السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبوبكر والهجرة مع النبى المصطفى وتأسيس أمة قائدها محمداً صلى الله علية وسلم قائمة بإذن الله الى يوم الدين
هجرة الحبيب محمد صلى الله علية وسلم مع أبو بكر الصديق
الحمد لله رب العالمين الذي أنعم علينا ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وجعله سراجًا وإمامًا للمتقين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وإمام الأنبياء الحاشر العاقب الأمين، وعلى ءاله وصحابته الطيبين.
أما بعد فإنَّ الله عزّ وجَلَّ قد كَرَّم َ النبي محمدًا وكرَّم أمته ورفع قدرها فوق الأمم السابقة، قال تعالى كنتم خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس) [سورة ءال عمران]. وما ارتفعت هذه الأمة إلا بنبيّها وما شَرُفت إلا به، لذلك كان الاعتناء ببيان مولد هذا النبي الكريم وما ظهر من الآيات عند ذلك وما أعطاه الله من المواهب والشمائل من مهمات الأمور، إذ يزداد المؤمن بذلك تعظيمًا ومعرفة بفضله صلى الله عليه وسلم.
انَّ في حياةِ رسول الله أحداثاً حوّلت مجرَى التاريخ وأحدَثت أعظمَ نقلة وأعقبت أقوَى الآثار، تبوَّأت منها الهجرة النبوية المبارَكَة مكاناً عليًّا ومقاماً كريماً، حيث كانت بحقٍّ فتحاً مبيناً ونصراً عزيزاً ورِفعة وتمكيناً وظهوراً لهذَا الدّين، وهزيمةً وصَغاراً للكافرين.
وفي وقائِع هذه الهجرة مِن الدّروس والعبَر وفي أحداثِها من الفوائد والمعاني ما لا يكاد يحِيط به الحصر ولا يستوعِبه البيان، فنها أنَّ العقيدةَ أغلى من الأرض، وأنَّ التوحيدَ أسمى من الديار، وأنَّ الإيمان أثمنُ من الأوطان، وأنَّ الإسلامَ خير من القناطير المقنطَرة من الذّهب والفضّة والخيلِ المسوّمة والأنعام والحرث ومن كلِّ متاعِ الحياة الدنيا، يتجلّى هذا المعنَى بيّنًا في خروجِ هذا النبيّ الكريم صلوات الله وسلامه عليه مع صاحبِه الصدّيق رضي الله عنه مهاجرَيْن من هذا الحِمى المبارَك والحرمِ الآمِن والأرضِ الطيّبة التي صوّر واقعَها الحديثُ الذي أخرجَه أحمد في مسندِه والترمذيّ وابن ماجه في سننهما بإسناد صحيح عن عبد الله بن عديّ بن حمراء الزّهريّ أنّه قال: رأيتُ رسول الله واقفًا على الحَزْوَرَة[1]قال: ((والله، إنَّك لخيرُ أرضِ الله وأحبُّ أرضِ الله إلى الله، ولولا أنِّي أُخرجتُ منكِ ما خرجت))
وفي الهجرة كمَال اليقينِ بمعيّة الله تعالى لعبادِه المؤمنين الصَّادقين، ذلك اليقين الرَّاسخ الذي لا تزعزِعُه عواصِف الباطل، يستبينُ ذلك جليًّا في حالِ هذَين المهاجرَين الكريمَين حين عظُم الخَطب وأحدَق الخطرُ ببلوغ المشركين بابَ الغارِ الذِي كانَا فيه، وحينَ قال أبو بكر رضي الله عنه: والله يا رسول الله، لو أنَّ أحدَهم نظر إلى موضعِ قدمَيه لرآنا، فقال رسول الله قولتَه التي أخذَت بمجامعِ القلوبِ. ((يَا أبَا بَكر، مَا ظنُّكَ باثنَين اللهُ ثالثُهما)) ، وأنزَلَ سبحانه مصداقَ ذلك في كتابه، أنزل قولَه : إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ الله هِىَ ٱلْعُلْيَا وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:40].
وأيُّ معيّةٍ هذه المعيةَ؟ إنّها المعيّةَ الخاصّة التي تكون بالتّأييد والتّوفيق والحِفظ والمعونةِ والنّصر إنّما جعلها الله تعالى لأوليائِه المتّقين المحسِنين الذين بذلوا حقَّ الله عليهم في توحِيده وإفرادِه بالعبادةِ وتركِ الإشراكِ به، ثمَّ بامتثال أوامرِه والانتهاء عمَّا نهاهم عنه.والمعية تاءتى بمعنى العلم كقوله تعالى(( وهو معكم أينما كنتم)) أي عالم بكم حيث كتتم الله تعالى لا يخفى عليه شيء عالم بالأماكن كلها وهو موجود بلا مكان , حتى إذا سكن الطلب عنهما قليلا خرجا من الغار بعد ثلاث ليال متجهين إلى المدينة على طريق الساحل فلحقهما سراقة بن مالك المدلجي على فرس له فالتفت أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا فقال النبي : ((لا تحزن إن الله معنا)) فدنا سراقة منهما حتى إذا سمع قراءة رسول الله غاصت يدا فرسه في الأرض حتى مس بطنها الأرض وكانت أرضا صلبة فنزل سراقة وزجرها فنهضت فلما أخرجت يديها صار لأثرهما عثان ساطع في السماء مثل الدخان قال سراقة: فوقع في نفسي أن سيظهر أمر رسول الله فناديتهم بالأمان فوقف رسول الله ومن معه فركبت فرسي حتى جئتهم وأخبرتهم بما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع وقال للنبي : إنك تمر على إبلي وغنمي بمكان كذا فخذ منها حاجتك. فقال: ((لا حاجة لي في ذلك)) وقال: ((أخف عنا)). فرجع سراقة وجعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده وقال: كفيتم هذه الجهة فسبحان الله رجل ينطلق على فرسه طالبا للنبي وصاحبه ليظفر بهما فيفخر بتسليمهما إلى أعدائهما من الكفار فلم ينقلب حتى عاد ناصرا معينا مدافعا يعرض عليهما الزاد والمتاع وما يريدان من إبله وغنمه ويرد عن جهتهما كل من أقبل نحوها وهكذا كل من كان الله معه فلن يضره أحد وتكون العاقبة له. ويعود سراقة ويكمل الرسول مسيرته إلى طيبة ويصل هناك ليستقبله المسلمون بحفاوة وترحيب وفرح وحب، وليؤسس صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام ويعز الله دينه ويعلي كلمته ولو كره الكافرون ولو كره المشركون.
إنَّ هذه الهجرةِ المباركة وعبرِها هيَ جديرة بأن تبعثَ فينا اليومَ ما قد بعثَته بالأمسِ مِن روحِ العزَّة، وما هيَّأته من أسبابِ الرِّفعة وبواعثِ السموِّ وعواملِ التَّمكين. إِنَّ الله مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ
عندما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم مهاجرا الى المدينة وضعت قريش جائزه مقدارها مائة ناقة من الابل لمن يدلهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان هناك رجل يسمى سراقه قد رأى رسول الله وصاحبه ابوبكر في الطريق فسمع بالجائزة فركب فرسه في اثارهما حتى يردهما الى كفار قريش ويأخذ المائة ناقة يقول سراقة: فلما ظهر لي رسول الله وصاحبه عثر بي الفرس فذهبت يداه في التراب وسقطت عنه ثم انتزعت يديه من الارض فتبعهما دخان كالإعصار قال : فعرفت حين ذلك انه رسول الله فأخذ ينادي عليهما ويقول : انظروني اكلمكما فوالله لا اريبكم ولا يأتيكم مني شيئا تكرهونه فرد عليه ابوبكر وقال له: اريد كتابا من رسول الله يكون لي آية بيني وبينه فكتب له كتابا والقاه اليه فرجع سراقه خالي الوفاض ولما كان فتح مكة دخل الاسلام وأعطى رسول الله الكتاب .
اننا نفهم من الهجرة النبوية انه في ظلها ترك المسلمون أرض الذلة والمهانة وعاشوا أمنين على ارض العزة والكرامة في المدينة المنورة فوجدوا اقواما في المدينة يحبهم الله ورسوله ويحبون من هاجر اليهم الى هذا اليوم . وفي المدينة استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعت راية الاسلام وتكونت الدولة واسس المسجد وخرجت الجيوش الاسلامية فاتحة وناشرة للدعوة الاسلامية وأصبح الاسلام في مدى عشرين عاما سيد العالمين وصاحب الكلمة في الارض والسيد المطاع في الدنيا سيوفه مرهوبه وكلمته مسموعه ورايته مرفوعه ودخل الناس في تلك الفترة في دين الله افواجا " وَلَيَنْصُرَنَّ الله مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" فنصرهم الله لانهم كانوا مخلصين له عباده الصالحين ، لم يقبلوا بالذلة والمهانة فتمسكوا بالعزة والجد والعمل والطاعة الصادقة ولنتعلم من الهجرة بأن النصر مع الصبر وان الفوز للعامل المجد المخلص بالقول والفعل وان مع العسر يسرا .
روى البخاري عن عمربن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" انما الأعمال بالنيات وانما لكل أمرئ ما نوى فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته الى ما هاجر اليه "
هذه هي الهجرة النبوية هجرة العزة والكرامة ولقد رأينا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لقى الكثير من التعب وضروبا شتى من الاذى والاضطهاد من مشركي قريش الى ان اذن الله له بالهجرة فهاجر الى قوم كرماء أوفياء بالعهد صادقين بالوعد انصارا للحق مجاهدين في سبيل الله اولئك هم الانصار " الاوس والخزرج" الذين بايعوه في العقبة على الايواء والنصرة والمؤازرة وان يمنعوه ما يمنعون به أنفسهم وازواجهم وابناءهم فاستقبلوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالفرحة والاناشيد وآخى بين المهاجرين والانصار فقال لهم تآخوا في الله أخوين أخوين وكانت اخوة ومحبة صادقه على دين الله ومما يحكى ان عبد الرحمن بن عوف تآخى مع سعد بن الربيع فقال له سعد بن الربيع " يا أخي هذا مالي نقتسمه وهذا بيتي نقتسمه وهذه ابلي نقتسمها وزوجاتي اختار منهن واحدة فاطلقها وبعد ان تنتهي عدتها تزوجها فرد عليه عبد الرحمن بن عوف قائلا لا يا أخي اني تاجر وماهر في التجارة فدلني على السوق لأبيع واشتري واتزوج واشتري بيت من عملي هكذا كانت الاخوة اما اليوم نجد ان الاخوة ليست الا في شهادات الميلاد وتشابه الاسامي ولانجد الا الحقد والحسد والغيرة الابين الاخوة فاين نحن من هؤلاء.
يجب علينا اليوم ان نتدبر أسباب الهجرة ونتائجها وما كان لها من آثار عظيمة في مجد الاسلام وعظمته وعزته وكرامته ونرى ما للانصار من فضل صدق ووفاء وما للمهاجرين من بذل وتضحية وايثار للحق والهدى على كل شيء وما لله علينا من نعم انه نعم المولى ونعم النصير.
جمعنا الله وإياكم على حوض نبينا صل الله عليه وسلم
حفظكم الله ورعاكم