بسم الله الرحمن الرحيم ..
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد :
التفقه هو فَنُّ اختيار الدليل المناسب لاستخراج الحكم ، ثم الاستنجاد بأصول الفَهم لاستخراج الحكم منه ، ثم تطبيق هذا الحكم على مَحِلِّه ، في ثلاثية لازمة الترتيب ، لا تتقدم ، ولا تتأخر ، وهذه الجملة سبكتها نتيجةُ العناية التامة لتبيّن مفهومين دائمي التداول والحركة ، أولهما مفهوم حكم الشارع من جهة مورده الذي ينحلُّ إلى موادِّ التشريع ، من النص ، والمقصد ، والعلة ، والحكمة ، وغيرها من منابع الأحكام النقلية ، والعقلية ، وثانيهما مفهوم المحل الذي لا ينحلُّ إلا إلى الواقع ، وهو لفظ يشمل بالتواطُيء كل محالِّ الأحكام ، التي تنتشرُ ، ولا تَنحصر .
باديُء الرأي ليس حُجةً حتى يُفحص على طاولة التحقيق ، ولا تَلازُمَ بين المُتبادِر إلى الفهم من المورد النصي وبين انطباقه على مَحلِّه الُمتوَهَّم أنه فيه ، فإن الواجب في الواقع – على حد تعبير ابن القيم – ليس هو المُتبادر إلى الفهم من الدليل الذي يقود إليه باديء الرأي – إن صح – ، فحسب ، بل هو مُحتملٌ على وجه الاستواء ، بين الموارد النقلية ، والعقلية ، على حدٍ سواء ، وهذه رتبة اجتهادية قَبلية على الاجتهاد في فهم المورد ، وهي رتبةُ تَبيُّنِ المورد الذي يُشام منه – على وجه القطع أو الأرجحية الظَّنية – أنه المورد المناسب للمحل ، قبل أن يتفرغ له المجتهد بعد تعيينه بأدوات الكشف عن الحكم ، ليتلو ذلكَ تحقيقه في مَحِلِّه .
إغفال هذه الرتبة ، التي نعتناها بالرتبة القَبلية ، خطأٌ موجود ، وهو ليس إغفالاً تاماً ، بل هو أشبه ما يكون بالمصادرة على المطلوب في اختيار الدليل النقلي أو العقلي المناسب ، فيُختار وفقاً لما سَمح به باديءُ الرأي ، فيفترض المتفقه خطأً أن النص ، أو القياس ، أو الظاهر من النص ، أو المؤول منه ، أو الحديث المعين ، أو الآية المعينة ، هو المورد المناسب ، فيجتاز هذه المرحلة القبلية ويبدأ في إعمال أداة الاجتهاد في المورد الذي رءاه – دون الفحص والاعتمال – مناسباً لأن يُظفر فيه بالحكم المناسب للواقع .
إذن فكما أن فهم الدليل مشروطٌ بأدوات الفهم الأصولية ، وآلات الاستخراج اللغوية ، والمقاصدية ، في تضامن لا ينفك ، فكذلك اختيار الدليل المناسب للواقع قبل الخوض في فهمه ، و قبل أن يُستنبط منه الحكم ، ينبغي أن يكون وفق منهجية محددة ، وترتيب متسلسل ، وطريقة محكمة . والإخلال بهذه المرحلة القبلية ، يُضيع جهد الفقيه إضافة إلى تضييع الظَّفرِ بالحكم الشرعي الصحيح من مورده الصحيح .
من أمثلة هذا الخطأ ، إدراج النازلة الفقهية في عموم نص لتوهُّمِ انطباق لفظه عليها ، واحتوائه لها ، فيكون الاستدلال لفظياً وفقاً للتماثل بين رَسم اللفظ العام ، وبين رَسم النازلة ، أي تطابق ألفاظهما ، بينما هذه النازلة في الواقع وعند تكييفها وفق أصول التكييف ، وإن تماثل اسمها ، المُعطى لها ، مع اسم اللفظ الشرعي ، غير أن هذا الاسم ليس هو المناط المؤثر في إنتاج الحكم المقترن باللفظ العام ، بل المؤثر هو العلة المنطوية من وراء هذا الحكم ، والتي تستدعي من المتفقه استخراجها وفق أصول تخريج المناط ومسالكِه المعروفه .
وهذا مثالٌ ظاهر للخطأ في المَرحلة القبلية التي بينتها في الفقرة الآنفة : اختيار اللفظ العام – بباديء الرأي الناتج عن تماثل رسم الألفاظ – مورداً لانتزاع حكم نازلة : التصوير الفوتوغرافي ، بينما مناط الحكم ليس هو اللفظ ” الصورة ” المستفاد تحريمها من جملة من النصوص ” كل مصور في النار ” بل المناط هو ماوراء النص من العلة المنطوية في كظائَمه وهي تظهر عند الفحص والمقاربة المسالكية ، أخطأ المتفقه هنا في اختيار المورد ، فاختار اللفظ العام ، بينما الصواب هو اختيار العلة بعد استخراجها وفقاً لأصول التخريج ، ثم إنزالها وفقاً لأصول التحقيق .
محمد الصليمي الهذلي
المصدر...