وصف الأديب الرحّالة ابن جبير لدمشق وجِنانها وأنهارها
الحمد لله أما بعد :
قال العلامة ابن جابر الوادي آشي، بعد ذكره وصف ابن جبير لدمشق، ما نصّه: ولقد أحسن فيما وصف منها وأجاد وتوّق الأنفس للتطلّع على صورتها بما أفاد، هذا ولم تكن له بها إقامة، فيعرب عنها بحقيقة علامة، وما وصف ذهبيّات أصيلها وقد حان من الشمس غروب، ولا أزمان فصولها المتنوعات، ولا أوقات سرورها المهنئات، ولقد أنصف من قال: ألفيتها كما تصف الألسن، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، انتهى.
قال صاحب نفح الطيب
ولمّا وصل بغداد تذكر بلده، فقال:
سقى الله باب الطاق صوب غمامة ... وردّ إلى الأوطان كلّ غريب وقال في رحلته في حق دمشق : جنّة المشرق، ومطلع حسنه المونق المشرق، هي خاتمة بلاد الإسلام التي استقريناها، وعروس المدن التي اجتليناها، قد تحلّت بأزاهير الرياحين، وتجلّت في حلل سندسيّة من البساتين، وحلّت من موضع الحسن بمكان مكين، وتزينت في منصّتها أجمل تزيين وتشرفت بأن آوى الله تعالى المسيح وأمّه منها إلى ربوةٍ ذات قرار ومعين، ظلّ ظليل، وماء سلسبيل، تنساب مذانبه انسياب الأراقم بكل سبيل، ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل، تتبرج لناظريها بنجتلى صقيل، وتناديهم هلمّوا إلى معرّس للحسن ومقيل، قد سئمت أرضها كثرة الما، حتى اشتاقت إلى الظّما، فتكاد تناديك بها الصّمّ الصلاب، " اركض برجلك هذا مغتسلٌ باردٌ وشراب " قد أحدقت بها البساتين إحداق الهالة بالقمر، واكتنفتها اكتناف الكمامة للزهر، وامتدّت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر، فكلّ موقع لحظة بجهاتها الأربع نظرته اليانعة قيد النظر ...
قال المقّري قلت: كل ما ذكر رحمه الله تعالى في وصف دمشق الشام وأهلها فهو في نفس الأمر يسير، ومن ذا يروم عدّ محاسنها التي إذا رجع البصر فيها انقلب وهو حسير، وقد أطنب الناس فيها، وما بقي أكثر ممّا ذكروه، وقد دخلتها أواخر شعبان من سنة سبع وثلاثين وألف للهجرة، وأقمت بها إلى أوائل شوّال من السنة، وارتحلت عنها إلى مصر وقد تركت القلب فيها رهناً، وملك هواها مني فكراً وذهناً، فكأنّها بلدي التي بها ربيت، وقراري الذي لي به أهل وبيت، لأن أهلها عاملوني بما ليس لي بشكره يدان، وها أنا إلى هذا التاريخ لا أرتاح لغيرها من البلدان، ولا يشوقني ذكر أرض بابل ولا بغدان، فالله سبحانه وتعالى يعطّر منها بالعافية الأردان.
المصدر...
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|