الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (5/ 62) فما بعدها ((بتصرف يسير))
سورة البقرة افتتحها سبحانه بذكر أصناف الناس، وهم ثلاثة: إما مؤمن وإما كافر وإما منافق. فذكر نعت المؤمنين، ثم ذكر نعت الكافرين، ثم ذكر نعت المنافقين، ثم مهد أصول الإيمان؛ فأمر بعبادة الله - تعالى - وذكر آياته وآلائه. ثم قرر نبوة رسله، ثم ذكر اليوم الآخر والوعد والوعيد، ثم ذكر بدء العالم وخلق السماوات والأرض، ثم خلق آدم وإسجاد الملائكة له وخروجه من الجنة، وهبوطه إلى الأرض.
ثم بعد أن عم بالدعوة جميع الخلق، خص أهل الكتاب فخاطبهم: خاطب اليهود أولا بني إسرائيل، ثم النصارى، ثم خاطب المؤمنين فقرر لهم قواعد دينه؛ فذكر أصل ملة إبراهيم وبناءه للبيت ودعاءه لأهل مكة، ووكد الأمر بملة إبراهيم، ثم ذكر ما يتعلق بالبيت من اتخاذه قبلة ومن تعظيم شعائر الله التي عنده كالصفا والمروة، ثم ذكر التوحيد والحلال والحرام والمطاعم للناس عموما، ثم للذين آمنوا خصوصا.
ثم ذكر ما يتعلق بالقتل من القصاص وبالموت من الوصية، ثم ذكر شرائع الدين، فذكر صيام شهر رمضان، وما يكون فيه من الاعتكاف، ثم ذكر ما يتصل بشهر الصيام، وهو أشهر الحج، فذكر الحج، وذكر حكم القتال عموما، وخصوصا في البلد الحرام. ولما ذكر الصلاة والصيام والحج والجهاد والصدقة، ذكر بعد ذلك الحلال والحرام في الفروج. فذكر أحكام وطء النساء والحيض والإيلاء منهن والطلاق لهن، واختلاعهن. وذكر حكم الأولاد وإرضاعهم، واعتداد النساء وخطبتهن في العدة، وطلاقهن قبل الدخول وبعده، ثم ذكر الصلوات والمحافظة عليهن، ثم قرر المعاد وما يدل عليه من إحياء الموتى في الدنيا مرة بعد مرة.
ثم ذكر حكم الأموال، والناس فيها إما محسن وإما عادل وإما ظالم؛ فالمحسن المتصدق، والعادل المعاوض كالبايع، والظالم كالمرابي.
فبدأ بالإحسان والصدقة فذكر ذلك ورغب فيه فقال: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم - الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون - قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم} [البقرة: 261 - 263] الآيات.
ثم ذكر تحريم الربا، فقال:{الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 275] .
ثم لما أحل البيع ذكر المداينات، وحكم البيع الحال والمؤجل، وحفظ ذلك بالكتاب والشهود أو الرهن، وختم السورة بأصول الإيمان من الإيمان بالكتب والرسل، وهو - سبحانه - بعد أن
فتضمنت هذه السورة الواحدة جميع ما يحتاج الناس إليه في الدين وأصوله وفروعه، وافتتحها بالإيمان بالكتب والرسل، ووسطها بالإيمان بالكتب والرسل، وختمها بالإيمان بالكتب والرسل. فإن الإيمان بالكتب والرسل هو عمود الإيمان وقاعدته وجماعه.
وأمر فيها الخلق عموما وخصوصا، وذكر فيها الإيمان بالخالق وآيات ربوبيته، والإيمان بالمعاد والدار الآخرة، والأعمال الصالحة التي أمر بها، وأن من كان من أتباع الرسل من المؤمنين واليهود والنصارى.
المصدر...