حواري مع أبي عَدِي حاتمٍ الطائي (1)
مررتُ بمضارب سيد طي بعدما تهتُ في صحراء الجفاء ,ورمال القطيعة ,فلفحت وجهي رمال الصحراء الحارة وكأنها الملّ الحار,وجف حلقي من رجاء الربيع بعدما تصحّر فؤادي فسلمتُ عليه فقلت له:
عمتَ مساءًا أبا عدي سيد طي,فقال :عمتَ مساءًا حللتَ أهلاً ووطأت سهلًا ,ثم نادى زوجه النوار وأمره بإشعال النار ,ثم أتاني بغبوقٍ من فخار فيه حياة الدار, لبنٌ سائغٌ شرابه لذة للعطاشى بعد رحلة قُطعت فيها الأقدام في البراري والقفار.
فقال :من أين العربي ؟قلت البلدة او النسب ؟قال :بل البلدة يا اخا العرب فكلنا عربٌ نسبًا إخوة المقام والمصير,قلتُ:من فلسطين ,فتهلل وجهه وقال:أرضٌ مقدسة وترابها بركة وأهلها مباركون ,نعم الموصوف ومرحبًا بالواصف ,هلمَ طعامك وبعد ثلاثة نسألكم حاجتك.
قلتُ :يا عم لن امكثَ ثلاثةً فإني على سفرٍ ولكني سمعتُ كلمةً عنكم وددتُ لو أخبرتني هل قلتها؟قال :ما هي؟قلتُ: قِيل لكم لَا خَيْرَ فِي السَّرَفِ؛ فَقَلت:َ لَا سَرَفَ فِي الْخَيْرِ,
قال نعم وهي عمدتي ورأس مالي ومهجعي ومآلي ,وعليها ربيّتُ عديًّا وسفانة ,فقر عينا وتناول طعامك واخلد لنفسك فأرحها ..
ثم رُفع الخباء ثم جاء صوتٌ من خلفه أسمعه ,إنه صوتُ حرةٍ عربية كريمة أصيلة فقالت:يا ضيفنا أنا النوار زوج سيد طي اسمع مني هذه واروها عنا حتى يعلم من خلفنا أننا قومٌ ما قبلنا الضيم للجار ولا هضمنا حق الجوار, وإن من تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة، وإطالة الحديث عند المواكلة»
(قالت : أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض، واغبر أفق السماء، وراحت الإبل حدبا حدابير =العجفاء الضامرة، وضنت المراضع عن أولادها فما تبض بقطرة، وجلفت السنة المال =أي أذهبته، وأيقنا أنه الهلاك. فو الله إني لفي ليلة صنبر بعيدة ما بين الطرفين =شديدة البرودة، إذ تضاغى أصيبيتنا من الجوع، عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت إلى الصبية، فو الله ما سكنوا إلا بعد هدأة من الليل، ثم ناموا ونمت أنا معه، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت، فلما تهورت النجوم =ذهبت إذا شيء قد رفع كسر البيت =أسفل الشقة، فقال: من هذا؟ فولى ثم عاد، فقال: من هذا؟ فولى ثم عاد في آخر الليل، فقال: من هذا؟ فقالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند أصيبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع، فما وجدت معولا إلا عليك أبا عدي، فقال: والله لأشبعنهم، فقلت: من أين؟ قال: لا عليك، فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم، فأقبلت المرأة تحمل ابنين ويمشي جانبيها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها، فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمديته، فخر، ثم كشطه، ودفع المدية إلى المرأة فقال: شأنك (الآن)، فاجتمعنا على اللحم، فقال: سوأة! أتأكلون دون الصرم؟!( =البيوت من الناس المتقطعة) ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا ويقول؛ هبوا أيها القوم، عليكم بالنار، فاجتمعوا، والتفع بثوبه ناحية ينظر إلينا، لا والله ما ذاق منه مزعة (قطعة)، وإنه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس، إلا عظم أو حافر، (فعذلته على ذلك)، فأنشأ حاتم يقول:
مهلا نوار أقلى اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات: ما فعلا
ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا، وإن كنت أعطي الجن والخبلا
يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا
لا تعذليني في مال وصلت به ... رحماً، وخير سبيل المال ما وصلا
إذا قلَّ مال المرء قلَّ صفاؤه ... وضاقت عليه أرضه وسماؤه
وأصبح لا يدري وإن كان حازماً ... أقدَّامه خيرٌ له أم وراؤه
إذا قلَّ مال المرء لم يرض عقله ... بنوه ولم يغضب له أولياؤه
فإن مات لم يفقد ولم يحزنوا له ... وإن عاش لم يسرر صديقاً بقاؤه.
ثم حضر حاتم فقلتُ له :يا عم هل حقا أتاكَ رجلٌ فقال: إنها وقعت بيني وبين قوم ديات، فاحتملتها في مالي وأملي، فعدمت مالي وكنت أملي، فإن تحملها عني فربّ همّ قد فرجته، وغمّ كفيته، ودين قضيته، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمّ يومك، ولم أيأس من غدك. فحملتها عنه؟
قال :نعم يا بني ,ولكن أتعرف ما حملني على هذا البذل والعطاء والكرم؟قلتُ :هاته بربك ,قال :مررتُ يوماً وأنا في الصحراء وقد بلغ بي ما بلغ بك ,فطرقتُ خباءَ شابٍ فضيّفني ذبيحة ولم يكن عنده إلا عشرة رؤوس ,فلما قدمها قال لي :يا عم :ما تحبُ منها ؟قلتُ:ما برأسها ,فهشمه لي ثم قام على التسعة الباقية فذبحها وقدم لي رؤوسها ,فأكبرتُ فعله فاخرجتُ ألف دينار فدفعتها إليه جزاء مروءته ..قلت لعمي حاتم :صدقتَ وقد قيل قديمًا: ، عليك بالترحيب والبشر، وإياك والتقطيب والكبر؛ فإن الأحرار أحب إليهم أن يلقوا بما يحبون ويحرموا من أن يلقوا بما يكرهون ويعطوا؛ فانظر إلى خِصلة غطت على مثل اللؤم فالزمها، وانظر إلى خصلة عفّت على مثل الكرم فاجتنبها..
المصدر...