الأمة بين فكر الثورة وثورة الفكر
عمر إبراهيم المدرس
تعدُّ ما سمِّيَت بثورات (الربيع العربي) نقطةَ تحول في التاريخ العربي المعاصر؛ فهذه الحركات الاحتجاجية ما تزال تتفاعل وتتطوَّر إلى اليوم بأشكال مختلفة، واتَّخذَت طرائق متباينة تكمل بها مسيرتها نحو ما تحلم به وتبغيه.
ولكن من الملاحظ أنه رغم الزمن الطويل نسبيًّا على اندلاعها، لم نقرأ أو نسمع أو نرَ ظاهرةً فكرية جديدة تنتجها هذه الثورات؛ لتكون البِنية العقلية التي تؤسس عليها البِنى السياسية والاقتصادية وغيرها، فالأفكار ما زالت هي نفسها دون تغيير أو تجديد، إنَّ طبيعة الثورات العربية جاءت نتيجة معاكسة للسياسة؛ لذلك فإنها ذات طبيعة سياسية أكثر مما هي ثورة اجتماعية؛ كثورة فلاحين وطبقات دُنيا، أو حركة فكرية إصلاحية؛ كاللوثرية وغيرها، فهي لم تتبنَّ قناعات فكرية بقدر ما رفعَت شعارات سياسية وطالبتْ بالحقوق العامَّة والحريات؛ لذلك يغلب عليها هذا الطابع السياسي المشحون والكثيف بمآلاته الوخيمة.
إنَّ الواقع يشهد بأن هذه الثورات لم تغيِّر الكثير، ولن تكون قادرة على ذلك؛ لأنها لم تتركَّز على وعيٍ فكري، وخطة مدروسة واضحة؛ فهي ردَّة فعل مشوبة بالعاطفة، وقابلة للانزلاق والاندفاع والتفكُّك؛ لأنها أيضًا بلا قيادة ورمز ومؤثِّر فكري، أو لنقل: مرجعيَّة تقودها، فهي حركة شبابيَّة شعبية، تقوم على هدف واضح - وهو (إسقاط النظام) - بغير تفكير في الكيفيَّة والطريقة، أو تقدير للمآلات، أو إعداد للبديل عنه؛ لذلك حصل الاضطراب والانهيار في الكثير منها.
إن أوروبا التي سبقَتنا بهذا النوع من الثورات كانت قد سبقَتها حركةٌ فكريَّة ثقافية، امتدَّت لسنوات طويلة، حتى جاءت الثورة الفرنسية لتكون نتيجة لهذه الحركات الفكرية الفلسفية والدينية والثقافية وغيرها، فأوروبا - وهي في جهلها وتخلُّفها - بدأت تغيِّر أفكارَها أولًا، مستعينة بالكتب اليونانية والرومانية، وبكتب المسلمين، وكذلك بالفنِّ والرسم والنحت، واخترعَت الطِّباعة التي نشرت الكتبَ بين العوام والخواص، فتغيَّرَ الكثير من الأفكار والرؤى، وبدأت موجات تحديث وإصلاح في كلِّ شيء، وظهرت اللوثرية التي تمرَّدَت على السلطات الكنسية، وأصبح الشعب يتجرَّأ على ملوكه، وانتهى الإقطاع، وبعد سلسلة أحداث وصلَت أوروبا إلى ما وصلَت إليه.
إننا إذ نعرض هذا التسلسل التاريخي لطبيعة التغيير والإصلاح، لا نريد لأنفسنا أن نكون مقلِّدين لأوروبا؛ بل نريد أن نَعِيَ وأن ندرك طبيعةَ الأمور، وحركة التاريخ المعاصر، فالأفكار هي من يجِب أن تتغيَّر أولًا كي تتغيَّر قناعاتنا ونظرتنا إلى الأمور، ولكي نفهمها أولًا قبل أن نتعامل معها، وفي ظلِّ حاجتنا إلى التغيير الفكري فإننا نحتاج إلى التجديد الدِّيني، ذلك التجديد الذي وعدنا به؛ فهو لَمحةُ أمل للأمَّة بأن هناك من سيأتي أو سيأتون ليعيدوا ربطَ الحاضر بالدِّين ممَّا يخلق دافعية جديدة للأمَّة، وروحًا وعزيمة تنفض عنها غبارَ اليأس وعرق القهر.
هكذا إذًا هي الأمور، وكيف لا تكون هكذا؟! والله تعالى نصَّ على هذا القانون التاريخي الخالد بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11]، تمعَّن في لفظة (قوم): نَكِرة للعموم، فلستم أنتم وحدكم المخاطبين؛ بل هو قانون لكلِّ الأمم، فكل أمة تغيِّر مِن نفسها أولًا، وماذا تغيِّر؟ أتغيِّر طريقةَ طعامها وشرابها، وملبسها وسيرها، وكلامها ومنامها؟ لا، بل تغيِّر مِن فكرها وتفكيرها، وعلمها ودأبها، وسيرورتها وحركتها.
وهكذا هي الأمَّة اليوم، فهذا الذي تحتاجه؛ تحتاج ثورة في الفكر لا فكرًا في الثورة؛ لأنَّ مجرد الثورة بغير فِكر جديد يُحي الميت، ويعيد الغائبَ، لن تكون هذه الثورة ناتجة وفاعلة؛ بل خاوية المضمون وخالية الإنتاج.
المصدر...