لأن الفاعل المختار يريد ما يفعله والإرادة مستلزمة لتصور المراد. وذلك هو العلم بالمراد المفعول. وإذا كان خلقه للشيء مستلزما لعلمه به فذلك أصل القدر السابق وما علمه الله سبحانه بقوله وبكتبه فلا نزاع فيه. وهذا بين في جميع الأشياء في هذا وغيره. فإنه سبحانه إذا ألهم الفجور والتقوى فالملهم إن لم يميز بين الفجور والتقوى ويعلم أن هذا الفعل الذي يريد أن يفعله هذا فجور والذي يريد أن يفعله هذا تقوى لم يصح منه إلهام الفجور والتقوى. فظهر بهذا حسن ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من تصديق الآية لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من القدر السابق. وقوله سبحانه {فألهمها فجورها وتقواها} كما يدل على القدر فيدل على الشرع. فإنه لو قال " فألهمها أفعالها " كما يقول الناس خالق أفعال العباد " لم يكن في ذلك تمييز بين الخير والشر والمحبوب والمكروه والمأمور به والمنهي عنه؛ بل كان فيه حجة للمشركين من المباحية والجبرية الذين يدفعون الأمر والنهي والحسن والقبح؛ فإنه خلق أفعال العباد. فلما قال {فألهمها فجورها وتقواها} كان الكلام تفريقا بين الحسن المأمور به والقبيح المنهي عنه وأن الأفعال منقسمة إلى حسن وسيئ مع كونه تعالى خالق الصنفين. وهذه طريقة القرآن في غير موضع يذكر المؤمن والكافر وأفعالهما الحسنة والسيئة ووعده ووعيده؛ ويذكر أنه خالق الصنفين كقوله {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} ونحو ذلك.انتهى. وقال في الصفدية (2/330): يقول أهل السنة: إن الله خص المطيعين بما به رجحوا الطاعة على المعصية دون العصاة ، ولولا تفضله عليهم بما به رجحوا لم يطيعوه. كما قد بسط هذا في موضعه ،والقادر إذا كان له إرادة تامة لزم وجود مقدوره فهو يوجب بقدرته ومشيئته ما يريده وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكل ما شاءه الرب فواجب كونه وما لم يشأ فيمتنع كونه لكن وجوب لوجود مشيئته وامتناع لعدم مشيئته.انتهى وقال في بيان تلبيس الجهمية (8/426): لفظ الأمر والإرادة والإذن والحكم والقضاء والكتاب والكلمات والتحريم والبعث والإرسال وغير ذلك ينقسم إلى ديني وكوني شرعي وقدري. وقال في مجموع الفتاوى (6/244) : فإن نفس " الإرادة " هي المشيئة. قال ابن القيم في شفاء العليل صــــ65 الباب الرابع عشر: في الهدى والضلال ومراتبهما والمقدور منهما للخلق وغير المقدور لهم هذا المذهب هو قلب أبواب القدر ومسائله، فإن أفضل ما يقدر الله لعبده وأجل ما يقسمه له الهدى. وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه الضلال ،وكل نعمة دون نعمة الهدى وكل مصيبة دون مصيبة الضلال. وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم و،كتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأن الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد وأن العبد هو الضال أو المهتدي فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره ،والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه ،ولا بد قبل الخوض في تقرير ذلك من ذكر مراتب الهدى والضلال في القرآن فأما مراتب الهدى فأربعة: إحداها: الهدى العام وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها وهذا أعم مراتبه، المرتبة الثانية: الهدى بمعنى البيان والدلالة والتعليم والدعوة إلى مصالح العبد في معاده وهذا خاص بالمكلفين وهذه المرتبة أخص من المرتبة الأولى وأعم من الثالثة، المرتبة الثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء وهي هداية التوفيق ومشيئة الله لعبده الهداية وخلقه دواعي الهدى وإرادته والقدرة عليه للعبد وهذه الهداية التي لا يقدر عليها إلا الله عز وجل، المرتبة الرابعة: الهداية يوم المعاد إلى طريق الجنة والنار. وقال في صـــــ80 : من مراتب الهداية هداية التوفيق والإلهام وخلق المشيئة المستلزمة للفعل وهذه المرتبة أخص من التي قبلها وهي التي ضل جهال القدرية بإنكارها وصاح عليهم سلف الأمة وأهل السنة منهم من نواحي الأرض عصرا بعد عصر إلى وقتنا هذا ولكن الجبرية ظلمتهم ولم تنصفهم كما ظلموا أنفسهم بإنكار الأسباب والقوى وإنكار فعل العبد وقدرته وأن يكون له تأثير في الفعل البتة فلم يهتدوا لقول هؤلاء بل زادهم ضلالا على ضلالهم وتمسكا بما هم عليه وهذا شأن المبطل إذا دعى مبطلا آخر إلى ترك مذهبه لقوله ومذهبه الباطل كالنصراني إذا دعى اليهودي إلى التثليث وعبادة الصليب وأن المسيح إله تام غير مخلوق إلى أمثال ذلك من الباطل الذي هو عليه وهذه المرتبة تستلزم أمرين أحدهما: فعل الرب تعالى وهو الهدى والثاني: فعل العبد وهو الاهتداء ،وهو أثر فعله سبحانه فهو الهادي والعبد المهتدي قال تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ} ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام ؛فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد، ولهذا قال تعالى: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلّ} وهذا صريح في أن هذا الهدى ليس له صلى الله عليه وسلم ولو حرص عليه ،ولا إلى أحد غير الله ،وأن الله سبحانه إذا أضل عبدا لم يكن لأحد سبيل إلى هدايته ؛كما قال تعالى: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ} وقال تعالى: {مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وقال تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات} وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} وقال: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} وقال: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً} وقال: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} وقال أهل الجنة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّه} ولم يريدوا أن بعض الهدى منه وبعضه منهم؛ بل الهدى كله منه ،ولولا هدايته لهم لما اهتدوا. وقال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} وقال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} وقال تعالى: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُو} وقال: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} وقال: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وأمر سبحانه عباده كلهم أن يسألوه هدايتهم الصراط المستقيم كل يوم وليلة في الصلوات الخمس ،وذلك يتضمن الهداية إلى الصراط ،والهداية فيه ،كما أن الضلال نوعان: ضلال عن الصراط فلا يهتدي إليه ،وضلال فيه. فالأول :ضلال عن معرفته. والثاني: ضلال عن تفاصيله أو بعضها. قال شيخنا: "ولما كان العبد في كل حال مفتقرا إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره من أمور قد أتاها على غير الهداية ،فهو محتاج إلى التوبة منها ،وأمور هدي إلى أصلها دون تفصيلها ،أو هدي إليها من وجه دون وجه فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها؛ ليزداد هدى ،وأمور هو محتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي ،وأمور هو خال عن اعتقاد فيها فهو محتاج إلى الهداية ،وأمور لم يفعلها فهو محتاج إلى فعلها على وجه الهداية إلى غير ذلك من أنواع الهدايات ؛فرض الله عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله وهي الصلاة مرات متعددة في اليوم والليلة" انتهى كلامه ولا يتم المقصود إلا بالهداية إلى الطريق والهداية فيها فإن العبد قد يهتدي إلى طريق قصده وتنزيله عن غيرها ولا يهتدي إلى تفاصيل سيره فيها وأوقات السير من غيره، وزاد المسير وآفات الطريق ؛ولهذا قال ابن عباس في قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} قال: "سبيلا وسنة" وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير فالسبيل الطريق وهي المنهاج والسنة الشرعة وهي تفاصيل الطريق وحزوناته ،وكيفية المسير فيه وأوقات المسير ،وعلى هذا فقوله:سبيلا وسنة. يكون السبيل: المنهاج .والسنة: الشرعة. فالمقدم في الآية للمؤخر في التفسير وفي لفظ آخر سنة وسبيلا فيكون المقدم للمقدم والمؤخر للتالي.انتهى وقال صــ168: ثم قال : من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له فهذه شهادة للرب بأنه المتصرف في خلقه بمشيئته وقدرته وحكمته وعلمه وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء فإذا هدى عبدا لم يضله أحد وإذا أضله لم يهده أحد وفي ذلك إثبات ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وقضائه وقدره الذي هو عقد نظام التوحيد وأساسه.انتهى وقد وصلت إلى ختام ما جمعته ؛فإن كان صوابا فمن الله الرحمن ،وإن كانت الأخرى فمن نفسي والشيطان، وأعوذ بالله من الخذلان . أسأل الله بفضله ،ومنِّه أن يوفقني وإخواني إلى الصواب، اللهم اهدنا لم اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم . وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه عصام بن بديع الخزرجي بمكة المكرمة لسبع خلون من ذي الحجة لعام ست وثلاثين وأربع مئة وألف من الهجرة ومن كان عنده نصح أو توجيه فالمؤمن مرآة أخيه. المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|