![]() |
![]() |
|
|
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
جسور إلى رمضان ![]() جسور إلى رمضان إخوة الإسلام والإيمان: وصية الله -جل وعلا- لكم في آيات القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران:102]. معاشر المسلمين: من حكم الله البالغة، ومن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- الظاهرة، أنه يكون لكل أمر تهيئة واستعداد، وأن الفرائض العظيمة الجليلة يسبقها من السنن والنوافل ومن الأعمال والقربات ما يذكّر بها، ويهيئ لها، ويدني منها، ويعين عليها. فإن نظرنا إلى الصلاة وجدنا بيننا وبينها أذانا يذكّر، وسعيا إلى المساجد يكفّر ويعظم به الأجر والمثوبة، وانتظارا بين يدي الأذان والإقامة، وسننا نافلة، كل ذلك حتى يكون المرء قد بلغ أفضل أحواله في قيامه بفريضته. ومثل ذلك نراه في الحج أشهراً ممتدة قبله: إحراماً في المواقيت قبل الوصول إليه، وتطهراً مسنوناً، وربما -أيضاً- أداء لمناسك من العمرة، أو لطواف قدوم، أو نحو ذلك. ونحن اليوم من المفترض أن يكون قد ابتدأ استعداد خاص، وتهيئة مميزة، وتذكرة محددة، بين يدي فريضة الصيام، وإقبال شهر رمضان؛ فنحن اليوم قد استقبلنا شهر شعبان، وهنا تبرز لنا سنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وتظهر لنا القدوة المثلى والأسوة الحسنى في سيرته -عليه الصلاة والسلام-، لنرى أن هذا الشهر صفحة كاملة هي عنوان لما بعده في شهر رمضان، وهي محطة أخيرة تمثل الجسر الموصل إلى عبادة الصيام. وهذه أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- ترسم لنا صورة فتقول: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يُفْطِر،ُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ". وفي المتفق عليه -أيضاً- من حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ". وكأن هذا، كما قال أهل العلم، بمثابة السنة النافلة قبل أداء فريضة الصلاة، وكأننا نتهيأ للصيام -أيضاً- بصيام مثله مسنون مشروع بهدي وسنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-. وإذا نظرنا إلى العلة فقد سئل عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين سأله حِبه أسامة بن زيد، وهو يروي الحديث، كما عند النسائي في سننه بسند حسن، قال: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان! فقال -عليه الصلاة والسلام- : "ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَب وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ". وها هنا وقفتان: وقفة تتعلق بالغفلة، وأخرى برفع الأعمال. غير أني أضيف إليها وقفتين أخريين من حديثٍ جليل عظيم متصل أيضاً بشهر شعبان، وهو حديث قد رواه عدد كبير من أهل الحديث، وجملة رواياته حسنة، وبعضهم يصححها: "إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ, فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ, إِلاَّ لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ"، فإذا نظرنا إلى هذه الأحاديث، سنرى فيها وقفات مهمة، سيما ونحن مازلنا في أول شهر شعبان. الوقفة الأولى: الاستكثار من الصيام في شهر شعبان، وذلك اتباعا واقتفاءً لهدي المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وتوجهاً لنيل الأجر والمثوبة العظمى في الصيام، وهو مذكور في نصوص كثيرة، ومنها في حديث أبي أمامة أنه قال -عليه الصلاة والسلام-: "عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لاَ عِدْلَ لَهُ"، وفي رواية: "فَإِنَّهُ لاَ مِثْلَ لَهُ"، أي: في أجره ومثوبته وفضله. وكذلك ما ورد وصح عنه -عليه الصلاة والسلام-: "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا"، فكيف وهذا بين يدي شهر الصيام كله؟. وهو -أيضاً- من أسباب الإعانة، فنحن اليوم في هذا الوقت، وقت يطول فيه النهار ويشتد فيه الحر، وهكذا سيمضي بنا إلى شهر رمضان، فلعل من يصوم ويستكثر الصيام في شهر شعبان يتهيأ ويتقوى، حتى إذا جاء رمضان، كان أقوى وأقدر وأكثر تهيؤاً لصيام رمضان. والوقفة الثانية المذكورة -أيضاً- في تعليل وبيان النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هذا الصيام، والالتفات إلى الطاعات والقربات في شعبان، أمر ظاهرٌ في تشريع الإسلام، وهو أن العبادة وقت الغفلة لها مزية في عظيم الأجر والمثوبة، وهكذا، قد نص على ذلك حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَب وَرَمَضَانَ"، فقد يكون بين الناس فيه فتور أو غفلة عن الطاعة، وهذا مطرد، فنحن نعرف ما ورد وأُثر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، من ذكر الله عند دخول الأسواق؛ لأنها مظنة الغفلة واللهو والانشغال بالمال. ومثل ذلك ما ورد من تفضيل خاص بأفضل الصلاة بأنها في جوف الليل لأنه وقت غفلة ونوم، ومثل ذلك ما ورد في قوله -جل وعلا-: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذاريات:18] لأن الثلث الأخير أيضاً مظنة غفلة كثير من الناس، فكأن هذا تنبيه من النبي -صلى الله عليه وسلم- لنا لنخص هذا الوقت الذي فيه غفلة بمزيد من الذكر والطاعة والقربة، وهذا مما ينبغي أن يلتفت إليه نظر المسلم، سيما وهو ينتصب له أمر الاقتداء برسوله -صلى الله عليه وسلم-، (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) [الأحزاب:21]. الوقفة الثالثة: رفع الأعمال، وارتباطها -كذلك- بما ورد في نصوص أخرى من نقاء القلوب، وطهارة السرائر، ونزع الأحقاد، وإزالة الشحناء؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول : "أُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ"، وقد ورد كذلك في الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ترفع الأعمال يوم الاثنين والخميس"، وكأن النبي يقصدهما بالصوم لهذا المعنى أيضاً، فكم نحن في حاجة إلى مثل هذا! وإلى مثل الشهادة الواجبة بالنصوص، الثابتة في رفع الأعمال ووجود الشهادة عند الله -سبحانه وتعالى-. ومن ذلك ما هو معلوم في الصحيح من حديث أبي هريرة: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِى صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ-: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ". فإذاً؛ العبد يقصد ويتعلق قلبه بالعبادات في أحيان رفعها إلى الله -عز وجل-، وفي أحيان قيام الشهادة، لأنه يلتمس القربى والزلفى إلى الله -سبحانه وتعالى-، فهذه محطة لا ينبغي لنا أن نغفل عنها، بل هي من أسباب بعث الهمة والنشاط، وإقبال النفس على طاعة الله -سبحانه وتعالى-. فأنت، أيها العبد الضعيف، يكرمك الله -عز وجل- بفضله ومنته ورحمته وعطائه وجوده أن يرفع عملك في أوقات بعينها، وأن يطلع عليك في أوقات بعينها، كما صح كذلك من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ، حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ". ثم ننتقل إلى محطة أخرى أيضاً، وهي التي جمعت بين أمرين عظيمين، أحدهما هو أعظم ما يجب على المسلم في حياته، وهو أمر متصل بصلته بربه وخالقه ومولاه، وهو متصل بتوحيد الله -جل وعلا-، كما ورد في هذا الحديث الذي ذكرته آنفاً؛ لأن الإنسان المسلم يغفر له ما لم يشرك بالله -عز وجل-، وهذا ظاهر في آيات الله -سبحانه وتعالى-: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء:48] "إلا لمشرك أو مشاحن"، ينبغي أن نستحضر أن التوحيد هو جوهر حياتنا، ولب إسلامنا، وسبيل نجاتنا، وأساس سلامتنا، وأعظم أسباب مثوبتنا عند الله -سبحانه وتعالى-. والتوحيد خلاصته أن تتعلق القلوب بالله وحده دون سواه، حباً وتوكلاً وإنابةً وخوفاً ورهبةً، كل هذه المشاعر القلبية والعبادات القلبية كلها لله -سبحانه وتعالى-، وإذا كان ذلك كذلك فسنربطه برمضان وبشهر الصيام من بعد، فهذا فيما بين العبد وبين الله: توحيده بلا شرك، والتعلق به وحده بدون غيره -جل وعلا-. ننتقل إلى السمة الثانية: "إلا لمشرك أو مشاحن"، أليس هذا الأمر يلفت نظرنا إلى تهيئة لا بد لنا منها قبل دخول شهرنا؟ أندخل شهر رمضان والقلوب متنافرة، والنفوس متباغضة، والصلات منقطعة؟ إن هذا الحديث يشير إلى تدارك لا بد منه، وإلى غاية عظمى لهذا الدين فيما بين المسلمين، وهي طهارة قلوبهم على بعضهم البعض: "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". ولذا؛ كلنا يدرك -أيضاً- ما ورد من الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي يخبر فيه: "فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلاَّ الْمُتَشَاحِنَيْنِ، يَقُولُ اللَّهُ -عز وجل- لِمَلاَئِكَتِهِ: دَعُوهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا"، فموكول هذا الغفران بغفران يكون بين العباد بين المؤمنين، ما الذي تحمله على أخيك؟ أمالٌ أخذه؟ المال ذاهب وآت، أأمر اعتدى به عليك؟ (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) [النور:22]. والأمر في هذا واسع، والصفح والمغفرة كانت في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم ما تكون، حتى إنه عفا عن قاتل عمه حمزة بن عبد المطلب لما جاءه مسلماً وهو وحشي -رضي الله عنه-، وعفا عن كفار قريش الذين ناصبوه العداء، وتعرضوا له بشتى أصناف الإيذاء، فقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، فما بالنا لا نعطي هذا الأمر حقه، وهو من جوهر إيماننا وإسلامنا؟ وهو من تهيئة أسباب استعدادنا لصيامنا، وأداء فريضة الصيام في رمضان. فالصيام ليس امتناعاً عن الطعام والشراب كما تعلمون، هو امتناع حقيقي عن كل ما لا يحب الله ويرضى، سيما في أمور القلب، له -سبحانه وتعالى- توحيداً وإخلاصاً وتوكلاً، وعلى عباده حباً وصفاءً ونقاءً، هذا الذي ينبغي أن نعيه ونلتفت له؛ لأن هذا الذي أخبرنا به رسولنا -صلى الله عليه وسلم-: "تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا! أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا! أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا!" رواه مسلم. لماذا تؤجل المغفرة؟ لماذا تؤخر أمراً أنت في أمس الحاجة إليه؟ والمطلوب له والذي تحتاج فيه إليه أمر يسير على من يسره الله عليه، وهو أمر لو أخذت به وتعودت عليه لوجدت فيه راحة قلبك ونفسك، فلا تحمل حقداً ولا شحناء ولا بغضاء ولا يهتم فكرك لما قال هذا وما فعل هذا؛ بل تكون مضمرا الحب والصفاء لكل إخوانك المسلمين، وهذا أمر -كما قلنا- من أهم الأمور التي تعد من الانتباه والالتفات والاستعداد اللازم لشهر رمضان. وتأمل معي هذا الدعاء القرآني الرباني على لسان أهل الإيمان لإخوانهم وعن إخوانهم: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا) [الحشر:10] تأمل هذا الدعاء، يسوقه الله آيات تتلى إلى يوم القيامة، ليقول لنا إن صلتنا بإخواننا أن ندعو لهم بالمغفرة، ويدعون لنا بالمغفرة، ويكون كل همنا أن ننال جميعاً رضا الله -سبحانه وتعالى-، وهذا -لا شك- تدريب عملي، وتزكية إيمانية، ومجاهدة نفسية يرقى بها المسلم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه في تلك الدرجة الإيمانية التي أخبر بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ولعلي أختم هذا المقام بأن أذكر بأن جملة هذه الأعمال عنوانها تذكرة لا غفلة، وتهيئة لا كسل، ومعنى ذلك أعم من مجرد الصلة بالعبادات، وهذا ما ينبغي أن ننبه عليه، فالغفلة التي نحن فيها متعلقة بهذه الأبواب، ولكنها -كذلك- متعلقة بأمور أخرى كثيرة، لا بد لنا أن نجعل عنوان ترك الغفلة بالذكر وبالاستحضار لأمر الله -عز وجل- وهدي رسوله -صلى الله عليه وسلم-. ولا بد كذلك أن نجعل العنوان الثاني في الصفاء والمودة لما هو أعم بأن علينا واجباً تجاه إخواننا في كل مكان، ليس فقط في هذا الجانب وحده، جانب المحبة أو جانب طهارة القلب، بل فيما هو أعظم من ذلك، في تجسيد صورة الإخوة: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات:10] وفيما بيّنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى". أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوقظ قلوبنا من غفلتها، وأن يطهر قلوبنا من الشحناء والبغضاء، وأن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن يقبل بنا ويقبل علينا شهر رمضان ونحن على الطاعة مقيمين، ولها عاملين، إنه -جل وعلا- ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية: معاشر المؤمنين: هذه عناوين عظيمة، هي من تقوى الله التي نوصي أنفسنا ونذكر أنفسنا بها في كل مقام، بتقوى الله -عز وجل- في السر والعلن، والإقبال على الفرائض والسنن. ولعلي -كما قلت- أشير إلى عنوان الغفلة وإلى عنوان المحبة، لا ينبغي أن نغفل عن أمور أعظم وأجل من مجرد تذكر هذه العبادات والسنن والنوافل، إنها الغفلة عن قضايا المسلمين، ثمة غفلة عن مسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد كان بالأمس ذكرى ما يسميه الصهاينة المحتلون ذكرى استقلال القدس أو تحريرها كما يقولون، وقد حاولوا وعملوا اقتحاماً لمسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتجدد ويتمدد، ونرى ما نرى ونعرف ما نعرف؛ لكننا نغفل عن ذلك تذكراً، ونغفل عنه واجباً، ونغفل كذلك عن حال إخواننا في غزة وحصارهم الذي امتد أكثر من عشر سنوات. ونحن نعلم ما ورد في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خشَاشِ الأَرْضِ"، كانت سبباً في دخولها النار، فكيف بإخوة مسلمين يحال بينهم وبين علاجهم ودوائهم وطعامهم وشرابهم ونورهم ومائهم؟ وكأنما هي صورة مثلى لما ضرب به من الغفلة على أمة الإسلام؛ الفاعلون مجرمون، والمساهمون في الحصار آثمون، وهم من الله -سبحانه وتعالى- في الدنيا قبل الآخرة معاقبون، ولكننا نحن -أيضاً- صامتون! وربما غافلون! وقليلاً ما نتذكر!. وإذا انتقلت إلى غفلة أخرى فإن حجمها أكبر اليوم وأضخم وأعظم، ونراها كل لحظة وفي كل ثانية في بلاد الشام، شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، وهي ما تزال تحت إجرام المجرمين، ونظر المتآمرين، وصمت العالمين، في كل آن وحين. وللأسف الشديد! على أقل تقدير، ونحن نتذكر في هذا الشهر أنه قد يكون شهر غفلة، فلنجعله شهر ذكرى لأحوال أمتنا، والانتقال بها إلى الحال الأخرى، فإن الحال الأخرى وهي الصفاء والنقاء لا الشحناء والبغضاء، تقتضي أمراً عملياً، تقتضي تحركاً إيمانياً، تقتضي أن يكون للمسلم دور، كما قلت وكررت مراراً، ولو بكلمة، ولو بدعوة، ولو بدمعة، فضلاً عما يمكن أن يقدم من نصرة وإغاثة، وكل ما يمكن أن يقال. وعندما تحدثت في الجمعة الماضية جاءني من قال: لم تقل شيئاً بعدما ذكرت من الأحداث، أي: لم تقل للناس افعلوا كذا أو ابذلوا كذا أو أنفقوا كذا، فقلت: وهل يحتاج هذا إلى قول؟ وسبق أن قلت مراراً: إن الإنسان إذا أراد استطاع، وإذا لم يكن مريداً تلمس الأعذار وجاء بالحجج الواهية، فنحن اليوم نأكل ملء بطوننا، وننام ملء جفوننا، ونضحك ملء أشداقنا، ونلهو ملء مجالسانا، وكأن شيئاً لم يكن، ثم بعد ذلك نقول: لو كانت لنا استطاعة لفعلنا وفعلنا! كلا! نحن نستطيع، ولكنا غافلون ومقصرون ومفرطون. ونحن بين يدي رمضان، شهر وحدة، شهر عبادة، شهر قوة، شهر صلة بالله، شهر رحمة لعباد الله، ينبغي أن نتذكر الولاء لعباد الله من إخواننا المسلمين، وأن نتذكر الوحدة والقوة في هذه الأمة يوم يكون، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : "إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى". ينبغي أن ننظر إلى الأمور نظرة حقيقة واسعة شاملة، وإلا فسنبقى مع صور العبادات دون جوهرها، ومع مظاهر الطاعات دون حكمتها، ومع أدائها دون أثرها في حياتنا وفي واقعنا، وذلك كله ضرب من القصور ينبغي أن نجتهد في تلافيه، وصور من الضعف ينبغي أن نجبرها، وذلك في مقدورنا، وقد يسر الله لنا وأمدنا بنعم منه لا تعد ولا تحصى، فنحن في أمن وأمان، ونحن في سعة رزق ورغد عيش، ونحن في قدرة على الطاعة والعبادة والإقبال على الله -سبحانه وتعالى-، ونحن في قدرة على أن نعين ونغيث حتى يكون أداؤنا شكر النعم سبباً من أسباب بقائها وزيادتها، ونخشى إن نحن غفلنا أو جحدنا أو أنكرنا أن تسلب النعم منا، والعياذ بالله!. نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يلهم أمتنا رشدها، وأن يأخذ بناصيتنا ونواصي إخواننا إلى البر والتقوى، وأن يأخذنا إلى كتابه العظيم، وهدي نبيه الكريم، وأن يجعلنا أمة مجتمعة على كتاب الله وسنة وهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، ألهمنا الرشد والصواب، تول اللهم أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. الشيخ على بن عمر بادحدح وفقه الله ![]() المصدر: منتديات بيت حواء - من قسم: منتديات اسلامية,( على منهج أهل السنة والجماعة) [s,v Ygn vlqhk المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|