![]() |
![]() |
|
|
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
الجزء الثاني: قضية ابن تيمية الثانية في مصر (707 - 709 هـ) 1- إنكار ابن تيمية على الاتحاديَّة وهو بدمشق، وأثرُ ذلك في طلَبِه إلى مصر: معلوم لدى العارفين بتراث شيخ الإسلام في السلوك والتصوّف أنه مُعظِّمٌ لشيوخ الصوفية المُتَّبعين للكتاب والسنة، كالفضيل بن عياض، وسهل بن عبد الله التستري، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، والجنيد بن محمد، وعبد القادر الجيلاني، الذي يُجلُّ ابن تيمية طريقته، ولبس خرقة التصوّف عنه، قال: (لبستُ الخرقة المباركة للشيخ عبد القادر، وبيني وبينه اثنان)([1]). وكذا يُجلُّ بعض شيوخ الصوفية الذين عاشوا قريبًا من عصره كالشيخ نجم الدين الكبرى، والشيخ شهاب الدين السهروردي([2]). وكثيرٌ من شيوخ التصوّف الصحيح في وقته يُجلُّهم ويُجلُّونه، كالشيخ عماد الدين الواسطي، والشيخ شمس الدين الدُّباهي – اللذين رحلا إلى دمشق للقائه -، والشيخ أبي محمد ابن القوّام، الذي تُحكَى عنه كلمةٌ تُعبِّر عن دور ابن تيمية في إصلاح التصوّف وهي قوله: (ما أسلَمَتْ معارِفُنَا إلا على يدِ ابنِ تيمية)([3]). شكّل المذهب الاتحادي الذي دعا له ابن الفارض، وابن عربي، وتلميذه الصدر القونوي، وابن سبعين، والتلمساني، خطرًا كبيرًا على الصوفية، لذا؛ أخذ ابن تيمية على عاتقه مهمة دفعه لئلا يجرف الصوفية إلى مهاويه، ولئلا يغترّ به سائر المسلمين، وفي ذلك يقول: (والله تعالى يعلمُ، وكفى به عليمًا، لولا أني أرى دفعَ ضرر هؤلاء عن أهل طريق الله تعالى السالكين إليه من أعظم الواجبات، وهو شبيهٌ بدفع التتار عن المؤمنين، لم يكن للمؤمنين بالله ورسوله حاجة إلى أن تُكشَف أسرارُ الطَّريق وتُهتَك أستارُها)([4]). ويقول: (فإنَّ إنكار هذا المنكر السّاري في كثير من المسلمين أولى من إنكار دين اليهود والنصارى الذي لا يضل به المسلمون، لا سيما وأقوال هؤلاء شرٌّ من أقوال اليهود والنصارى وفرعون، ومن عرَف معناها واعتقدَها كان من المنافقين الذين أمر الله بجهادهم بقوله تعالى: (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم)، والنِّفاق إذا عظم كان صاحبه شرًّا من كُفَّار أهل الكتاب، وكان في الدرك الأسفل من النار. وليس لهذه المقالات وجهٌ سائغ، ولو قُدّر أن بعضَها يحتمل في اللغة معنى صحيحًا فإنما يُحمَل عليها إذا لم يُعرف مقصودُ صاحبها، وهؤلاء قد عُرِف مقصودهم، كما عُرِف دين اليهود والنصارى والرافضة، ولهم في ذلك كتبٌ مُصنَّفة، وأشعار مؤلَّفَة، وكلامٌ يفسر بعضُه بعضًا، وقد عُلِم مقصودهم بالضرورة، فلا يُنازِع في ذلك إلا جاهلٌ لا يُلفت إليه، ويجبُ بيان معناها، وكشفُ مغزاها لمن أحسن الظنَّ بها، أو خِيفَ عليه أن يُحسن الظن بها، أو أن يَضلَّ، فإن ضررها على المسلمين أعظمُ من ضرر السموم التي يأكلونها ولا يعرفون أنها سموم، وأعظم من ضرر السراق والخونة الذين لا يعرفون أنهم سراق وخونة، فإن هؤلاء: غاية ضررهم موت الإنسان أو ذهاب ماله، وهذه مصيبة في دنياه قد تكون سببًا لرحمته في الآخرة، وأما هؤلاء: فيسقون الناس شراب الكفر والإلحاد في آنية أنبياء الله وأوليائه، ويلبسون ثياب المجاهدين في سبيل الله وهم في الباطن من المحاربين لله ورسوله، ويُظهرون كلام الكفار والمنافقين في قوالب ألفاظ أولياء الله المُحقِّقين، فيدخل الرجل معهم على أن يصير مؤمنًا وليًّا لله فيصير مُنافقًا عدوًّا لله، ولقد ضربت لهم مرة مثلًا بقومٍ أخذوا طائفة من الحُجَّاج ليحجوا بهم فذهبوا بهم إلى قبرص لينصروهم، فقالَ لي بعضُ من كان قد انكشف له ضلالُهم من أتباعهم: لو كانوا يذهبون بنا إلى قبرص لكانوا يجعلوننا نصارى وهؤلاء كانوا يجعلوننا شرًّا من النصارى!! والأمر كما قاله هذا القائل)([5]). وقد كان للشيخ دور في التصدّي للاتحادية وهو بدمشق، فحاورهم، وناظرهم، وسعى لتبصرة الصوفية وغيرهم بحقيقة حالهم، وكتب المصنفات في ذلك. يقول الشيخ عماد الدين الواسطي مُبينًا دور الشيخ وأصحابه في التصدّي للاتحاديّة: (وكذلك أنتم في مقابلة ما أحدثته الزنادقة من الفقراء والصوفية من قولهم بالحلول والاتحاد، وتأليه المخلوقات، كاليونسية، والعربية، والصدرية، والسبعينية، والتلمسانية، فكلُّ هؤلاء بدَّلُوا دينَ الله تعالى، وقلبوه، وأعرضوا عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاليونسية: يتألَّهُون شيخهم، ويجعلُونَه مظهرًا للحق، ويستهينونَ بالعبادات، ويظهرون بالفرعنة والصولة، والسفاهة والمحالات، لما وقر في بواطنهم من الخيالات الفاسدة، وقِبْلَتُهم الشيخ يونس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن المجيد عنهم بمعزل، يؤمنون به بألسنتهم، ويكفرون به بأفعالهم([6]). وكذلك الاتحادية، يجعلون الوجود مظهرًا للحق، باعتبار أن لا متحرك في الكون سواه، ولا ناطق في الأشخاص غيره، وفيهم من لا يفرق بين الظاهر والمظهر، فيجعل الأمر كموج البحر، فلا يفرق بين عين الموجة وبين عين البحر، حتى إن أحدهم يتوهم أنه الله، فينطق على لسانه، ثم يفعل ما أراد من الفواحش والمعاصي لأنه يعتقد ارتفاع الثنوية، فمن العابد ومن المعبود؟ صار الكل واحدا! اجتمعنا بهذا الصنف في الربط والزوايا! فأنتُم بحمد الله قائمون في وجه هؤلاء، تنصرُون الله ورسوله، وتذبُّون عن دينه، وتعملون على إصلاح ما أفسدوا، وعلى تقويم ما عوجوا، فإنَّ هؤلاء مَحَوا رسم الدين، وقلعوا أثره، فلا يقال: أفسدُوا ولا عوجوا، بل بالغوا في هدم الدين، ومحَو أثره، ولا قربة أفضل عند الله من القيام بجهاد هؤلاء بمهما أمكن، وتبيين مذاهبهم للخاص والعام، وكذلك جهاد كلِّ من ألحد في دين الله، وزاغ عن حدوده وشريعته، كائنًا في ذلك ما كان من فتنة وقول كما قيل: إذا رضي الحبيب فلا أبالي ... أقام الحي أم جد الرحيل وبالله المستعان)([7]). ولما كان الشيخُ مُتصديًّا للاتحادية، هو وأصحابه، فلا عجبَ أن كان للاتحاديّة سعيٌ في التضييق عليه وإضعافه. يشير الشيخ في ما كتبه في التَّوثيق للمجالس التي عُقِدت لمناظرته بدمشق إلى أن المرسوم السلطاني الذي جاء من مصر بعقد تلك المجالس له كان بسعيٍ من الاتحاديّة: (لما سعى إلى السلطان قوم من الجهمية والاتحادية والرافضة وغيرهم من ذوي الأحقاد)([8])، وذكر وهو في الحبسة الأولى بمصر أنَّ من الذين نازعوه في الشام من يقول: (إن الله هو هذا الوجود، وأنا الله، وأنت الله، والكلب والخنزير والعذرة، ويقول: إن الله حالٌّ في ذلك)([9])، ويشيرُ في (كتاب النبوّات) – الذي صنفه بعد رجوعه إلى دمشق - إلى أن طلبَه إلى مصر كان بسبب الاتحادية: (فإنّه لمّا انتشر الكلام في مذهب أهل الوحدة، وكنتُ لمّا دخلتُ إلى مصر بسببهم..)([10]). 2- التعريف بالشيخ نصر الدين المنبجي، ونفوذه لدى الدولة، ونقمته على ابن تيمية بسبب كلامه في ابن عربي: قال الإمام البِرْزالي في ترجمة الشيخ نصر الدين المنبجي: ( الشيخ، العالم، العامل، القدوة، العارف، الزاهد، العابد، أبو الفتح، نصر بن سلمان بن عمر المنبجي. سمع الحديث من إبراهيم بن خليل بحلب، وسمع بالديار المصرية على النجيب عبد اللطيف، والكمال الضرير المقرىء، وغيرهم، وقرأ القرآن بالروايات، وتفقّه. وكان شيخًا صالحًا، مُنقطعًا بزاويته بالحُسينية خارج باب النصر ظاهر القاهرة، وكان الناس يقصدونه من العلماء والوزراء والأمراء والكتاب وأرباب الدولة، وكانت له عبادة كثيرة من الصلاة والذكر والحجّ والمجاورة، وكان مواظبًا على ذلك وملازمًا له، وله أوقات معينة، نحو نصف السنة، لا يجتمع فيها بأحد، وكان لا يخرج من زاويته إلا لصلاة الجمعة خاصّة، أقام على ذلك مدّة طويلة)([11]). وسببُ قصده من جهة المذكُورين: أن الأمير صاحب النفوذ ركن الدين بيبرس الجاشنكير - أستاذ دار السلطان - كان (يَتغالَى في حُبّه)، كما وصفه الذهبي([12])، فكان واسطةً لتحقيق مقاصدهم لدى الأمير. وقال الذهبي في ترجمته في (المعجم المختصّ بالمُحدّثين)([13]): (الإمام، العالم، المُقرئ، الزَّاهد، القُدوة، بقيَّة السلف، أبو الفتح، شيخُ الديار المصرية. عُني بالقراءات، وأخذها عن الكمال الضرير وغيره، وسمع الكثير، وطالَع دواوين الإسلام، وروى عن إبراهيم بن خليل. ومحاسنُه جمَّة، زرتُه، وجلستُ معه ساعة. توفي سنة تسع عشرة وسبع مائة في عشر التسعين. وكان يُعظّم كلام ابن العربي، ولعلّه ما عَمَّق فيه([14])). وقد ذكر الشيخ سبب التباس حال أئمة الاتحادية على جماعاتٍ من أهل التصوف من أهل الزهد والعبادة والصدق، ممن لا يقولون بقولهم، وهو أنهم (لا يفهمون حقيقة قول الاتحادية، بل يحسبُون أنَّه تحقيقُ ما جاء به الرسول، وأنه من جنس كلام أهل المعرفة الذين يتكلمون في حقائق الإيمان والدين، وهم من خواص أولياء الله، فيحسبون هؤلاء – أئمة الاتحادية - من جنس أولئك، من جنس الفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني والسري السقطي والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله وأمثال هؤلاء)([15]). وكان للشيخ سعيٌ ناجحٌ في إزالة هذا الالتباس عن بعض معظمي ابن عربي كلامه، وأن حقيقته القول بالاتحاد بين الخلق والخالق، وفي ذلك يقول: (قدم علينا أكبرُ مشايخ تلك البلاد من السعدية([16]) حسام الدين الكرماني حاجًّا، وخاطبتُه في حال هؤلاء، وبيَّنتُ له من كلام ابن العربي وغيرِه ما كان طالبًا له، حتى رَجَع عن تعظيمِ هؤلاء، وكفَر بما يقولُه ابن العربي من الكُفريات، وقال: ما كُنَّا نعرف حقيقة حال هؤلاء، ولا نعرف أن كلامَهم مشتمل على هذا كله. مع أنه كان من أكثر المشايخ تعظيمًا لابن العربي، وهو من الغلاة في سعد الدين (ابن حمويه)، وجرت لنا معه فصول أظهر الله بها الحق وبين حال التوحيد وتلبيس هؤلاء المنافقين)([17]). وفي سنة 704هـ، أي قبل سنة واحدة من طلب الشيخ إلى مصر، أرسل إلى الشيخ نصر المنبجي، رسالة تفيض بالأدب والخطابِ الرّفيع، تعرف بـ(الرسالة المصرية)([18])، قدّم فيها نموذجًا يحتذى في أدب النصيحة، يثني عليه فيها ثناء بالغًا، ويقصد فيها إزالة الالتباس الحاصل للشيخ نصر في حال ابن عربي، فيشرح له فيها حال الاتحادية، ويبين أن كتاب (الفصوص) لابن عربي يتضمّن القول بالاتحاد، يقول فيها: (إلى الشيخ، العارف، القدوة، السالك، الناسك، أبي الفتح نصر، فتح الله على باطنه وظاهره ما فتح به على قلوب أوليائه، ونصره على شياطين الإنس والجن في جهره وإخفائه، ونهج به الطريقة المحمدية الموافقة لشرعته، وكشف به الحقيقة الدينية المميزة بين خلقه وطاعته وإرادته ومحبته، حتى يُظهِرَ للناس الفرق بين الكلمات الكونية والكلمات الدينية، وبين المؤمنين الصادقين الصالحين ومن تشبَّه بهم من المنافقين، كما فرَّق الله بينهما في كتابه وسنته. أمَّا بعد، فإنَّ الله تعالى قد أنعَم على الشيخ، وأنعَم به نعمةً باطنة وظاهرة في الدين والدنيا، وجعل له عند خاصة المسلمين الذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا منزلةً عليَّة، ومودةً إلهيَّة، لما منحه الله تعالى به من حُسنِ المعرفة والقصد، فإنَّ العلم والإرادة: أصلٌ لطريق الهدى والعبادة)([19]). ويقول: (فالشيخ - أحسن الله إليه - قد جعل الله فيه من النور والمعرفة، الذي هو أصل المحبة والإرادة، ما تتميز به المَحبَّةُ الإيمانية المُحمَّديَّة المُفصَّلة عن المجملة المشتركة)([20]). ثم يقول بعد كلامٍ: (وقد بلغني أن بعض الناس ذكر عند خدمتكم الكلام في مذهب الاتحادية، وكنت قد كتبت إلى خدمتكم كتابًا اقتضى الحالُ - من غير قصدٍ - أن أشرتُ فيه إشارةً لطيفة إلى حال هؤلاء، ولم يكن القصدُ به - والله - واحدًا بعينِه، وإنَّما الشيخ هو مجمعُ المؤمنين فعلينا أن نعينَه في الدين والدنيا بما هو اللائق به، وأمَّا هؤلاء الاتحاديَّة فقد أرسل إلى الداعي من طلب كشف حقيقة أمرهم، وقد كتبتُ في ذلك كتابًا ربما يُرسَل إلى الشيخ وقد كتبَ سيدنا الشيخ عماد الدين (الواسِطيُّ) في ذلك رسائل. والله تعالى يعلم - وكفى به عليمًا - لولا أني أرى دفع ضرر هؤلاء عن أهل طريق الله تعالى السالكين إليه من أعظم الواجبات، وهو شبيهٌ بدفع التتار عن المؤمنين، لم يكن للمؤمنين بالله ورسوله حاجةٌ إلى أن تُكشَف أسرار الطريق وتُهتَك أستارها، ولكن الشيخ - أحسن الله تعالى إليه - يعلمُ أنَّ مقصود الدعوة النبويَّة، بل المقصود بخلق الخلق وإنزال الكتب وإرسال الرسل: أن يكون الدين كله لله، وهو دعوة الخلائق إلى خالقهم بما قال تعالى: (إنا أرسلناك شاهدًا ومُبشِّرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا مُنيرًا)، وقال سبحانه: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني)، وقال تعالى: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور). وهؤلاء موهوا على السَّالِكين التوحيد - الذي أنزل الله تعالى به الكتب وبعث به الرسل - بالاتِّحاد الذي سمَّوه توحيدًا، وحقيقتُه تعطيلُ الصانع وجحودُ الخالق. وإنما كُنتُ قديمًا ممن يُحسِن الظنَّ بابن عربي ويُعظِّمُه لما رأيت في كتُبِه من الفوائد، مثل كلامه في كثير من (الفتوحات) و(الكنه) و(المحكم المربوط) و(الدرة الفاخرة) و(مطالع النجوم) ونحو ذلك، ولم نكن بعدُ اطَّلَعنا على حقيقة مقصوده، ولم نطالع (الفصوص) ونحوه([21])، وكُنَّا نجتمع مع إخواننا في الله نطلبُ الحقَّ ونتَّبِعُه، ونكشفُ حقيقة الطريق، فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا، فلما قَدِم من المشرق مشايخُ مُعتبرون وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية والدين الإسلامي وحقيقة حال هؤلاء = وجبَ البيان. وكذلك كتبَ إلينا من أطراف الشام: رجالٌ سالكون أهلُ صدقٍ وطلب أن أذكر النكت الجامعة لحقيقةِ مقصودهم. والشيخ - أيَّدَه الله تعالى بنور قلبِه، وذكاء نفسه، وحقق قصده من نصحه للإسلام وأهله ولإخوانه السالكين - يفعلُ في ذلك ما يرجو به رضوانَ الله سبحانه، ومغفرَتَه في الدنيا والآخرة)([22]). ويقول بعد أن يذكر معنى الاتحاد العامّ ولوازِمَه التي يقول بها ابن عربي: (وهذه المعاني كلُّها هي قول صاحب الفصوص، والله تعالى أعلم بما مات الرَّجُل عليه([23])، والله يغفر لجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم). والمقصود: أن حقيقة ما تضمَّنَه كتاب (الفصوص) المضاف إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه جاء به، وهو ما إذا فهمه المُسلم علم بالاضطرار أنَّ جميعَ الأنبياء والمرسلين، وجميعَ الأولياء والصالحين، بل جميع عوام أهل الملل من اليهود والنصارى والصابئين = يبرءون إلى الله تعالى من بعض هذا القول، فكيف منه كُلِّه؟ ونعلمُ أن المشركين عباد الأوثان والكفار أهل الكتاب يعترفون بوجود الصانع، الخالق، البارئ، المُصوِّر، الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ربّهم ورب آبائهم الأولين، رب المشرق والمغرب، ولا يقول أحدٌ منهم إنه عين المخلوقات، ولا نفس المصنوعات كما يقوله هؤلاء، حتى إنهم يقولون لو زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله)([24]). ويُبيِّنُ الأصلين الفلسفيين اللذين يُبنَى عليهما قول ابن عربي فيقول: (وهذا القول - أعني قول من يقول: إن المعدوم شيء ثابت في نفسه خارج عن علم الله تعالى - وإن كان باطلًا ودلالتُه واضحة، لكنه قد ابتُدع في الإسلام من نحو أربعمائة سنة، وابن عربي وافق أصحابَه، وهو أحد أصلي مذهبه الذي في الفصوص. والأصل الثاني: أن وجود المحدثات المخلوقات هو عينُ وجود الخالق ليس غيره ولا سواه، وهذا هو الذي ابتدعه، وانفرد به عن جميع من تقدمه من المشايخ والعلماء، وهو قول بقية الاتحادية، لكن ابن عربي أقربهم إلى الإسلام، وأحسنُ كلامًا في مواضع كثيرة، فإنه يُفرِّق بين الظاهر والمظاهر، فيُقرُّ الأمر والنهي والشرائع على ما هي عليه، ويأمر بالسلوك بكثير مما أمر به المشايخ من الأخلاق والعبادات، ولهذا كثيرٌ من العباد يأخذون من كلامه سُلوكَهم فينتفعون بذلك، وإن كانوا لا يفقهون حقائقه، ومن فهمها منهم ووافقه فقد تبيَّن قوله)([25]). ثم يختم الرسالة بقوله: (وهذا الكتابُ مع أني قد أطلتُ فيه الكلام على الشيخ - أيَّد الله تعالى به الإسلام، ونفع المسلمين ببركة أنفاسه، وحُسن مقاصده، ونوَّر قلبَه - فإنَّ ما فيه نكتٌ مختصرةٌ، فلا يمكن شرحُ هذه الأشياء في كتاب، ولكن ذكرت للشيخ - أحسن الله تعالى إليه - ما اقتضى الحال أن أذكُرَه - وحامل الكتاب مستوفزٌ عجلان، وأنا أسأل الله العظيم أن يُصلِح أمر المسلمين عامتهم وخاصتهم، ويهديهم إلى ما يُقرِّبُهم، وأن يجعلَ الشيخ من دعاة الخير الذين قال الله سبحانه فيهم: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون))([26]). كان لكلام الشيخ في ابن عربي أثرٌ غير حَسَنٍ لدى الشيخ نصر المنبجي، وصل به أنه اتّخذَه خصمًا. وكان له دورٌ في المرسوم الذي صدر بسؤاله عن عقيدته في المجالس التي عُقِدت له بدمشق([27])، وفي طلبه إلى مصر([28])، وفي هذه القضية الثانية التي وقعت له([29]). وإن كان قد بدا له دور في حلّ القضية الأولى - كما تقدّم في شرحها -. 3- شكوى جماعة من الصوفية بالقاهرة من ابن تيمية، وكلامه في ابن العربي، إلى الدولة، وعقد قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة مجلس قضاء له، ثم حبسه بقرار من الدولة: لئن كان ابن عربي مُعظَّمًا لدى شيخٍ صاحب نفوذ في الدولة، فإن كبار قضاة القضاة في مصر في العصر المملوكي، كانوا يحطُّون على ابن عربي ويذمُّونه، بدءًا من الإمامِ عزِّ الدين بنِ عبد السلام الشافعي، مُرورًا بالإمام تقي الدين ابن دقيق العيد([30])، وانتهاء بقاضي القضاة في مصر - في وقت هذه الشكوى – الإمام بدر الدين ابن جماعة الشافعي([31])، ولذلك لم يكُن الادعاء على ابن تيمية أنه يذمُّ ابن عربي لدى القضاء في مصر لينتج حُكمًا قضائيًّا ضدّه، رغم أن بعض معظّمي ابن عربي سعوا لدى القضاء في ذلك. قال البِرزالي: (وفي شوال شكى شيخ الصوفية بالقاهرة كريمُ الدين الآملي، وابن عطاء (السكندري)، وجماعةٌ نحو الخمس ماية من الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وكلامه في ابن العربي وغيره إلى الدولة، فردُّوا الأمر في ذلك إلى الحاكمِ الشَّافعي، وعُقِد له مجلسٌ، وادَّعى عليه ابنُ عطاء بأشياء، فلم يثبُت شيء منها، لكنه اعترف أنه قال: لا يُستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم استغاثةً بمعنى العِبادة، ولكن يُتوسَّل به([32])، فبعضُ الحاضِرين قال: ليس في هذا شيء، ورأى قاضي القضاة بدر الدين أن هذا إساءة أدب، وعنَّفَه على ذلك. فحضَرت رسالةٌ إلى القاضي أن يعمل مع ما تقتَضيه الشريعة في ذلك، فقال القاضي: قد قلتُ له ما يُقال لمثله. ثم إن الدولة خيَّروه بين أشياء: وهي الإقامة بدمشق، أو الاسكندرية بشروط، أو الحبس، فاختارَ الحبس، فدخل عليه جماعةٌ في السفر إلى دمشق، ملتزمًا ما شُرط، فأجابهم، فأركبُوه خيلَ البريد ليلة الثامن عشر من شوال. ثم أُرسل خلفَه من الغد بريدٌ آخر، فردَّه، وحضرَ عند قاضي القضاة بحضور جماعة من الفقهاء، فقال له بعضُهم: ماترضى الدولة إلا بالحبس، فقال قاضي القضاة: وفيه مصلحةٌ له، واستناب شمسَ الدين التونسي المالكي، وأذن له أن يحكم عليه بالحبس؛ فامتنع، وقال: مايثبُت عليه شيء، فأذن لنور الدين الزواوي المالكي، فتحيَّر، فقال الشيخ: أنا أمضي إلى الحبس، وأتَّبِع ماتَقتضِيه المصلحة. فقال نور الدين المأذون له في الحكم: فيكون في موضع يصلُح لمثله، فقيل له: ماترضى الدولة إلا [بمسمى الحبس]([33])، فأُرسل إلى حبس القاضي، وأُجلس في الموضع الذي أُجلس فيه القاضي تقيُّ الدين ابنُ بنت الأعز لمَّا حُبس([34])، وأذن في أن يكون عنده من يخدمه. وكان جميع ذلك بإشارة الشيخ نصر المنبجي، ووجاهته في الدولة)([35]). وذكر النويري - وكان قريبًا من ابن مخلوف - أنَّ ابنَ مخلوف كان هو السبب في إرجاع الشيخ بعد أن توجّه إلى دمشق، قال: (وكان قاضي القُضَاة زينُ الدين المالكي في ذلك الوقت في حالٍ شديدةٍ من المرض، وقد أشرَف على الموت، فبلَغه ذلك -يعني سفر ابن تيمية إلى دمشق- عقيب إفاقةٍ من غشي كان قد حصل له، فأرسل إلى الأمير سيف الدين سلار (نائب السلطنة) وسألَه في ردِّه، فأمر بردِّه إلى القاهرة، فتوجَّه البريد وأعاده من مدينة بلبيس، فوصل وقاضي القضاة زين الدين مغلوبٌ بالمرض فأرسل إلى نائبه القاضي نور الدين الزواوي، فحضر به إلى مجلس قاضي القضاة بدر الدين..)([36]). _______________ ([1]) في المسألة التبريزية، وعنه صاحب (ترغيب المتحببين في لبس خرقة المتميزين) كما نقله الشيخ محمد عزير شمس في مقدمة المجموعة الثامنة من (جامع المسائل) (ص7). وشيخ الإسلام يلبس الخرقة على أنه لباس من جملة الألبسة المباحة، لا على أن لبسها قربة مستحبة. قال في كلام له في الخرقة: (وهذا ونحوه غايته أن يجعل من جنس المباحات؛ فإن اقترن به نية صالحة كان حسنًا من هذه الجهة، وأما جعل ذلك سنة وطريقا إلى الله سبحانه وتعالى فليس الأمر كذلك). (مجموع الفتاوى) (11/511). وقال: (المباحات إنما تكون مباحة إذا جُعِلت مباحات، فأما إذا اتُخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك دينًا لم يشرعه الله، وجعلُ ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها، فلا حرامَ إلا ما حرمه الله، ولا دينَ إلا ما شرعه الله، ولهذا عَظُم ذمُّ الله في القرآن لمن شرع دينًا لم يأذن الله به). (مجموع الفتاوى) (11/450). فهذا تفصيل يظهر به متى يُشرع لبس الخرقة ومتى لا يُشرع. ولا حاجة معه إلى تكذيب النقل بلبس شيخ الإسلام للخرقة، ولا إلى دعوى رجوعه عنه بلا دليل. ([2]) (جامع المسائل) (4/393-394). ([3]) (ذيل طبقات الحنابلة) لابن رجب (4/504). ([4]) (مجموع الفتاوى) (2/464). ([5]) (مجموع الفتاوى) (2/359-361). ([6]) وفي فتوى لابن تيمية ضمن (مجموع الفتاوى) (2/106-107) بيان لبعض كفرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم. ([7]) (العقود الدرية) (ص368-370). ([8]) (مجموع الفتاوى) (3/160). ([9]) (مجموع الفتاوى) (3/160). ([10]) (النبوات) (1/376). ([11]) (المُقتفي على الروضتين) (4/372-373). ([12]) (العبر في خبر من غبر) (4/55). ([13]) (ص289-290). ([14]) وقال في (العبر في خبر من غبر) (4/55) في ترجمته: (إلا أنه كان يغلُو في ابن العربي ونحوِه، ولعلَّه ما فَهِم الاتحاد). ([15]) (مجموع الفتاوى) (13/188). ([16]) يعني أتباع الشيخ سعد الدين ابن حمويه في إيران، وكان لهم انتشار هناك، حتى إن إسلام قازان ملك التتار كان على يد ابنه الشيخ صدر الدين. ([17]) (جامع المسائل) (4/394). وذكرها في مواضع أخرى أيضًا: (مجموع الفتاوى) (2/239)،(7/594). ([18]) كما ذكر ابن عبد الهادي في (العقود الدرية) (ص83)، ونشرها رشيد رضا في (مجموعة الرسائل والمسائل) (1/161-185)، وابن قاسم في (مجموع الفتاوى) (2/452-479)، وذكر الألوسي جزءًا منها في (جلاء العينين) (ص104-113)، والتاريخ المذكور أثبته رشيد رضا في مطلعها، ووقع في (جلاء العينين) (ص104) التأريخ لها خطأ بسنة (604هـ). ([19]) (مجموع الفتاوى) (2/452-453). ([20]) (مجموع الفتاوى) (2/455). ([21]) قال الذهبي في (تاريخ الإسلام) (14/521-522) في ترجمة علي الحريري الاتحادي المتهتك: (كان ابن العربي مُنقبضًا عن الناس، إنَّمَا يجتمِعُ به آحاد الاتحادية، ولا يُصرِّح بأمره لكُلِّ أحد، ولم تشتهر كُتُبه إلا بعد موته بمدة، ولهذا تمادى أمرُه، فلما كان على رأس السبعمائة جدَّد الله لهذه الأمة دينها بهتكه وفضيحته، ودار بين العلماء كتابه الفصوص). ([22]) (مجموع الفتاوى) (2/464-465). ([23]) وكذا قال في رسالته (حقيقة مذهب الاتحاديين) ضمن (مجموع الفتاوى) (2/143). وفي رسالة له إلى أهل بعلبك: (وأما نفس المتكلّم بهذا الكلام مثل ابن العربي وغيره، فيمكن أنه قد تاب منه، ويمكن أن ما تاب منه. فإن كان مات مؤمنًا بالله ورسوله فهو من المؤمنين، وإن كان على غير ذلك فهو من المنافقين، والله أعلم بسريرته، وإلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم). (جامع المسائل) (7 /250). ([24]) (مجموع الفتاوى) (2/469). ([25]) (مجموع الفتاوى) (2/470-471). ([26]) (المقتفي على الروضتين) (3/302). ([27]) (ذيل مرآة الزمان) (2/860). ([28]) (المقتفي على الروضتين) (3/379). ([29]) (مجموع الفتاوى) (2/479). ([30]) قال ابن تيمية: حدَّثَني صاحبُنا العالم الفاضل أبو بكر بن سالار: عن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد - شيخِ وقته -، عن الإمام أبي محمد ابن عبد السلام أنهم سألوه عن ابن عربي لما دخل مصر فقال: شيخ سوءٍ كذَّابٌ مقبوح، يقول بقدم العالم، ولا يُحرِّم فرجًا. وكان تقي الدين يقول: هو صاحبُ خيال واسع. حدثني بذلك غير واحد من الفقهاء المصريين ممن سمع كلام ابن دقيق العيد. (مجموع الفتاوى) (2/244). ورواه عن ابن تيمية الذهبي في (تاريخ الإسلام) (14/278) وقال: (وحدثني بذلك المقاتلي، ونقلته من خطّ أبي الفتح ابن سيد الناس أنه سمعه من ابن دقيق العيد). ([31]) لابن جماعة جوابٌ على فتوى في ابن عربي وكلامه في (كتاب الفصوص) أوردها الفاسي في (العقد الثمين) (2/171-172) عقب جواب ابن تيمية على نفس الفتوى - الذي نشره ابن قاسم في (مجموع الفتاوى) (2/121-133) - ثم أتبعه - أي الفاسي- بأجوبة مشايخ آخرين في نفس العصر. ([32]) قال الشيخ في رسالة من رسائله التي كتبها في الحبسة الأولى: (وكذلك مما يُشرَع التوسُّل به في الدعاء، كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم علَّمَ شخصًا أن يقول: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد، نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها اللهم فشفعه في) فهذا التوسل به حسن، وأما دعاؤه والاستغاثة به: فحرام، والفرق بين هذين متفق عليه بين المسلمين؛ المتوسل إنما يدعو الله ويخاطبه ويطلب منه لا يدعو غيره إلا على سبيل استحضاره، لا على سبيل الطلب منه وأما الداعي والمستغيث فهو الذي يسأل المدعو ويطلب منه ويستغيثه ويتوكل عليه) . (مجموع الفتاوى) (3/276). ([33]) في المطبوع ( يمشي للحبس) والتصويب من (العقود الدرية) (ص334). ([34]) قال البرزالي في ترجمته في (المقتفي) (2/442): (كان قاضيًا بالديار المصرية، وهو من نوادر العصر، وأفراد الدهر). وخبر محنته التي سجن بسببها في (طبقات الشافعية الكبرى) لابن السبكي (8/173). ([35]) (المقتفي على الروضتين) (3/379). ([36]) (نهاية الأرب) (32/86). المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|