مرّ بي في ترجمة الأمير المملوكي ( بيبرس الجاشنكير)، أنه بعد أن أفشل السلطان الناصر محمد بن قلاوون انقلابه عليه، كتب إليه بيبرس كتابًا فيه: ( الذي أُعرِّفك به أنني قد رجعت لأقلدك بغيك، فإن حبستني عددت ذلك خلوة، وإن نفيتني عددت ذلك سياحة، وإن قتلتني كان ذلك لي شهادة !!) . (المنهل الصافي) لابن تغري بردي (3/ 472).
ومن الطريف أن هذه الكلمات قالها قبلَه شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي كان بيبرس سببًا في محنته في مصر 705-709هـ، وكان ابن تيمية عند اشتداد المحنة، وعندما يطلب منه الخصوم أن يرجع عن قوله حتى يفرجوا عنه، كان يقول: (والله لتقلَبنَّ دولةُ بيبرس، أسفلها أعلاها)، وبرّ الله بيمين ابن تيمية، وزالت دولة بيبرس، وقتله السلطان الناصر خنقًا، سنة 709هـ، ولم تشفع له تلك الكلمات التي تشبه كلمات ابن تيمية!
جاء في الرسالة التي كتبها خادم ابن تيمية – إبراهيم الغياني -، أنه جاء ابنَ تيمية في محبسه في القاهرة في محنته الأولى 705-707هـ بعضُ المشايخ التدامرة وقالوا له - محذّرين - : هم - أي الخصوم - عاملون على قتلك، أو نفيك، أو حبسك، فقال لهم: (أنا إن قُتِلت كانت لي شهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إلى قبرص لدعوت أهلها إلى الله وأجابوني، وإن حبسوني كان لي معبدًا، وأنا مثل الغنمة كيفما تقلَّبَت تقلبت على صوف). الجامع لسيرة ابن تيمية (ص148).
فيكون ابن تيمية قد سبق بيبرس بنحو كلماته التي قالها! والله أعلم إن كان هناك من استعملها قبلهما!
وفي كتاب (الوابل الصيّب) (ص48)، ينقل تلميذه ابن القيّم عنه أنه قال له: (ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنَّتِي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارِقُني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة). وكذا نقلها عن ابن القيم تلميذه ابن رجب في (الذيل على طبقات الحنابلة).
وهذا التحديث من ابن تيمية لابن القيم بهذه الكلمات؛ إنما كان متأخرًا، بعد مقتل بيبرس، فلا يصلح دليلا على سبق ابن تيمية لبيبرس بها، فإنما كان اتصال ابن القيّم بابن تيمية عندما رجع ابن تيمية من مصر إلى دمشق سنة 712هـ، ولازمه إلى أن مات، رحمهما الله تعالى.
المصدر...