المسلمون والعرب في الجيش الأمريكي.. الولاء لمن؟! (1/ 2)
د. أحمد إبراهيم خضر
هناك خمسة عشر ألف جنديّ مسلم يخدمون حاليًا في القوات المسلحة الأمريكية، منهم ثلاثة آلاف وخمسمائة أصلهم عربيّ. وتبيِّن الوثائق التي استند إليها "راي حانانيا" إلى أنَّ هناك اثني عشر ألف جنديّ عربيّ، كانوا قد خدموا في الجيش الأمريكيّ في الحرب العالمية الثانية. وتُشير كتابات أخرى إلى أنَّ الأمريكيين العرب، حاربوا إلى جانب الولايات المتحدة منذ عام 1776م، وأنَّ أول جنديّ عربيّ مات في حروب استقلال أمريكا، كان مهاجرًا سوريًّا قتِلَ في 23 من مايو عام 1776م.
يحرص البنتاجون حرصًا شديدًا، على ضمِّ الأمريكيين العرب إلى صفوف قواته المسلحة؛ نظرًا لأهمية الدور الذي يمكن أنْ يقوموا به لخدمة أهدافه؛ يقول البريجادير جنرال "أنتوني كوكولو" أعلى مسئول عسكريّ للشئون العامة والاتصالات في البنتاجون: "الجنود الأمريكيون العرب عامةً، والمترجمون منهم بصفة خاصة، جنَّبُوا الوحدات العسكرية الأمريكية الوقوع في العديد من الأخطاء في حرب العراق؛ إنهم يُترجمون ويُفسّرون معلومات هامة للغاية، تفيد هذه الوحدات؛ كما قام هؤلاء الجنود، بفَتح عَلاقات مع قيادات القرى والقبائل العراقية، لا يستطيع غيرهم القيام بها؛ بسبب معرفتهم بلغة وثقافة العراقيين، وبالإضافة إلى ذلك، ينفرد هؤلاء الجنود بالقيام بأدوار تمثيلية؛ كقادةٍ للقرى والقبائل العراقية في مركز تدريب "صحراء موهافي" بولاية "لويزيانا"، الذي بُنِيَتْ فيه قرى ومراكز حضرية، شديدة الشبه بمثيلاتها في العراق؛ يتم فيها تدريب الجنود الأمريكيين الذاهبين إلى العراق، على التفاعل مع البيئة العراقية الحقيقية ".
ويكشف "كوكولو" بِجَلاءٍ، أنَّ الولايات المتحدة لا تمنح الإقامة بها لأحد، دون أنْ يدفع الثمن؛ يقول "كوكولو" للأمريكيين العرب، وهو يدعوهم إلى الانضمام للجيش الأمريكيّ: إنهم طالما يتمتعون بالحرية في الولايات المتحدة؛ فعليهم الدفاع عَنْ هذه الحرية. إنَّ هذه العبارة وَحْدَها، كفيلة بتفسير السبب الذي مِنْ أجله تمنح الولايات المتحدة، آلاف بطاقات الإقامة للشباب مِنْ مختلف دول العالم، عَنْ طريق القرعة، فلوِ افترضنا أنَّ السبب الظاهر هو مَلْءُ الفراغ السكاني، الناتج عَنِ السياسة السكانية للشعب الأمريكيّ، الذي يقتصر في إنجابه على عددٍ محدودٍ جدًّا مِنَ الأطفال، فإنَّ النظرة الأكثر عُمْقًا، تكشف لنا أنَّ هذه السياسة السكانية قد أدَّتْ - مع إلغاء التجنيد الإجباريّ في عهد الرئيس "نيكسون" - إلى نضوب المورد البشريّ الدائم اللازم للجيش الأمريكيّ؛ ومِنْ ثَمَّ اعتمدتِ العسكرية الأمريكية اعتمادًا بالغًا على القوة التكنولوجية؛ تعويضًا عَنْ هذا النقص البشريّ. إنَّ هذه الملايين التي تعيش ليل نهار في كلِّ بقعة مِنَ العالم - في الحُلْم الأمريكي، وتَتُوق إلى الحياة والعيش في أرض الميعاد الأمريكية - هي التي تصلح أنْ تكون وَقُودًا للحرب، وتحقق أهداف صُنَّاع هذه الحرب مِنَ الرأسماليين الصناعيين، والعسكريين، ورجال البنوك، وأصحاب شركات النفط. إنهم في نَظَرِ صُنَّاع الحرب "مُلَوَّنون"، وأول مَنْ يجب أنْ يَدْفع ثمن إقامته في أمريكا، ولو كان الموت دفاعًا عَنِ الذين أَتَوْا به إليها، أما الأمريكيّ الأبيض، فيجب أنْ يكون هو آخر مَنْ يُدْفَعُ به إلى الموت، ولا مشكلة عند صُنَّاع الحرب أنْ يموت أمريكيّ أبيض في الحرب مِنْ أجلهم، طالما أنه اختار الانضمام للجيش؛ لعَجْزِهِ عَنِ الدخول في حلبة المنافسة الحرة، التي هي أساس الرأسمالية الأمريكية؛ وهنا يتساوى هذا الأبيض، مع غيره مِن الجنود السُّود، والريفيين، والنساء الذين يبحثون عَنْ مورد سهل للعيش، مُمَثّلاً في الجيش؛ فالبقاء للأصلح في عُرْفِ هؤلاء الرأسماليين الكبار.
ولا يُعَوِّلُ الأمريكيون كثيرًا على الجيل الأول مِنَ المهاجرين، الذين لا يزالون يحتفظون ببعض خصائص سمات ثقافتهمُ الأولى، إنما يعوِّلون على أبنائهم وأحفادهم، الذين تكون الثقافة الأمريكية قد صبغتهم تمامًا بصبغتها،على حساب ثقافة آبائهم، وما الجنود المسلمون الأمريكيون إلا أبناء هؤلاء المهاجرين، الذين قَدِمُوا إلى الولايات المتحدة ووُلِدَ أبناؤهم بها، وأصبحوا جزءًا مِنْ ثقافتها.
السؤال هنا: حينما يلتحق الجنود المسلمون - طوْعًا - بالجيش الأمريكيّ، ويحاربون في العراق، وأفغانستان، والصومال، ويذهبون تحت أيّ شعار آخر إلى مناطق المسلمين، في الفلبِّين، وكوسوفو، وغير ذلك مِنْ بلاد المسلمين، يكون ولاؤهم لمَنْ: أللدين وأهله (أي للإسلام والمسلمين)، أم للوطن وأهله (أي للولايات المتحدة والأمريكيين)؟! ليس هناك مِنْ بديل ثالث: إما الإسلام وإما الولايات المتحدة! فمصلحة الإسلام ليست هي مصلحة الولايات المتحدة، وقواعد ثقافة الإسلام، وما ينبثق منها مِنْ عادات وتقاليد وأخلاق، ليست هي قواعد الثقافة الأمريكية، وما ينبثق منها مِنْ عادات وتقاليد وأخلاق، والفخر والاعتزاز برموز ثقافة الإسلام، ليس كالفخر والاعتزاز برموز الثقافة الأمريكية؛ فالإسلام لا يقبل مِنْ مسلم أمريكيّ أو عربيّ أو غير ذلك، أنْ يَنْحَنِيَ تبجيلاً، واعتزازًا، واحترامًا، وصمتًا، وسلوكًا، لعَلَمٍ يُعْتَبَرُ رمزًا لأمة، لا تعترف بالإسلام دِيْنًا، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولاً، أو بشريعة الإسلام كمنهج للحياة، فالتعظيم والتبجيل لا يكون إلا لله وَحْدَهُ.
الواقع هو أنَّ المسلمين الأمريكيين، اختاروا طريق الوطنية، أو ما أَسْمَوْهُ بـ "حُبِّ الوطن"؛ إنَّ التحاقهم - طوعًا - بالجيش الأمريكيّ حَسَمَ مسألة الولاء. علماء الغرب مِنْ دارسي مسألة الوطنية Patriotism، اتفقوا على أنَّ الالتحاق بالخدمة العسكرية، والاستعداد للموت مِنْ أجل الوطن، هو أعلى مراتب الوطنية.
الوطنية كما يراها هؤلاء الدارسون، هي التأييد الإيجابيّ للوطن، والفخر بأرضه، وتاريخه، وشعبه، وإنجازاته، والاعتزاز بثقافته، وما تحتويه مِنْ عادات وتقاليد، والرغبة الأكيدة في الحفاظ على قواعد هذه الثقافة. إنها التوحُّد مع أبناء الوطن الآخرين، وهي قبول إيديولوجية الوطن، على أنها صالحة ومرغوب فيها، والنظرة إلى الوطن على أنه قيمة أخلاقية في حدِّ ذاته. فهذا هو الضابط البحريّ الأمريكيّ "ديكاتورثي"، يرى أنَّ الوطنية تعني أنْ يضع المواطن مصالح الوطن، فوق مصالحه الشخصية، ومصالح جماعته، وأنْ يكون مستعدًا للتضحية بحياته، مِنْ أجل مصالح هذا الوطن.
هذا هو ما فعله الأمريكيون المسلمون، فقد أكَّدوا الولاء لأمريكا وَحْدَها، وأعلنوا أنهم يحاربون في صفِّ الولايات المتحدة، طالما أنها في حرب مع ما تُسَمِّيهم بالإسلاميين المتطرفين، الذين يهددون الاستقرار في العراق وأفغانستان.
وحقيقة الأمر أنَّ هذا المبرر، وهو قتال ما يُسَمُّونهم بالإسلاميين المتطرفين، ليس هو السبب الحقيقيّ لانضمام الجنود المسلمين والعرب، إلى صفوف القوات المسلحة الأمريكية، السبب الحقيقيّ هو تأكيد الولاء للولايات المتحدة؛ وهناك دليلان يُثبتان ذلك:
الدليل الأول: ما كتبه "محمد الشناوي" بتاريخ 16 من فبراير 2007 م، في موقع News V.A.com؛ يقول " الشناوي: " لا زال الكثير مِنَ الجنود الأمريكيين العرب، بعد أحداث 11 سبتمبر، في حاجةٍ إلى أنْ يُبَرْهِنوا، أنهم جديرون بأنْ يكونوا جنودًا في الجيش الأمريكيّ، وإلى تأكيد ولائهم للولايات المتحدة. لقد دفعت هذه الحاجة رقيب مشاة البحرية الأمريكية "جمال باعداني"، إلى أنْ يُنْشِئَ جمعية خاصة للأمريكيين الوطنيين العرب، سُمِّيَتْ اختصارا بـ "آبام"، تهدف هذه الجمعية إلى تمكين الأمريكيين العرب، مِنَ الوقوف بثبات وبقوة لإعلان أنهم "وطنيون"، وتوصيل هذه الرسالة إلى المجتمع الأمريكيّ الكبير، ورَدْم الهُوَّة بين الأمريكيين العرب والثقافة الأمريكية، وأنهم وَحْدة واحدة مع الأمريكيين بِغَضِّ النظر عَنْ بُلدانهم الأصلية، وأنهم ليسوا بإرهابيين، وليسوا أقل وطنية مِنْ أي جماعات أخرى في الولايات المتحدة. يقول "باعداني": " إنَّ هذه الجمعية تحاول أنْ تُبْرِزَ للأمريكيين، أنه بالرغم ممَّا يقال عَنِ الأمريكيين العرب، في أجهزة الإعلام، فإنَّ لهم إسهامات وتضحيات في سبيل الولايات المتحدة، منذ حرب الاستقلال وحتى الآن، مِنْ أصغر جنديّ عادي إلى الجنرال "جون أبي زيد"، الذي قاد العمليات العسكرية لمدة أربع سنوات، مِنَ القرن الأفريقيّ عَبْرَ الشرق الأوسط، إلى جنوب ووسط آسيا".
المصدر...