ذلك أن من تمام النعمة أن جاءت السنة بمعان بينة وألفاظ مباركة فيها العصمة والدلالة الكافية على مراد الله ورسوله، لا ينبغي استبدالها. وإن معرفتها من تمام معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله. ومراعاتها من تمام الاتباع بإحسان، والله المستعان.
ومن حكمة الله تعالى في اللسان أن كان للكَلِمِ أمران: دلالة على المعنى، وحال في النفس تقترن به. لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يغير الأسماء القبيحة (1) مثل قول سعيد بن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد اهـ فإذا ثبت أثر الاسم على الرجل وآله فكيف بما يقوم في نفس السامع والمتعلم. لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاهد أصحابه بضبط الأسامي الشرعية حفظا للمعاني العلمية والأحوال النفسية التي تصاحبها ..
والبيان في القرآن والحديث - والألقاب منه خاصة - قد نزل منزله بحكمة على أحسن ما يكون البيان العربي .. تأمل مثلا حديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء. حتى تصير على قلبين: على أبيض مثلِ الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض. والآخر أسود مُربادًّا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه [م386] فاختار النبي صلى الله عليه وسلم للصورة الحسنة ألفاظا سهلة مشرقة فقال : "أبيض مثل الصفا" لتحبها النفوس. ولما أن أراد أن يزهد الأمة في القلب المنكوس أتى بألفاظ خشنة تزعج السامع وتكمل المقصود من النفور، فقال: "أسود مربادا" أي في لونه رُبدة وكدرة بين السواد والغبرة، وقال: "كالكوز مجخيا" وهو الكأس المقلوب، لكن كلمة الكأس المقلوب باردة لا يحصل منها ما يكون مع التي نطق بها خير مبين صلى الله عليه وسلم. لذلك لم تسغ الرواية بالمعنى إلا لمن له في العربية ذوق سليم (2).
__________
(1) - زاد المعاد [2/ 334] فصل: في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسماء والكنى.
(2) - قال الأسود بن يزيد النخعي عن عائشة في صلاة رسول الله بالليل: فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب، ولا والله ما قالت قام. [م1762]
المصدر...