أعيناه على برّكما
كلٌ يعلم وجوب وفضل برّ الوالدين، فكم وصّى الله بهما، والإحسان إليهما، وترى كلٌّ من مكانته ومنصبه أساتذةً، دعاةً، كبراء العائلة كلّما حصل خلاف بين الابن وأبيه، أو الأم وابنتها، يُلقى باللوم على الأبناء، ولا ضير في ذلك، فبرّهما واجب، وحقّهما كبير، ولو ضاعت حقوقنا أمام حقيهما، ففي الحديث الذي حفظناه صغاراً (أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك قال ثم من قال ثم أبوك). وفي الحديث (رضا الله في رضا الوادين، وسخط الله في سخط الوالدين).
ولكن.. هل برّ الوالدين درجةٌ واحدةٌ؟ أم أنّ هناك برّ أشق وأصعب من برّ؟. نعم ليس البرّ بالمشقة نفسها، فكما أنّ العقوق يتفاوت فالبرّ كذلك يتفاوت بحسب تفاوت استعياب وتحمّل وإيجابية الوالدين.
فبعض الأباء والأمّهات، إيجابيون متعاونون لدرجة كبيرة مع أبنائهما، يبشّان في وجوههم، يكثران من الدعاء لهم، يسألان عن مشاكلهم ليحلّوها، وعن صعوباتهم ليتجاوزوها، وهنا يسهل على الأبناء تحقيق البرّ. أما إن كان الوالدان، أو أحدهما كثيري النقد، متعددي الطلبات، يتعاملان بردود الفعل والضربات، لا يراعيان طاقة الأبناء، ومدى استيعابهم، فهنا يجب على الأبناء البرّ، ولكن يجب على الأبوين أن يعينا الأبناء على برّهما.
فليس المقصد من الزواج هو التقاء النطفتين ثم التقاط الجنين باليدين وحسب؛ بل يتبع ذلك سنوات من الرعاية، والتربية، والتعليم، والتأديب، وهنا يظهر تقصير بعض الأباء والأمهات، ولإيضاح هذا المضمون تأمل هذه القصة:
جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر عمر الولد، وأنّبه على عقوقه لأبيه، ونسيانه لحقوقه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوقٌ على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أن ينتقي أمَّه، ويحسن اسمَـه، ويعلمه القرآن. قال الولد: يا أمير المؤمنين، إن أبي لم يفعل شيئاً من ذلك، أمّا أمّي فإنها زنجية كانت لمجوسي، وقد سماني جُعَلاً ـأي خنفساء- و لم يعلمني من القرآن حرفاً واحداً. فالتفت عمر إلى الرجل وقال له: جئت إلي تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك؟!
فأعيناه على برّكما، تخليا عن القسوة في الكلام والمعاملة، وكثرة التقريع والتأنيب، والإهمال، والعبوس، والبخل في الإنفاق، وتحليّا بحسن الثناء، والمكافأة والعطاء، والتربية والسخاء، وتعليمهم الأداب والإسلام.
ثمّ أخشى أن يجانب الفهمُ المقصدَ من هذا المقال، فليس المقصود مقابلة الخطأ بالخطأ، ولا السلبية بالسلبية، ولا النقد بالنقد؛ فحقّ الوالدين عظيم، وبرّهما واجب في كل ما يأمران إلا ما فيه معصية للخالق. قال رجل لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: حملت أمي على رقبتي من خراسان حتى قضيت بها المناسك، أتراني جزيتها؟ قال: "لا، ولا طلقة من طلقاتها". ولكن المرمى من المقال همسة في أذن الوالدين أن (أعيناه على بركما).
صالح الشناط
المصدر...
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|