![]() |
![]() |
|
|
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم هذه أيها الأحبة الكرام مقالة جديدة لشيخنا أبي عبد الله حمزة النايلي(وفقه الله)،نفعنا الله وإياكم بها. قارون وطغيان المال...!!! الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على أشرف المرسلين،نبينا محمد و على آله،وصحبه أجمعين. أما بعد: إنَّ المال في هذه الدنيا سلاح ذو حدين حيث قد يُستعان به على التقرب إلى العزيز المقتدر وذلك ببذله في أوجه الخير و أنواع الطاعة والبِر ، فمن كان هذا هو قصده وهدفه فطوبى له ، فعن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ".رواه الإمام البخاري في الأدب المفرد(299)وصححه الشيخ الألباني-رحمه الله-. يقول الملا علي قاري-رحمه الله-:"(الصالح )وهو من يراعي– أي في المال-حق الله وحق عباده".مرقاة المفاتيح(7 /296) وقد يُبذل ويُضيَّع في اللهو و المحرمات وغير ذلك من أنواع الشر، ويُؤدي بصاحبه إلى المباهاة و التعالي و التكبر على الغير، فمن وقع في ذلك فقد خاب وخَسِر، يقول ابن الجوزي – رحمه الله- :"فأما كسب المال فإن من اقتصر على كسب البُلغة من حلها فذلك أمر لا بد منه، وأما من قصد جمعه والاستكثار منه من الحلال نظرنا في مقصوده، فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته، وادخر لحوادث زمانه وزمانهم وقصد التوسعة على الإخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أثيب على قصده وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات، وقد كان نيات خلق كثير من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين في جمع المال سليمة لحسن مقاصدهم لجمعه فحرصوا عليه وسألوا زيادته ".تلبيس إبليس ( ص 221) ومن أشهر الطغاة الذين كان لهم المال من أسباب الخذلان و البوء بالخسران،لأنهم قابلوا نعمة المنان بالجحود و الطغيان، رجل قصَّ علينا الرحمن خبره في القرآن ألا وهو قارون! الذي أريد أن أقف وإياكم على قصته في هذا المقال كما ذكرها لنا الكبير المتعال مع نقل ما جاء عن بعض علمائنا من أقوال،لأنَّ فيها عظة لمن أراد أن يعتبر وتذكيرا لكل من أعجبته نفسه و تكبر، فأقول أيها الأحباب و فقني الله وإياكم لكل خير وصواب : قال تعالى :(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ ) [ القصص : 76] ، يقول الإمام البغوي – رحمه الله- :" كان ابن عمه ". تفسير البغوي (3/454) يقول الإمام الطبري – رحمه الله- :" (فَبَغَى عَلَيْهِمْ) فتجاوز حده في الكبر والتجبر عليهم". تفسير الطبري (20/106) فكان المال الكثير الذي ابتلاه به العزيز القدير هو سبب وقوعه في هذا الداء الخطير و الشر الكبير، يقول الشيخ السعدي -رحمه الله- :" قارون هذا، بغى على قومه وطغى، بما أوتيه من الأموال العظيمة المطغية ". تفسير السعدي (ص623) يقول جلَّ وعلا :(وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) [ القصص : 76]. يقول الإمام ابن كثير – رحمه الله- :" وقوله: { وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ } أي: من الأموال { مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ } أي: لَيُثقلُ حملُها الفئامَ من الناس لكثرتها".تفسير ابن كثير (3/400) حذره أهل الصلاح والتقوى من الوقوع في العُجب ! ونبهوه بأن رب العالمين لا يُحب المتكبرين ،حيث قالوا له كما أخبرنا أرحم الراحمين :(إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) [ القصص : 76]. يقول الإمام البغوي-رحمه الله-:"{إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ }قال لقارون قومه من بني إسرائيل:{ لا تَفْرَحْ } لا تبطر ولا تأشر ولا تمرح،{إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبّ، الْفَرِحِينَ } الأشِرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم". تفسير البغوي (3/454) يقول الإمام ابن القيم-رحمه الله-:"وقال قوم قارون له{لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}[القصص: 76]فالفرح متى كان بالله،وبما مَنَّ الله به،مُقارنًا للخوف والحذر:لم يَضُرَّ صاحبه،ومتى خلا عن ذلك: ضَرَّهُ وَلَا بُدَّ".مدارج السالكين (3/108) وذكَّروه بما يجب عليه في ماله وأنَّ عاقبة الطغيان وخيمة و أضراره جسيمة ،حيث قالوا له كما أخبرنا عنهم العلي الحكيم في كتابه الكريم:(وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) [ القصص : 77]. يقول الشيخ السعدي – رحمه الله-:"{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ } أي: قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، فابتغ بها ما عند اللّه، وتصدق ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات، وتحصيل اللذات،{ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } أي: لا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعا، بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعا لا يثلم دينك، ولا يضر بآخرتك،{وَأَحْسِنْ } إلى عباد اللّه {كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ } بهذه الأموال، { وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ } بالتكبر والعمل بمعاصي اللّه والاشتغال بالنعم عن المنعم، {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } بل يعاقبهم على ذلك، أشد العقوبة". تفسير السعدي (ص623) فلم ينتفع بالذكرى ولم يزدجر بالموعظة!بل نسي فضل الله جلَّ وعلا عليه حيث نسب المال إلى نفسه! وبدأ يمتدحها ويزكيها ويُثني عليها، حيث قال كما ذكر ذلك عنه الكبير المتعال :(قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) [ القصص : 78]. يقول الإمام الطبري – رحمه الله- :" يقول تعالى ذكره: قال قارون لقومه الذين وعظوه: إنما أوتيتُ هذه الكنوز على فضل علم عندي، علمه الله مني، فرضي بذلك عني، وفضلني بهذا المال عليكم، لعلمه بفضلي عليكم".تفسير الطبري (20/113) أنساه العُجب و الافتخار!حال من أهلكهم قبله القوي الجبار، الذين كانوا أكثر قوة ومالا منه! فلم يبق لهم أيّ آثار! يقول الله تعالى:(أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) [ القصص : 78] يقول الإمام ابن كثير – رحمه الله- :" أي: قد كان من هو أكثر منه مالا وما كان ذلك عن محبة منا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم؛ ولهذا قال: { وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ } أي: لكثرة ذنوبهم".تفسير ابن كثير (3/400) لم يكتف هذا المغرور بقوله بل ذهب يفتخر أيضا بفعله، يقول سبحانه:(فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) [ القصص : 79] يقول الإمام الشوكاني – رحمه الله- :" وقد ذكر المفسرون في هذه الزينة التي خرج فيها روايات مختلفة ، والمراد أنه خرج في زينة انبهر لها من رآها ،ولهذا تمنى الناظرون إليه أن يكون لهم مثلها كما حكى الله عنهم ". فتح القدير (4/187) يقول الشيخ السعدي – رحمه الله- :" { فَخَرَجَ } ذات يوم { فِي زِينَتِهِ } أي: بحالة أرفع ما يكون من أحوال دنياه، قد كان له من الأموال ما كان، وقد استعد وتجمل بأعظم ما يمكنه، وتلك الزينة في العادة من مثله تكون هائلة، جمعت زينة الدنيا وزهرتها وبهجتها وغضارتها وفخرها، فرمقته في تلك الحالة العيون، وملأت بِزَّتُهُ القلوب، واختلبت زينته النفوس، فانقسم فيه الناظرون قسمين، كل تكلم بحسب ما عنده من الهمة والرغبة". تفسير السعدي (ص624) وللأسف قد انبهر بقارون! من كانت الدنيا همه و المال هدفه وغايته، حيث تمنوا لو أن لهم مثل ما أُوتي ! ونسى هؤلاء أنَّ هذا المحروم قد افتتن بماله! فقالوا لما رأوه في تلك الحلة و على تلك الهيئة كما أخبرنا الرحمن :( قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ[ القصص : 79] يقول الإمام ابن كثير- رحمه الله- :"يقول تعالى مخبرًا عن قارون:إنه خرج ذات يوم على قومه في زينة عظيمة، وتجمل باهر، من مراكب وملابس عليه وعلى خدمه وحشمه، فلما رآه مَنْ يريد الحياة الدنيا ويميل إلى زُخرفها وزينتها، تمنوا أن لو كان لهم مثل الذي أعطي، قالوا:{ يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ }أي: ذو حظ وافر من الدنيا". تفسير ابن كثير ( 3/401) ويقول الشيخ السعدي-رحمه الله-:"وأما الغبطة التي هي غير محمودة، فهي تمني حصول مطالب الدنيا لأجل اللذات، وتناول الشهوات،كما قال الله تعالى حكاية عن قوم قارون:{يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص:79]، فإن تمني مثل حالة من يعمل السيئات فهو بنيته، ووزرهما سواء ". بهجة قلوب الأبرار ( ص204) لكن من لم يغتر بالدنيا الفانية من قومه، وكانوا يعلمون أن العبرة بما في الآخرة الباقية ذكَّروهم بما عند الكبير المتعال وأنَّ هذه الدنيا مهما طالت فهي إلى زوال، حيث قالوا لهم كما أخبرنا جلَّ وعلا:(وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ)[ القصص : 80]. يقول الإمام الطبري – رحمه الله- :"يقول تعالى ذكره: وقال الذين أوتوا العلم بالله، حين رأوا قارون خارجا عليهم في زينته، للذين قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون:ويلكم اتقوا الله وأطيعوه،فثواب الله وجزاؤه لمن آمن به وبرسله، وعمل بما جاءت به رسله من صالحات الأعمال في الآخرة،خير مما أوتي قارون من زينته وماله لقارون". تفسير الطبري (20/116) ويقول الإمام الشوكاني– رحمه الله-:"{ وَلاَ يُلَقَّاهَا} أي هذه الكلمة التي تكلم بها الأحبار ، وقيل : الضمير يعود إلى الأعمال الصالحة.وقيل :إلى الجنة{إِلاَّ الصابرون}على طاعة الله والمصبرون أنفسهم عن الشهوات". فتح القدير (4/187) قد أمهل الحكيم الحليم هذا الحقير اللئيم فلم يتعظ! ولم يعتبر! بل زاد في الطغيان و الكِبر! فنزل به بعد ذلك العقاب! ووقع له ما حذره منه أهل الصلاح الألباب، حيث يقول العزيز الوهاب :(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ)[ القصص : 81]. يقول الشيخ السعدي – رحمه الله- :"فلما انتهت بقارون حالة البغي والفخر، وازَّيَّنَت الدنيا عنده، وكثر بها إعجابه، باغته العذاب { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ } جزاء من جنس عمله، فكما رفع نفسه على عباد اللّه، أنزله اللّه أسفل سافلين، هو وما اغتر به، من داره وأثاثه، ومتاعه{ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ } أي: جماعة، وعصبة، وخدم، وجنود { يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ } أي: جاءه العذاب، فما نصر ولا انتصر". تفسير السعدي (ص624) فكان ما حصل لقارون عظة لمن اعتبر وتذكيرا لمن به اغتر و افتخر، حيث يقول العزيز المقتدر:(وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ )[ القصص : 82] يقول الإمام ابن كثير – رحمه الله- :" وقوله تعالى: { وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأمْسِ } أي: الذين لما رأوه في زينته قالوا { يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } ، فلما خسف به أصبحوا يقولون: {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ } أي: ليس المال بدالّ على رضا الله عن صاحبه [وعن عباده] ؛ فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسع، ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغ ". تفسير ابن كثير ( 3/402) ويقول الشيخ السعدي- رحمه الله-:"{وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأمْسِ} أي:الذين يريدون الحياة الدنيا، الذين قالوا: { يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ } { يَقُولُونَ } متوجعين ومعتبرين، وخائفين من وقوع العذاب بهم: {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ } أي: يضيق الرزق على من يشاء، فعلمنا حينئذ أن بسطه لقارون، ليس دليلا على خير فيه، وأننا غالطون في قولنا: { إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } و{ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا } فلم يعاقبنا على ما قلنا، فلولا فضله ومنته { لَخَسَفَ بِنَا } فصار هلاك قارون عقوبة له، وعبرة وموعظة لغيره، حتى إن الذين غبطوه، سمعت كيف ندموا، وتغير فكرهم الأول.{ وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } أي: لا في الدنيا ولا في الآخرة". تفسير السعدي (ص624) فنعيم الآخرة أيها الأحبة الكرام قد أعده العزيز العلام لمن أطاعه ولم يتكبر على الأنام، حيث يقول الكريم المنان :( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )[ القصص : 83] يقول الإمام الطبري – رحمه الله- :"يقول تعالى ذكره: تلك الدار الآخرة نجعل نعيمها للذين لا يريدون تكبرا عن الحقّ في الأرض وتجبرا عنه ولا فسادا. يقول: ولا ظلم الناس بغير حقّ، وعملا بمعاصي الله فيها". تفسير الطبري (20/122) ويقول الإمام ابن كثير – رحمه الله- :" يُخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين، الذين لا يريدون علوًّا في الأرض،أي: ترفعًا على خلق الله وتعاظمًا عليهم وتجبرًا بهم،ولا فسادًا فيهم". تفسير ابن كثير ( 3/403) فاحذر أيها المسلم أشد الحذر من داء العجب ومن طغيان المال وتيقن أن غناك وجاهك لا يدل مطلقا على رضا خالقك عليك بل قد يكون به العزيز الرحمن ابتلاك وقصة قارون تشهد لما ذكرت لك ، فالدنيا يعطيها الرحمن لمن أحب ولمن لا يحب من الأنام بخلاف نعيم الآخرة فهي لمن أحبه العزيز العلام، فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه- قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنَّ اللَّه يُعطي الدنيا من يُحبُّ و من لا يحبُّ،ولا يُعطي الإيمان إلا من أحبَّ ". رواه الحاكم في المستدرك (1/88)،وصححه الشيخ الألباني –رحمه الله- في السلسلة الصحيحة (2714) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- :"ليس كل من أعطى مالا أو دنيا أو رئاسة كان ذلك نافعا له عند الله، منجيا له من عذابه، فإن الله يعطى الدنيا من يحب ومن لا يحب،ولا يعطى الإيمان إلا من يحب". مجموع الفتاوى( 22/447). ويقول الإمام ابن القيم – رحمه الله- :"فلو كان إعطاء المال والقوة والجاه يدل على رضاء الله سبحانه عمن آتاه ذلك وشرف قدره وعلو منزلته عنده لما أهلك من آتاه من ذلك أكثر مما آتى قارون، فلما أهلكهم مع سعة هذا العطاء وبسطته علم أن عطاءه إنما كان ابتلاء وفتنة لا محبة ورضا واصطفاء لهم على غيرهم". شفاء العليل (1/37) واحذر أيضا أن تقع فيما وقع فيه من اغتر بقارون وماله عند رؤية المترفين!، يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله- :"أنه سبحانه ذم متمني الدنيا والغنى والسعة فيها ومدح من أنكر عليهم وخالفهم، فقال تعالى عن أغنى أهل زمانه : (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ)[ القصص : 79- 80] فأخبروا أن ما عند الله خير من الدنيا لمن آمن وعمل صالحا، ولا يلقى هذه الوصية وهي الكلمة التي تكلم بها الذين أوتوا العلم أو المثوبة والجنة التي دل عليها قوله (ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ) والسيرة والطريقة التي دل عليها قوله (لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) وعلى كل حال لا يلقى ذلك إلا الصابرون على الفقر وعن الدنيا وشهواتها وما أترف فيه الأغنياء ". عدة الصابرين (ص 182) فهذه أيها الأحبة الأفاضل باختصار قصة هذا الطاغية اللئيم الذي ذكرها لنا العليم العظيم في كتابه الكريم،والتي من تدبرها جيدا وتدبر القصص الأخرى التي في كتاب العزيز المقتدر اتعظ واعتبر، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "وإنما قصَّ الله علينا قصص من قبلنا من الأمم لتكون عبرة لنا فنشبه حالنا بحالهم، ونقيس أواخر الأمم بأوائلها، فيكون للمؤمن من المتأخرين شبه بما كان للمؤمن من المتقدمين، ويكون للكافر والمنافق من المتأخرين شبه بما كان للكافر والمنافق من المتقدمين". مجموع الفتاوى ( 28/ 425) فالله أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن لا يجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، وأن يجعلنا وإياكم ممن بالذكرى يعتبر، و بالموعظة يخاف وينزجر، فهو سبحانه وليُّ ذلك والعزيز المقتدر. وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أبو عبد الله حمزة النايلي المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|