الإحسان في مداواة النفوس بفاتحة القرآن
بقلم: أمين قادري
الحمد لله رب العالمين، منزل القرآن هدى ونورا وشفاء ورحمة، ودواء للقلوب من أدوائها، وراحة للنفوس من لأوائها، والصلاة والسلام على من بعث بأسباب العافية، والمقاصد العالية، محمد المهدى للناس رحمة، وعلى آله وأصحابه، أسلم الناس بعده قلوبا وأطهرهم نفوسا، وأقربهم إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها.
وبعد: فقد راسلني بعض الفضلاء مُباحِثا في كلمة العلامة ابن القيم رحمه الله: "ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة ، لرأى لها تأثيرا عجيبا في الشفاء".مُوقِفا إياي على نكتة جليلة، في قوله رحمه الله: "أحسن التداوي"، سائلا عن السبيل إلى إحسان المعالجة بأدوية القرآن، فنبه نفسي على معان جليلة وموضع عظيم من مواضع العلم النافع بإذن الله، وهو طلب الإحسان في كل معاني الشريعة.
إن الله جل شأنه قد جعل من محاسن الشريعة المحمدية الخاتمة للشرائع أن انتهى بها إلى الغاية القصوى في الحسن في كل أبوابها ومعانيها واعتقاداتها وأعمالها. فقال تعالى: (الله نزل أحسن الحديث)، وقال تعالى: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا)، وقال سبحانه: (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)، وقال جل وعلا: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن)، وكان مراده سبحانه من عباده على سمت إحسانه فيما شرع لهم، فقال تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، وقال تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا باللتي هي أحسن)، ووعدهم على أحسن العمل بأحسن الشرائع أحسن الجزاء، فقال سبحانه: (ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فالله تعالى كتب الإحسان في كل معاني الشريعة: عند تشريعها، وعند العمل بها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته". فإذا كان هذا في القتل والذبح اللذين فيهما من الإيلام وإزهاق الأرواح ما فيهما، فكيف بأعمال الشريعة التي هي إحياء خالص للنفوس وتحقيق للمصالح القريبة من المحضة؟ فكانت الشريعة المحمدية بذلك أكمل الشرائع، وأنفعها لعامة الخلق، وأقدرها على الاستمرار على تعاقب الأمم إلى قيام الساعة، وهذا هو معنى أحسنيتها، فإن سر الحسن كامن في التناسب والمناسبة، فأما التناسب فبين أجزاء الحَسَن، وأما المناسبة فبينه وبين العوارض المحيطة به أو الطارئة عليه.
وأمر الله جل شأنه عباده بطلب الإحسان في أمور الشريعة، وأحوال الدنيا على السواء، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه". وليس حال الإحسان كحال الإجزاء، فإن المجزئ من الأفعال ما حصَّل الشروط الواجبة، وانتفت عنه الموانع القادحة، وأما الإحسان فليست له غاية ينتهي إليها في النظر، وإنما منتهاه طاقة من يأتيه، ولو أُيِّد بقوة فزاد فيه كان خيرا له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير . في يوم مائة مرة ، كانت له عدل عشر رقاب ، وكتبت له مائة حسنة ، ومحيت عنه مائة سيئة ، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه"، وهو أحد المعنيين في قوله عليه الصلاة والسلام: "ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" فما حد له الشرع قدرا كالصلوات الموقتة، كان العمل فيه منوطا بقدرة العبد على أداء الموقّت، وما كان من سبيل الاستكثر من الخير، فالعمل فيه منوط بنهاية طاقة العبد، كما قال تعالى: (فاستبقوا الخيرات)، وقال: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا).
وإن في إحسان التداوي الذي ذكر ابن القيم رحمه الله معنى من كل ما سبق ذكره، فإن الشريعة في جملتها مداواة للنفس من أمراض الشبهات وأولها الشرك وموجبه الجهل بحق الخالق، ومن أمراض الشهوات وأولها الظلم وموجبه الجهل بحقوق المخلوقين، وإن كان الشرك ظلما، كما قال تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم). ثم جاءت كل أعمال الشريعة لمعالجة الأدواء المتسلسلة عن هذين الداءين العظيمين، كما عولجت الغفلة بالذكر والصلاة، والبخل بأنواع الصدقات، والجبن والخور بأنواع الجهاد، واتباع الشهوات بالصوم وأنواع المجاهدات، وحب النفس بصلة الأرحام وأنواع القربات، والفساد والإفساد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا فلا تجد مرضا من أمراض النفوس إلا وفي أعمال الشريعة القلبية والبدنية والمالية دواؤها منه.
وجعل الله أصل الأدوية وأسباب المعالجة في كتابه الكريم، وجعل جُمَّاع معاني القرآن في فاتحة الكتاب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "(الحمد لله) أم القرآن، وأم الكتاب والسبع المثاني"فكانت أدوية القرآن فيها مجموعة، وبرسمها منظومة، وبمعناها ومغزاها مشمولة، وكانت جملة الفاتحة عن جملة غيرها مغنية، لا تفصيلها عن تفصيل غيرها. فكان من عَقَل الحكمة من خطابها بمنزلة من عقل الحكمة من جملة خطاب القرآن، وهو سر من أسرار افتتاح الكتاب الكريم بها، إذ جعلها الله منبئة عن فحوى كتابه، وكان في تشريع قراءتها في الصلاة في كل ركعة بركة قراءة القرآن الكريم في معاني جملته، فمن استزاد بعدها فقد استزاد تفصيلا بعد إجمال. ومن استحضر هذا المعنى في قراءتها كان له إن شاء الله أول باب من أبواب التداوي بها.
ومن معاني إحسان التداوي بالفاتحة حسن التأتي لخطاب المولى سبحانه بآياتها، فإن المعالج بالقرآن داع وشافع، والداعي والشافع وإن قرأ من حفظ أو من رقعة أحوج ما يكون إلى أن يحضر في نطقه صفة خطاب المدعو أو المشفوع إليه، فمن قرأ الفاتحة قراءة تال نابهُ منها حظ التلاوة، ومن قرأها يخاطب بها سيده ومولاه خطاب محتاج إليه فقير إلى رحمته، مستمنح عافيته، غير مستغن عنه، فذاك إن شاء الله بأعلى المنازل، وهو حري بإذن الله إن سأل أن يعطى، وإن دعا أن يجاب، إن وضع بصره في الأرض فخشوعا ورهبة، وإن رفعه إلى السماء فشوقا ورغبة، وبالحالين قامت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ومن إحسان التداوي بالفاتحة استحضار فضلها ومزيتها وأسمائها وأوصافها وخصائصها، وإحسان الظن بالتوسل بها، لترغيب المولى سبحانه فيها، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم الراقي بها، ومن هذه البابة اليقينُ بأن الله يجيب قاصده فيها، ولا سيما إن كانت قراءتها في صلاة، كما جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي - فَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ"، فإذا أيقن العبد بأن الله تعالى يسمعه ويجيبه اجتهد في حسن التأدب وإخلاص النية وإحضار المحبة والتعظيم والخشية والرغبة والرهبة.
ومن إحسان التداوي بالفاتحة، أن يتحرى القارئ لكل حال من قراءتها ما يناسبها، فإن قرأها في فريضة استحضر أنها أحب القربات إلى الله، وإن قرأها في نافلة استحضر أنها أسباب استيجاب محبة الله وكلاءته، وإن قرأها خارج الصلاة فليستحضر معنى الاضطرار في التداوي بها راجيا نيل الإجابة بقوله تعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء)، وإذا قرأها على نفسه أو على مريض فلينو بها رفع الأذى الخاص والعام، والجلي والخفي، فإن المرء لا يدري أي داء هو به أشد، ولينو رفع الأمراض الحسية والمعنوية وأمراض الشبهة والشهوة.
ومن إحسان التداوي بالفاتحة أن يوجه الداعي معاني التوحيد والإخلاص الدالة عليها إلى العمل الذي يستقبله، وهو الدعاء والرجاء والفقر والحاجة، فيستشعر أنه لا يجيب الدعاء إلا الله، ولا يكشف الضر إلا الله، ولا يسد الخلة إلا الله، ولا يصرف الشرور إلا الله. ولينو بالدعاء العبادة والمسألة فيكون معنى العبادة في دعائه وسيلة لرفع معنى المسألة.
وليستحضر في كل اسم من أسماء الله الحسنى أثره في مسألته، فليستحضر في اسم الله توحيد التوجه إليه لكشف الضر، وفي اسم الرب معنى هبة الصحة والعافية، وفي اسم الرحمن الرحيم معنى اللطف بعبده والرأفة به، وفي اسم الملك والمالك معنى القدرة والإحاطة بالأسباب المؤذية.
ومن إحسان التداوي بالفاتحة تجريد القلب من التعلق بالمخلوقين، وكسر النفس للواحد القهار، والفناء في شهود قدرة الملك الجبار، فإن الله تعالى يعطي الأسباب الخفية لمن علم ألا سبب إلا به، وأن العلل معلولة ما لم يأذن لها المولى سبحانه بالفعل ولمحالِّها بالانفعال.
رزقنا الله وإياكم برء النفوس من أدوائها بمنه وكرمه، وفتح أبصارنا وبصائرنا على حقائق كتابه الكريم، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد وآله وصحبه أجمعين.
المصدر...