السنة في لسان العرب الذي به نزل القرآن وبه تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الطريقة المتبعة المعمول بها بعد من سنها، إنما يسمى الخطاب سنة إذا عُمل به، فإذا عُمل به كان سنة (1)، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده. الحديث. كذلك سنة رسول الله هي طريقته وطريقة أصحابه بعده.
والحديث أعم منها فقد يكون منسوخا، أو معلولا، أو متشابها كأن يكون مرادا به الخصوص بيَّنَه النبي صلى الله عليه وسلم بقرينة الإشارة التي من رآها عرف المراد، أو يكون مقصودا به غير ما قد يُفهم منه مثل قول عائشة في التحصيب: نزول المُحَصَّب ليس بسنة إنما نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج اهـ أو يكون خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم أو خاصا بزمانه كملازمة السؤال عن الرؤيا كل صباح أو ما يكون فيه وصف لخَلْقه .. ونحو ذلك.
ومن سوى بين الحديث والسنة فمن هذه الجهة أي وجد الحديث أو ما فَهِمَ منه معمولا به مقصودا للتشريع. وفي هذا المعنى ألَّف أبو عيسى الترمذي جامعه، يروي الحديث وينبه على العمل، كما بين في كتاب العلل.
وقال الجوهري [مسند الموطأ1/ 11] أخبرنا محمد بن أحمد الذهلي قال حدثنا جعفر قال حدثنا أبو قدامة قال قالَ عبد الرحمن بن مهدي: السنة المتقدمة من سنة أهل المدينة خير من الحديث اهـ (2) ففرق بينهما.
وروى ابن وضاح في البدع [244] بسند صحيح عن دراج أبي السمح قال: يأتي على الناس زمان يسمن الرجل راحلته حتى تعقد شحما , ثم يسير عليها في الأمصار حتى تعود نقضا , يلتمس من يفتيه بسنة قد عُمل بها فلا يجد من يفتيه إلا بالظن اهـ
ومنه ما تقدم عن سليمان الأحول قال: ذكرت لطاووس صوم عرفة أنه يعدل بصوم سنتين. فقال: أين كان أبو بكر وعمر عن ذلك؟ اهـ وله نظائر كثر (3).
وكل من أجاز ترك الحديث الصحيح السند لما ثبت عنده من الإجماع (4) فحاصل فعله التفريق بين الحديث والسنة.
فالصحابة رووا لنا الحديث وعملوا بالسنة المقصودة منه. فإذا ظهر معنى في حديث لم يعمل به أحد من الصحابة زمان الخلافة - التي كانت على منهاج النبوة - لا في الحرمين ولا في الشام ولا في العراق .. فذلك المعنى ليس سنة، ومن عول على فهمه للحديث أخطأ وصيةَ النبي صلى الله عليه وسلم قوله: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ اهـ فسوى بين سنته وسنة الخلفاء من بعده في قوله "عليها "ولم يقل عليهما إذ هما شيء واحد، وذلك ليُضبط قصدُ النبي صلى الله عليه وسلم من حديثه، ويُعلم المحكم من أمره.
فإن قيل هذا يعارض بادي الرأي ما علم أن السنة حَكَمٌ على كل أحد، وألا كلام لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان الأكابر يتركون اجتهادهم للحديث، وكان الصحابي ربما يعزب عنه الشيء بعد الشيء من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو ينسى شيئا مما كان علمه .. وقد كانوا يَرُد بعضهم على بعض، ويصير إلى ما عنده من العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ويترك قول غيره من الصحابة ..
__________
(1) - قال الأزهري: قال شمر: السُنّة في الأصل سُنّة الطريق. وهو طريق سنه أوائل الناس فصار مسلكا لمن بعدهم. وسَنَّ فلان طريقا من الخير يَسُنّه: إذا ابتدأ أمراً من البرّ لم يعرفه قومه فاستنوا به وسلكوه اهـ تهذيب اللغة مادة س ن. قال لبيد بن ربيعة الشاعر: من معشر سنت لهم آباؤهم، ولكل قوم سنة وإمامها. وقال حسان بن ثابت: إن الذوائب من فهر وإخوتهم، قد بينوا سنة للناس تتبع. وقال ابن رجب: والسنة هي الطريق المسلوك فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال وهذه هي السنة الكاملة ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كله، وروي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض اهـ جامع العلوم والحكم [ص 263]
(2) - الذهلي هو أبو طاهر القاضي. وجعفر هو الفريابي. وأبو قدامة هو السرخسي. صحيح. وقال عبد الرحمن بن مهدي [الجرح والتعديل2/ 19] سفيان الثوري إمام في السنة إمام في الحديث. وشعبة بن الحجاج إمام في الحديث وليس بإمام في السنة.
(3) - روى عبد الله بن أحمد في السنة [766] حدثني أبي نا عبد الرحمن بن مهدي قال سمعت مالك بن أنس يقول قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله عز و جل واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله من عمل بها مهتديا بها هدي ومن استنصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى اهـ
(4) - كما قال أصحاب الشافعي وغيرهم في ما روى محمد بن إسحاق بن يسار بسنده مرفوعا: إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا، يعني من كل ما حرمتم منه إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرما كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به اهـ[د2001] فتركوا الحديث الصحيح عندهم لعدم العلم بمن قال به، ولم يعلموا ناسخه، ولم يثبت الإجماع فيه على شرطهم. [المجموع شرح المهذب 8/ 234].
من كتاب الصحيح المنتخل من كلام الأولين في بدع العمل لمحمد مبارك حكيمي (ص204
المصدر...