كان (الخليفة) الأموي الوليد بن عبد الملك يستبعد وقوع فعل قوم لوط من أحدٍ، ويقول: (لولا أن الله ذكر آلَ لوطٍ في القُرآن ما ظننت أن أحدًا يفعل هذا).
لكن في الواقع؛ وُجِد هذا الفعل كظاهرة فِسقيَّة، أو خروج عن السلوك الإسلامي القويم في عصور المسلمين، حتى إننا نجد نقولًا كثيرة عن السلف فمن بعدهم في التحذير من فتنة (المُردَان)، وصنف أبو بكر الآجري في القرن الرابع الهجري على طريقة المحدّثين كتابًا خاصًّا في ذلك سمّاه (ذمّ اللواط).
وفي عصر المماليك تجدُ وفرة في الحديث عن هذه الظاهرة من جوانب متعددة، وربطها بالعنصر التركيّ تارةً، وربطها ببعض سلوكيات المتصوّفة (الفقراء) تارة أخرى، فمن ذلك أن ابنَ كثير لما ترجم لسلامش ابن الظاهر بيبرس، وكان قد ولي السلطنة أيضًا مثل أبيه، قال: (وقد كان سلامش من أحسن الناس شكلا وأبهاهم منظرًا، وقد افتتن به خلقٌ كثيرٌ، واللوطية الذين يحبون المردان، وشبب به الشعراء وكان عاقلا رئيسًا مهيبًا وقورًا). (البداية والنهاية) ط إحياء التراث (13 /358).
وأعظم من هذا: أن هذه الفعلة في العصر المملوكي وجَدَت من يستبيحُها بالتأوُّل الديني، ولم تعد فقط ظاهرة فسقية تُعالج بالزجر والترهيب من ذوي البيان، وبالعقوبة القضائية من ذوي السلطان، بل احتاجت إلى علاجٍ فقهي!
يتحدّث ابن تيمية في رسالته (قاعدة في المحبّة) عن اشتباه الحكم الشرعي في اللواط على طبقات مختلفة من المجتمع الذي عاش فيه، وأنه وقع منهم سؤال له ومخاطبة في هذه القضية: (خاطبني فيها وسألني عنها طوائف من الجند والعامة والفقراء، وكان عندهم من هذه الاعتقادات الفاسدة ألوان مختلفة قد صدتهم عن سبيل الله). (قاعدة في المحبة) (ص186).
ويذكر ابن تيمية أن هذا التأوّل لاستباحة اللواط انبنى على تحريف للوحي، وتحريف لكلام أهل العلم:
أما التحريف للوحي: فالاستدلال بقوله تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) على إباحة أن يستمتع الرجل بمملوكه الذّكَر، والاستدلال بقوله تعالى: (ولعبد مؤمن خير من مشرك) على نفس المدلول.
ويذكر ابن تيمية وقوع الاستدلال الأول ممن سماهم (جُهَّال الترك)، ووقوع الاستدلال الثاني من واحدٍ ممن كان يقرأ القرآن ويطلب العلم، وأنه سأل ابنَ تيمية عنه.
قال ابن تيمية: (ومن المعلوم أن هذا كفر بإجماع المسلمين فالاعتقاد بأن الذكران حلال بملك أو غير ملك باطل وكفر بإجماع المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم). قاعدة في المحبة (ص186).
أما التحريف لكلام أهل العلم في المسألة: فبدعوى أن هذه المسألة خلافية، ونسبتها إلى مذهب مالك رحمه الله تعالى. يشرح ابن القيّم وجه نسبة هذا القول لمذهب مالك فيقول: (وسبب الغلط أنه قد نُسِب إلى مالك رحمه الله تعالى القول بجواز وطء الرجل امرأتَه فى دبرها، وهو كذبٌ على مالك وعلى أصحابه، فكتُبُهم كلُّها مُصرِّحة بتحريمه، ثم لمَّا استقرَّ عند هؤلاء أنَّ مالكًا يُبيح ذلك نقلوا الإباحة من الإناث إلى الذكور، وجعلوا البابين بابًا واحدًا، وهذا كفرٌ وزندقة من قائله بإجماع الأمة). (إغاثة اللهفان) (2/870).
ويتحدّث ابن تيمية عن ظروف الجرأة على هذا التأول فيقول: (وآخرون قد يجتمع بهم من يقول لهم إن في هذه المسألة خلافًا ويكذب أئمة المسلمين الذين لا تكون مذاهبهم ظاهرة في بلاده، مثل من يكون بأرض الروم فيكذب على مذهب مالك، ويقول هو مباح في مذهب مالك). قاعدة في المحبة (ص186).
فهنا ؛ يتبين أنّ الإقدام على الكذب على مذهب مالك في هذه القضيّة؛ لا يكون في بلد ينتشر فيه العارفون بمذهبه، وأتباعه، وحملته، وإنما في بلد لا يشتهر فيها مذهبه، بل يكون الإسلام فيها أصلًا ضعيفًا، وقد كانت بلاد الروم (تركيّا) في عصر ابن تيمية محتلّة من التتار والنصارى.
وأيضًا: نسب هذا القول لمذهب أبي حنيفة لكونه لا يوجب الحدّ على هذا الفعل، فيظنون أن عدم الحدّ يلزم منه عدم التحريم، يقول ابن تيمية: (ومنهم من قد بلغه خلافُ بعض العلماء في وجوب الحدِّ في بعض الصور، فيظنُّ أنَّ ذلك خلافٌ في التحريم، فربما قال ذلك أو اعتقده، ولا يفرق بين الخلاف على الحدِّ المُقدَّر والتحريم، وأن الشيء قد يكون من أعظم المحرمات كالدم والميتة ولحم الخنزير وليس فيه حدٌّ مقدر). (قاعدة في المحبة) (ص186-187).
المصدر...