مجموع الفتاوى (4/ 31) فما بعدها .
والعلم يحصل في النفس كما تحصل سائر الإدراكات والحركات بما يجعله الله من الأسباب وعامة ذلك بملائكة الله تعالى. فإن الله سبحانه ينزل بها على قلوب عباده من العلم والقوة وغير ذلك ما يشاء. ولهذا {قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان: اللهم أيده بروح القدس} " وقال تعالى: {كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} وقال صلى الله عليه وسلم " {من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده} " وقال عبد الله بن مسعود: " كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر " وقال ابن مسعود أيضا: " إن للملك لمة وللشيطان لمة فلمة الملك: إيعاد بالخير وتصديق بالحق. ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق " وهذا الكلام الذي قاله ابن مسعود هو محفوظ عنه وربما رفعه بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهو كلام جامع لأصول ما يكون من العبد من علم وعمل من شعور وإرادة. وذلك: أن العبد له قوة الشعور والإحساس والإدراك وقوة الإرادة والحركة وإحداهما أصل الثانية مستلزمة لها. والثانية مستلزمة للأولى ومكملة لها. فهو بالأولى يصدق بالحق ويكذب بالباطل وبالثانية يحب النافع الملائم له؛ ويبغض الضار المنافي له. والله سبحانه خلق عباده على الفطرة التي فيها معرفة الحق والتصديق به ومعرفة الباطل والتكذيب به ومعرفة النافع الملائم والمحبة له ومعرفة الضار المنافي والبغض له بالفطرة. فما كان حقا موجودا صدقت به الفطرة وما كان حقا نافعا عرفته الفطرة فأحبته واطمأنت إليه. وذلك هو المعروف وما كان باطلا معدوما كذبت به الفطرة فأبغضته الفطرة فأنكرته. قال تعالى: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} . والإنسان كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: " {أصدق الأسماء حارث وهمام} " فهو دائما يهم ويعمل لكنه لا يعمل إلا ما يرجو نفعه أو دفع مضرته ولكن قد يكون ذلك الرجاء مبنيا على اعتقاد باطل إما في نفس المقصود: فلا يكون نافعا ولا ضارا وإما في الوسيلة: فلا تكون طريقا إليه. وهذا جهل. وقد يعلم أن هذا الشيء يضره ويفعله ويعلم أنه ينفعه ويتركه؛ لأن ذلك العلم عارضه ما في نفسه من طلب لذة أخرى أو دفع ألم آخر جاهلا ظالما حيث قدم هذا على ذاك. ولهذا قال أبو العالية: " سألت أصحاب محمد
صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} ؟ فقالوا. كل من عصى الله فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ". وإذا كان الإنسان لا يتحرك إلا راجيا. وإن كان راهبا خائفا لم يسع إلا في النجاة ولم يهرب إلا من الخوف فالرجاء لا يكون إلا بما يلقى في نفسه من الإيعاد بالخير الذي هو طلب المحبوب أو فوات المكروه فكل بني آدم له اعتقاد؛ فيه تصديق بشيء وتكذيب بشيء وله قصد وإرادة لما يرجوه مما هو عنده محبوب ممكن الوصول إليه أو لوجود المحبوب عنده؛ أو لدفع المكروه عنه. والله خلق العبد يقصد الخير فيرجوه بعمله فإذا كذب بالحق فلم يصدق به ولم يرج الخير فيقصده ويعمل له: كان خاسرا بترك تصديق الحق وطلب الخير فكيف إذا كذب بالحق وكره إرادة الخير؟ فكيف إذا صدق بالباطل وأراد الشر؟ فذكر عبد الله بن مسعود أن لقلب ابن آدم لمة من الملك ولمة من الشيطان فلمة الملك تصديق بالحق وهو ما كان من غير جنس الاعتقاد الفاسد ولمة الشيطان هو تكذيب بالحق وإيعاد بالشر وهو ما كان من جنس إرادة الشر وظن وجوده: إما مع رجائه إن كان مع هوى نفس وإما مع خوفه إن كان غير محبوب لها. وكل من الرجاء والخوف مستلزم للآخر.
فمبدأ العلم الحق والإرادة الصالحة: من لمة الملك. ومبدأ الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة: من لمة الشيطان. قال الله تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا} وقال تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} أي: يخوفكم أولياءه وقال تعالى: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} . والشيطان وسواس خناس إذا ذكر العبد ربه خنس فإذا غفل عن ذكره وسوس فلهذا كان ترك ذكر الله سببا ومبدأ لنزول الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة في القلب ومن ذكر الله تعالى: تلاوة كتابه وفهمه ومذاكرة العلم كما قال معاذ بن جبل: " ومذاكرته تسبيح ".
وقد تنازع أهل الكلام في حصول العلم في القلب عقب النظر في الدليل فقال بعضهم: ذلك على سبيل التولد. وقال المنكرون للتولد: بل ذلك بفعل الله تعالى. والنظر إما متضمن للعلم وإما موجب له. وهذا ينصره المنتسبون للسنة من المتكلمين ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وقالت المتفلسفة: بل ذلك يحصل بطريق الفيض من العقل الفعال عند استعداد النفس لقبول الفيض. وقد يزعمون أن العقل الفعال هو " جبريل ". فأما قول القائلين " إن ذلك بفعل الله " فهو صحيح بناء على أن الله هو معلم كل علم وخالق كل شيء؛ لكن هذا كلام مجمل ليس فيه بيان لنفس السبب
الخاص وأما قول القائلين بالتولد: فبعضه حق وبعضه باطل فإن كان دعواهم أن العلم المتولد هو حاصل بمجرد قدرة العبد؛ فذلك باطل قطعا ولكن هو حاصل بأمرين: قدرة العبد والسبب الآخر كالقوة التي في السهم والقبول الذي في المحل. ولا ريب أن النظر هو بسبب ولكن الشأن فيما به يتم حصول العلم. وأما زعم المتفلسفة أنه بالعقل الفعال: فمن الخرافات التي لا دليل عليها. وأبطل من ذلك زعمهم: أن ذلك هو جبريل وزعمهم: أن كل ما يحصل في عالم العناصر من الصور الجسمانية وكمالاتها: فهو من فيضه وبسببه فهو من أبطل الباطل. ولكن إضافتهم ذلك إلى أمور روحانية: صحيح في الجملة. فإن الله سبحانه وتعالى يدبر أمر السموات والأرض بملائكته التي هي السفراء في أمره ولفظ " الملك " يدل على ذلك. وبذلك أخبرت الأنبياء وقد شهد الكتاب والسنة من ذلك بما لا يتسع هذا الموضع لذكره كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في ملائكة تخليق الجنين وغيره. وأما تخصيص روح واحد متصل بفلك القمر يكون هو رب هذا العالم فهذا باطل. وليس هذا موضع استقصاء ذلك ولكن لا بد أن يعلم أن المبدأ في شعور النفس وحركتها: هم الملائكة أو الشياطين فالملك يلقي التصديق بالحق والأمر بالخير والشيطان يلقي التكذيب بالحق والأمر بالشر. والتصديق والتكذيب مقرونان بنظر الإنسان؛ كما أن الأمر والنهي مقرونان بإرادته.
فإذا كان النظر في دليل هاد - كالقرآن - وسلم من معارضات الشيطان. تضمن ذلك النظر العلم والهدى. ولهذا أمر العبد بالاستعاذة من الشيطان الرجيم عند القراءة. وإذا كان النظر في دليل مضل والناظر يعتقد صحته؛ بأن تكون مقدمتاه أو إحداهما متضمنة للباطل أو تكون المقدمات صحيحة لكن التأليف ليس بمستقيم: فإنه يصير في القلب بذلك اعتقاد فاسد وهو غالب شبهات أهل الباطل المخالفين للكتاب والسنة من المتفلسفة والمتكلمين ونحوهم. فإذا كان الناظر لا بد له من منظور فيه. والنظر في نفس المتصور المطلوب حكمه لا يفيد علما؛ بل ربما خطر له بسبب ذلك النظر أنواع من الشبهات؛ يحسبها أدلة لفرط تعطش القلب إلى معرفة حكم تلك المسألة وتصديق ذلك التصور. وأما النظر المفيد للعلم: فهو ما كان في دليل هاد. والدليل الهادي - على العموم والإطلاق - هو " كتاب الله " و " سنة نبيه " فإن الذي جاءت به الشريعة من نوعي النظر: هو ما يفيد وينفع ويحصل الهدى وهو بذكر الله وما نزل من الحق. فإذا أراد النظر والاعتبار في الأدلة المطلقة من غير تعيين مطلوب فذلك النظر في كتاب الله وتدبره؛ كما قال تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} . وقال تعالى: {وكذلك أوحينا
إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} {صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} . وأما النظر في مسألة معينة وقضية معينة؛ لطلب حكمها والتصديق بالحق فيها؛ والعبد لا يعرف ما يدله على هذا أو هذا: فمجرد هذا النظر لا يفيد. بل قد يقع له تصديقات يحسبها حقا وهي باطل. وذلك من إلقاء الشيطان. وقد يقع له تصديقات تكون حقا وذلك من إلقاء الملك. وكذلك إذا كان النظر في الدليل الهادي وهو القرآن فقد يضع الكلم مواضعه ويفهم مقصود الدليل فيهتدي بالقرآن وقد لا يفهمه أو يحرف الكلم عن مواضعه فيضل به ويكون ذلك من الشيطان. كما قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} وقال: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين} وقال: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} وقال: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى} وقال: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} . فالناظر في الدليل بمنزلة المترائي للهلال قد يراه وقد لا يراه لعشى في بصره وكذلك أعمى القلب.
وأما الناظر في المسألة: فهذا يحتاج إلى شيئين: إلى أن يظفر بالدليل الهادي وإلى أن يهتدي به وينتفع. فأمره الشرع بما يوجب أن ينزل على قلبه الأسباب الهادية ويصرف عنه الأسباب المعوقة: وهو ذكر الله تعالى والغفلة عنه. فإن الشيطان وسواس خناس فإذا ذكر العبد ربه خنس وإذا غفل عن ذكر الله وسوس. و " ذكر الله " يعطي الإيمان وهو أصل الإيمان. والله سبحانه هو رب كل شيء ومليكه وهو معلم كل علم وواهبه فكما أن نفسه أصل لكل شيء موجود فذكره والعلم به أصل لكل علم وذكره في القلب. والقرآن يعطي العلم المفصل فيزيد الإيمان كما قال " جندب بن عبد الله البجلي " وغيره من الصحابة: " تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا ".
المصدر...