هل صار الإنصاف مع المخالف سنة مهجورة ؟ !
الحمد لله وبعد
وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لابُدَّ منه ([1])لتفاوت إرادتهم وأفهامهم، وقوى إدراكهم، ولكن المذموم ، بَغْي بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يُؤدِّي إلى التباين والتحزب، وكل مِن المُختلفينِ قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف؛ فإنه أمر لابُدَّ منه في النشأة الإنسانية، ولكن إذا كان الأصل واحداً، والغاية المطلوبة واحدة، والطريق المسلوكة واحدة لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافا لا يضر؛ كما تقدَّم من اختلاف الصحابة؛ فإنَّ الأصل الذي بنوا عليه واحد وهو كتاب الله وسنة رسوله، والقصد واحد، وهو طاعة الله ورسوله، والطريق واحد، وهو النظر في أدلة القرآن والسنة، وتقديمها على كل قول ورأي وقياس وذوق وسياسة».([2])
ولقد نهى الله تعالى عباده المؤمنين ألا يحملهم بغضهم لقوم أن يتركوا العدل فيهم أو أن ينصفوهم من أنفسهم ،حتى وإن كان بغضهم لهم فى الله ولله ، قال عز شأنه : (ولا يجرمنّكم شنئان قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) وإذا كان هذا فى حق الكافر فهو بلا شك أحق وأولى فى المسلم ، يقول شيخ الإسلام : وقد قال سبحانه : [ ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ] فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا عليهم فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع متأول من أهل الإيمان فهو أولى أن يجب عليه ألا يحمله ذلك على ألا يعدل على مؤمن وإن كان ظالما له([3])
قال القرطبي رحمه الله : " ودلت الآية على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه، وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق، وأن المثلة بهم غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغمونا بذلك، فليس لنا أن نقتلهم بمثلة قصدا لايصال الغم والحزن إليهم " ([4])
ولقد حفظ لنا التاريخ آثاراً وأمثالاً مضروبة لهذا المعنى الذكي . يقول الذهبى رحمه الله في ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي البصري ( ت 117هـ ) : " ..... وهو حجة بالإجماع إذا بيّن السماع ، فإنه مدلّس معروف بذلك وكان يرى القدر ، نسأل الله العفو ،ومع هذا فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبّس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه ، وبذل وسعه والله حكم عدل لطيف بعباده ولا يسأل عمّا يفعل ، ثم إنّ الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعلم تحرّيه للحق واتبع علمه وظهر ذكاؤه ، وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلله ولا نضلّله ونطرحه وننسى محاسنه ، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه ونرجو له التوبة من ذلك ) ([5])
وهذا ابن القيم رحمه الله يقول في معرض الثناء على شيخه الإمام ابن تيمية رحمهم الله جميعاً : «وما رأيتُ أحدا قط أجمع لهذه الخصال مِن شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه، وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم، وجئت يوما مُبشراً له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له فنهرني، وتنكَّر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزّاهم وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام فَسُرُّوا به، ودعوا له، وعظَّموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه».([6])
فإذا كان هذا في حق المخالف المعترض عليه في عقيدته أو خلقه فكيف بأهل العلم والورع وأصحاب السير الجميلة من أهل السنة والدعوة ومقتفى أثر السلف .
إذا تحلى الإنسان بالإنصاف حمله على أن يقدر الخطأ حق قدره ، ولا يعطيه أكبر من حقه ، كما لا ينسى السابقة الجميلة لقائله ، وقرائن الأحوال التي حملته على فعله أو قوله ، " فمن قواعد الشرع والحكمة أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل من غيره ويعفى عنه ما لا يعفى من غيره فإن المعصية خبث والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث .. وهذا أمر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم أن من له ألوف الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ([7])
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله : (ومن أعظم المحرمات وأشنع المفاسد إشاعة عثراتهم والقدح فيهم في غلطاتهم (أي العلماء ويلحق بهم أهل الفضل من الدعاة وغيرهم) وأقبح من هذا إهدار محاسنهم عند وجود شيء من ذلك ، وربما يكون وهو الواقع كثيرا أنّ الغلطات التي صدرت منهم لهم فيها تأويل سائغ ولهم اجتهادهم فيه معذورون والقادح فيهم غير معذور ، وبهذا وأشباهه يظهر لك الفرق بين أهل العلم الناصحين والمنتسبين للعلم من أهل البغي والحسد والمعتدين .
فإن أهل العلم الحقيقي قصدهم التعاون على البر والتقوى والسعي في إعانة بعضهم بعضا في كل ما عاد إلى هذا الأمر ، وستر عورات المسلمين وعدم إشاعة غلطاتهم والحرص على تنبيههم بكل ممكن من الوسائل النافعة والذب عن أعراض أهل العلم والدين ولا ريب أن هذا من أفضل القربات ثم لو فرض أنَّ ما أخطأوا أو عثروا فيه ليس لهم فيه تأويل ولا غدر لم يكن من الحق والإنصاف أن تهدر المحاسن وتمحى حقوقهم الواجبة بهذا الشيء اليسير ) ([8])
( 1) " أمر ضروري لابُدَّ منه " أى مقدر بيننا بالأرادة الكونية . لقوله تعالى [ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم]
( 2) «الصواعق المرسلة» (2/519)
( 3) الاستقامة 1/38
( 4) تفسير القرطبي 6/110
( 5) سير أعلام النبلاء 5/271
( 6) «مدارج السالكين» (3/139-140)
( 7) مفتاح دار السعادة 1/177 .
( 8) (الرِّياض النَّاضِرة والحدائق النيرة الزَّهرة في العقائد والفنون المتنوّعة) (ص 105 ـ 106)
المصدر...
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|